; الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات (الحلقة الأخيرة) | مجلة المجتمع

العنوان الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات (الحلقة الأخيرة)

الكاتب د. محمد أحمد صقر

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1976

مشاهدات 62

نشر في العدد 294

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 06-أبريل-1976

٦- تحقيق توزيع عادل للدخل والثروة ومراعاة مبدأ تكافؤ الفرص

إذا سلمنا بأن الملكية الفردية هي القاعدة التي يقوم عليها بنيان الاقتصاد الإسلامي فلا مناص من التسليم بأن مكافآت عناصر الإنتاج ستحدد- عمومًا- تبعًا للنتائج التي يسفر عنها سريان جهاز الأسعار، ومقدرته على الربط بين أسواق المنتجات وأسواق عناصر الإنتاج، ولما كانت الملكية- كذلك الإنتاجية- متفاوتة بين الناس، فلا مناص من حدوث تفاوت في توزيع الدخول الفردية، والتفاوت في الدخل ليس عيبًا في ذاته، إذ إنه يشكل دافعًا حركيًّا لتحسين الإنتاجية، والمنافسة، ويسمح بأحداث تفاوت معقول في الأذواق الذي يؤدي بدوره إلى تنوع الإنتاج، وترقية العملية الإنتاجية، وباختصار فإن تفاوت الدخول في هذا المعنى يفسح المجال للتنوع، ويشحذ الحوافز للإبداع، أما التساوي التام في الدخول فإنه يؤدي إلى تجميد العملية الإنتاجية، ويصيب الاقتصاد بحالة من السكون والجمود.

ولكن هذه المزايا المترتبة على تفاوت الدخول يمكن أن تتحول إلى أخطار محدقة إذا كانت فجوة التفاوت كبيرة، وتركزت الثروة في أيدي أفراد قلائل، وهذا التركز سيسمح بأن تمتد آثاره السيئة إلى النواحي الاجتماعية، والسياسية فضلًا عن النواحي الاقتصادية. إن تركيز الثروة الحالية يمكن أن يقتل الحوافز، وروح الانتماء في المجتمع، ويمكن لفئة قليلة من أن تصبغ الحياة السياسية، والثقافية، والفنية بحيث توجه سياسة الدولة لحماية مصالحها. 

وعلى المستوى الاقتصادي؛ فإنه يمنح فئة غنية قليلة الفرصة للاستمتاع بخيرات المجتمع، وتسخير طاقاته لإشباع حاجاتها الترفيهية، وآنذاك يبرز نمطان للاستهلاك: نمط كمالي تتوجه نحوه معظم الموارد الاقتصادية، ونمط بدائي شعبي خطه يسير من الموارد، ذلك لأن ثقل القوة الشرائية سيترك بصماته واضحة بالنسبة لتوجيه الموارد، وفي مثل هذا المجتمع تتحول مؤسسة الشورى «1» إلى مجرد شبح لا مضمون حقيقي له، ويورث البنيان الاجتماعي كله طاقات حبيسة مكبوتة يمكن أن تعصف به كلية في أية لحظة.

ولكي تبقى الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية قادرة على الاحتفاظ بقوة دفعها أعطى الإسلام الدولة وسائل عديدة لتحقيق توزيع الدخل أكثر عدالة، وهذه الوسائل تنقسم إلى قسمين: 

الأول: وسائل ضمنية في صميم النظام.

ثانيًا: وسائل تخضع للقرار السياسي، وتقدر حسب حاجة المجتمع.

أما الوسائل الضمنية فأبرزها: 

١- الزكاة.

۲- نظام الإرث.

٣- الإنفاق بأنواعه، والكفارات، والأوقاف.

أما النوع الثاني فيشمل:

 فرض الضرائب، وتطبيق نظام الضمان الاجتماعي، وتحديد الملكية الزراعية والعقارية، أو التجارية.

وبالنسبة للنوع الأول سنتناول الزكاة بشيء من التفصيل:

الزكاة كأداة لتوزيع الدخل:

الزكاة- التزام مالي- نقدي، أو عيني- ورد في القرآن الكريم، وفصلت الأحاديث النبوية الشريفة مقدارها، ومطرحها- أي وعاءها-، وتوقيتها، وشروطها.

وتفترق الزكاة عن الضرائب بخلودها، واستمراريتها، وثباتها؛ فهي غير قابلة للحذف، ولا لتغيير معدلاتها، وهذه الحقيقة تمنحها ميزة كبرى إذ إنها تمثل موازنًا ضمنيًّا مستديمًا في النظام الاقتصادي الإسلامي 

Autonomous built in Stabilizer

والزكاة لا تمس القشرة الخارجية للثروة أي لا تقتصر على الدخل كما هو الحال في معظم أنواع الضرائب المعروفة لكنها في حالات عديدة تمس السطح وتتغلغل بعيدًا في صميم رأس المال والمورد الإنتاجي «۱».

ويمكن متابعة حركة الزكاة في توزيع الدخل من زاويتين:

 ١- الزكاة وتوزيع الدخل من خلال النمو

Distribution Through Production

الزكاة المفروضة على الأرصدة النقدية، والمسكوكات الذهبية والفضية، والمدخرات والمكتنزات بمعدل ۲٫٥٪ سنويًّا من شأنها أن تحفز رأس المال للبحث عن مجالات استثمار مجزية، وألا تعرض الرصيد النقدي للتناقص المستمر والفناء مع الزمن كما تصوره المعادلة التالية:

الرصيد النقدي في نهاية سنة =

س (۱- ع) ن 

حيث س = رأس المال والرصيد النقدي

ع = معدل الزكاة 

ن = عدد السنوات

وتبين الدالة الطريقة التنازلية التي يتناقص بموجبها رأس المال مع الزمن، وزيادة الاستثمار، والإنتاج توسع قاعدة الدخل، وتزيد فرص التوظف، والزكاة موجهة من حيث آثارها لحفظ الاقتصاد في حالة نمو وحركة بمعدلات عالية تزيد عن معدلات الزكاة، والحديث عن عدالة التوزيع، وتحسين مستوى المعيشة يصبح عقيمًا إذا لم تتوسع قاعدة الإنتاج في المجتمع «۱»، ويمكن أن نسمي هذا الأثر توزيع الدخل من خلال الإنتاج

Income distribution through production

۲- تأثير الزكاة على التوزيع بتخصيصها الإنفاق:

توزع حصيلة الزكاة طبقًا للمصارف، أو الوجوه الواردة في الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 60) «۱». وأوضح أن المستفيد الأعظم من الزكاة الفئات المحتاجة، أو الفقيرة، وتخصيص الإنفاق وربطه لسد احتياجات رأس المال البشري يبرز مدى حرص الإسلام على الإنسان، فلا بد أولًا من سد الحاجات الإنسانية المباشرة، ولا تبدد حصيلة الزكاة على مشاريع أقل أهمية، وثمة أمر على غاية من الأهمية؛ وهو أن حصيلة الزكاة محصنة إلى حد كبير من تناقص القوى الشرائية، فكون زكاة الثروة الحيوانية- الأنعام-، والزروع تدفع على شكل عيني، أو ما يوازي القيمة النقدية السائدة في تلك الفترة، يحفظ القوة الشرائية للمستفيدين من التدهور في وجه حالات التضخم وارتفاع الأسعار، وهذه مشكلة تتعرض لها الضرائب، وأصبح عدد من المفكرين المعاصرين الغربيين يطالب بعلاجها وتسمى مشكلة التثبيت «۲»  Indexation

أما طريقة توزيع الثروة، وتفتيت الملكيات الكبيرة عن طريق نظام الإرث الإسلامي، فلا مجال لتفصيلها هنا، ويكفي القول: إنها صمام أمان ثابت غير قابل للتغيير، فتوزيع التركة حسب الأنصبة الشرعية الواردة في القرآن الكريم من شأنه أن يوزع منبع الدخل على كل الفروع مما يوسع من قاعدة المستفيدين، أما فروض الإنفاق كإلزام الابن بالإنفاق على أبيه، فإنها أيضًا تساهم في نفس الاتجاه من الناحية الاقتصادية.

النوع الثاني:

التوزيع بأساليب مباشرة

يدخل في هذا النوع فرض ضرائب جديدة جنبًا إلى جنب مع الزكاة، أما أنواع الضرائب كالضرائب المباشرة، وغير المباشرة، وضرائب التركات، ومعدلاتها  التصاعدية والنسبية، فإن للدولة الإسلامية أن تفرض ما تراه كفيلًا بتحقيق مصلحة الجماعة شرط أن تكون المصلحة قطعية وعامة، بمعنى لا تخدم مصلحة الحاكمين، وإنما يراعى في فرضها شرط ضرورة تلبية الحاجات الاجتماعية، وللرسول الكريم قول مأثور:

«إن في المال حقًّا سوى الزكاة» «۱» 

وإذا توافرت المصلحة القطعية للمجتمع- لا الظنية- جاز للحكومة أن تتدخل في الملكية ذاتها «۲»، كأن تضع حدودًا للملكية الزراعية، والصناعية «۳».

٧- تحقيق الضمان الاجتماعي لأفراد المجتمع:

كان بالإمكان دمج هذا البند مع البند السابق لكننا أردنا إفراد حيز صغير من هذا البحث؛ لإبراز أهميته, تضمن الدولة لكل مواطن فيها مسلمًا، أو ذميًّا حق العيش الكريم إذا كان متعطلًا بصورة إجبارية Compulsory Unemployment، أو به مرض، أو عاهة يقعده عن كسب رزقه كما تضمن المسكن اللائق، والعلاج استنادًا إلى قول الرسول الكريم: «من ترك كلًّا فإلينا، ومن ترك مالًا فلورثته».

وإذا لم تكف موارد الزكاة فللدولة أن تفرض على أموال الأغنياء التزامات إضافية كالضرائب لسد احتياجات المجتمع كما بينا «۲».

ولا بد من الرد على اعتراض قد يثور بأن اتباع مثل هذه السياسة السخية لإعادة توزيع الدخل ستعمل على تحويله من فئات ميلها الحدي للادخار مرتفع- أي الأغنياء- إلى فئات ميلها الحدي للاستهلاك مرتفع، مما يضعف من معدل التكوين الرأسمالي والنمو.

والحقيقة أن فكرة التعارض الموهوم بين النمو وتحسين مستوى المعيشة للغالبية كانت إحدى المسلمات التي قررها الاقتصاديون الكلاسيك وأقرانهم المحدثون جزافًا Classical And Neoclassical، ولا تتوافر حتى يومنا هذا دراسات ميدانية تطبيقية لإثبات صحة هذه المسلمة، ولا زال المجال متاحًا لأبحاث ميدانية للتعرف حقًّا على العلاقة بين إعادة توزيع الدخل وتأثيره على الادخار، وكذلك تأثير ذلك على عنصر العمل كأحد مدخلات الإنتاج، ومدى اتباع سياسة تتميز بالعدل الاجتماعي على كفاءة العمل، وتحصينه ضد عوامل اللامبالاة، والإهمال، والتسيب.

وهذه أحد الأمثلة التي تظهر كيف أن النظرية الاقتصادية الغربية قد أخضعت في مناسبات كثيرة لتبرير مصالح جهات نافذة Pressure Groups «٣».

٨- التخطيط الاقتصادي، وتنفيذ برامج التصنيع، والتطوير الزراعي:

لا يعطي الفقه الإسلامي الدولة الحق في أن تضع الخطط والبرامج لتطوير الاقتصاد الوطني، وبناء الصناعات، والتوسع في الإنتاج الزراعي، وتزويد المجتمع بالخبرات الأكاديمية والمهنية، وتشجيع البحث العلمي، وملاحقة التطور التكنولوجي فحسب، بل إنه يعتبر الدولة التي تقصر في اتخاذ السبل والوسائل نحو سد حاجات المجتمع من كل هذه المتطلبات في الحاضر، وتدبير الأمر للمستقبل آثمة، ويأثم معها المجتمع كله، وهناك قاعدتان في الشريعة الإسلامية عرفتا باسم المصالح المرسلة، وقاعدة سد الذرائع؛ تمكنان الدولة من اتخاذ السياسات اللازمة لمواجهة الظروف المتطورة، والتي تهدف إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي للمجتمع، وللشاطبي نظرات ثاقبة في هذا المجال «۱».

ولكن مدى اتساع، أو ضيق التخطيط الاقتصادي، والاجتماعي يتوقف على الحالة العامة للاقتصاد القومي وعلى مدى استجابة القطاع الخاص للتدابير غير المباشرة التي تتخذها الحكومة لتشجيع إنتاج معين، ويمكن أن يقتصر التخطيط على جمع المعلومات، ودراسة السوق، والمسح العام، والتنبؤ- عن طريق الاحتمال- بأحوال المستقبل وتأثيرها على الوضع, كما يمكن أن يكون التخطيط موجهًا لإيجاد قطاع عام خصوصًا في قطاع الخدمات العامة Public Utilities كالكهرباء والغاز «۲»، وبعض الصناعات الثقيلة، وصناعة الأسلحة. 

وفي كل الحالات لا يجب أن يصل التخطيط إلى المدى الذي يمكن أن يهدد نظام الملكية الفردية، ويقضي على الحوافز الفردية، وتتحول الدولة بالتدريج إلى مالكة لوسائل الإنتاج، الدور الحكومي مطلوب لسد النقص في النشاط الخاص فقط، وليس التنافس معه.

٩- العمل على تحقيق التكامل الاقتصادي للأمة الإسلامية:

لم يعرف الإسلام في صدره الأول، وفي عهد ازدهار المسلمين قضية الحدود الجغرافية، والسياسية، والاقتصادية، وكانت الوحدة الإسلامية لا تتمثل في المعتقد فحسب، بل وفي الحياة السياسية كذلك، وظل الفقه الإسلامي فترة طويلة لا يعترف بالبيعة إلا لإمام واحد يرعى صالح جميع المسلمين. 

أما اليوم فقد انقسم العالم الإسلامي إلى دويلات متعددة، وهذا الانقسام السياسي ما هو إلا تعبير عن الانقسام الفكري، والتشتت الثقافي، والتخبط الأيديولوجي الذي أريد للأمة الإسلامية أن تجرعه.

وعلى أية حال فإن من واجب أية دولة تأخذ بمفاهيم الإسلام المتكاملة، ومنها المفاهيم الاقتصادية أن تضع في اعتبارها ضرورة تحقيق التكامل الاقتصادي للأمة الإسلامية، والتكامل جوانب عديدة، نبرز بعضًا من جوانبه الاقتصادية، التكامل يساعد إلى حد بعيد على حل مشكلة ضيق السوق التي تعتبر قيدًا على إدخال الصناعات الكبيرة التي تتمتع بوفورات الإنتاج Economies of Scale

كما أنه يساعد على إدخال الفن الإنتاجي المتطور ذلك لأن هناك أحجامًا لا يمكن إدخالها في بلد صغير كإنتاج الطائرات والسيارات، كما يوفر تكامل الفرص لسد النقص في بعض العناصر كالعمال، والخبرات الفنية، ويوفر في نفقات التنمية ذاتها عن طريق الاستغناء عن مشاريع كثيرة ومتكررة لا تتمتع بمزايا حقيقية، وهذا من شأنه أن يسمح بقيام نمط من «۱» التخصص في البلدان الإسلامية بحيث يتخصص كل بلد حسب طبيعة موارده، ومزاج سكانه، مما يسمح ببناء قاعدة صناعية تسير جنبًا إلى جنب مع تطوير الزراعة لتأمين احتياجات الغذاء، ومتطلبات التنمية من المواد الخام الزراعية مما يكفل نجاح خطة التنمية، ومحصلة هذا كله تحسين رفاهية المستهلك عن طريق الإنتاج الجيد، والسعر المعقول. 

وهذا النمو الصناعي في ظل التكامل الاقتصادي سيحل مشكلة خطيرة تتعرض لها الأمة الإسلامية فيما يتعلق بإنشاء الصناعات العسكرية، إذ إن الصناعة العسكرية الحديثة باهظة التكاليف خصوصًا من ناحية الإنفاق على البحث العلمي والتجارب، ونمط الأسلحة في تطور مستمر، وبناء صناعة عسكرية تسد احتياجات الدول الإسلامية يعتبر شرطًا لا غنى له للتخلص من سيطرة الدول الكبرى على اختلاف أنظمتها التي تستخدم قضية تزويدنا بالأسلحة كأسلوب ابتزاز لأحداث تواؤم سياسي ينسجم مع مصلحة الدول المصدرة للسلاح وكثيرًا ما يتعارض مع مصلحة الأمة الإسلامية.

وباختصار فإن التكامل هو السبيل للاستقلال الاقتصادي، وتحسين شروط التبادل مع العالم الخارجي، وتعميق الفعاليات الاقتصادية في الوطن الإسلامي، الذي يعتبر ركيزة أساسية للاستقلال الاقتصادي«۱».

ولا بد الآن من كلمة أخيرة موجزة عن البحث، فلعلنا قد وفقنا في إبراز اهتمام الإسلام بمسألة النشاط الاقتصادي، وأن الإنتاج المادي، والحث عليه جزء من العقيدة الإسلامية التي تأخذ الإنسان- وبيئته- وتعامله بصورة شمولية، تضمن له ولمجتمعه نموًّا متوازنًا هادفًا.

وأبرزنا دور القيم في التحليل الاقتصادي، وفي تقييم الأنظمة الاقتصادية، والاجتماعية، وكيف أن هنالك اتجاهًا قويًّا بين الاقتصاديين لتأكيد الاعتراف بالدور الجوهري للمعايير والقيم في تشكيل منهج الباحث الاجتماعي، ومعنى هذا أن العالم الاقتصادي المسلم وهو ينطلق من مواقف مسبقة تبنى على مفاهيم وفلسفة النظرة الإسلامية، إنما يمارس حقًّا طبيعيًّا، ويلتزم منهجًا علميًّا مفيدًا، حتى يكون لتحليله وللسياسات الاقتصادية التي يقترحها قابلية للتطبيق، وتحقيق الأهداف التي تنسجم مع طبيعة المجتمع الإسلامي. 

ومن خلال التحليل المقارن للأنظمة الاقتصادية تبين من البحث أن الملكية الفردية في الإسلام لها مفهوم ومضمون متميز يجعلها أقرب إلى الوديعة في يد المالك لاستغلالها وتنميتها، والتمتع بعائدها مراعيًا المالك في كل الحالات مبدأ الإيراد الاجتماعي، وتوجيه الملكية، و«الموارد الاقتصادية» من خلال هذه الرؤيا يجعلها أقدر على تحقيق الرفاهية المثلى إذ إن الإنتاج سيتوجه لسد الحاجات الضرورية، والحاجات التي تتطور مع الزمن شريطة أن تكون الرغبات والحاجات سرية، والدولة في الإسلام ليست غائبة عن المسرح الاقتصادي فلها أدوار رئيسية وهامة،

تتلخص في التحفظ لأية آثار سلبية تنجم عن سريان نظام جهاز الأسعار، وتوفر للمجتمع متطلبات النمو، والتقدم العلمي، والاقتصادي، وتوفر فرص العمل، وتتدخل في عملية توزيع الدخل بحيث تحقق مستوى لائقًا للعيش لجميع المواطنين، والإسلام يعتبر الاستثمار في الإنسان أرقى أنواع الاستثمار، خلافًا لمعطيات النظرية الرأسمالية التي افترضت في مرحلة الثورة الصناعية دون وجه حق أن التكوين الرأسمالي، والتطور الصناعي لا يتحقق إلا على حساب تدهور مستويات العيش للطبقة العاملة، إن الموارد وما ينجم عنها سخرها الخالق- جل شأنه- لرفاهية الإنسان، ورفع شأنه، فكيف يجوز أن يُسخَّرَ الإنسان ليكون هو نفسه طعمًا للحياة الاقتصادية حسب الرؤيا المادية الضيقة؟

١- لا تناقض هنا بين القول بأن الملكية الفردية ضرورية لوجود الحرية, وبين إمكانية تحولها إلى أداة لطمس معالم الحرية. 

إن الملكية الفردية شرط لا غنى عنه، لكنها في حاجة إلى مقومات أخرى؛ إذ بالإضافة إلى ضرورة أن يستقر مفهومها في وجدان الحاكمين والمحكومين، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية، ورفع مستوى العيش للمواطنين جميعًا شرط أساسي لا غنى عنه، ومن الظلم حقًّا أن يظن البعض عدم إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية والتقدم إلا بالقضاء على الملكية الفردية، إن العبقرية الحقيقية تتمثل في ذلك المجتمع الذي يستطيع أن يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية- بمضامينها كلها، وليس بالمضمون الاقتصادي وحده- في ظل حرية التملك.

للتوسع في هذا الموضوع انظر: المرحوم سيد قطب. العدالة الاجتماعية في الإسلام- مكتبة وهبه القاهرة.

2-     محمد أحمد صقر- الزكاة والضرائب المعاصرة- بحث ألقى في أسبوع ندوة التشريع الإسلامي تحت إشراف جامعة بنغازي- الموارد المالية في الإسلام، معهد الدراسات الإسلامية، القاهرة ۱۹۷۰م- وانظر الدراسة الموسوعية المعروفة، يوسف القرضاوي، فقه الزكاة جزءان. دار الإرشاد بيروت ١٩٦٩.

ومن المراجع القديمة التي لا تنضب قيمتها: القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، كتاب الخراج، المطبعة السلفية ومكتبتها ١٣٥٢هـ، وانظر كذلك تقرير اللجنة العليا لمراجعة التشريعات وتعديلها وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية بعنوان الوثائق والدراسات الخاصة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية- المجلد الأول- الجمهورية الليبية أبريل ۷۲ ص166:135

1- اتساع وعاء الزكاة وكونها تفرض على مصادر إنتاجية واسعة يجعلها تتمتع بمقدرة أكبر من الضرائب ليتحقق هدف التوزيع العادل- فهي تفرض على الإنتاج الحيواني بمعدلات متفاوتة، وعلى على الإنتاج الزراعي بمعدل ٥-١٠  بالمائة، وعلى الإنتاج الصناعي بمعدل ٥-١٠ بالمائة، وعلى صافي غلات العقارات السكينة والمتاجر بنفس النسبة المسابقة، وعروض التجارة ٥,٢ بالمائة، وعلى الأسهم والسندات- الدين غير الربوي- والأرصدة بنفس المعدل، وكون مصادرها متعددة يمنحها قدرًا كبيرًا من المرونة، فلو فرضنا أن الأرباح قد وصلت إلى الصفر في المجتمع فإن حصيلة الشركات تصبح صفرًا في تلك السنة، بينما تظل حصيلة الزكاة رقمًا موجبًا لأن الزكاة تفرض على الرصيد النقدي، وإن لم يحقق ربحًا بسبب عدم استغلاله.

١- خاضت الدولة حربًا لصالح الفقراء في عهد أبي بكر- رضي الله عنه- عندما رفضت بعض القبائل أداء الزكاة وأجبروا في النهاية على دفعها بالقوة.

انظر: 

•      نص الرسالة التي نشرتها جريدة الجارديان البريطانية المرسلة من اللورد باودين والدكتور الحسيني حول ثبات القوة الشرائية للزكاة

Lord Bowden & S. T. S. Al- Hasani, "The Pro- phet and the loss, or a fair Shower of the proceeds", The Guardian, Thursday June 5,1975, P. 12،

1-     سنن الترمذي،

2-     لمزيد من التوسع في هذا الموضوع انظر: سید قطب، «معركة الإسلام والرأسمالية والعدالة الاجتماعية في الإسلام» وانظر: محمد قطب، «شبهات حول الإسلام»، و«الإنسان بين المادية والإنسان».

٣- ولقد عالج الدكتور عبد الحميد أبو سليمان قضية حق الدولة في تحديد الملكية بصورة تحليلية، وتاريخية مستشهدًا بوقائع من التاريخ الاقتصادي للمجتمع الإسلامي في عهد الرسول- عليه الصلاة والسلام-، ودلل على رأيه بأحاديث نبوية عديدة، مبرزًا أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- قد وزع الأرض في مجالات عديدة خصوصًا توزيعه فيء بني النضير إذ أعطاها كلها للمهاجرين، ولم يعط الأنصار شيئًا باستثناء رجلين كانا فقيرين، ويتفق الدكتور أبو سليمان مع المرحوم مصطفى السباعي في حق الدولة بتأميم بعض الصناعات والأنشطة إذا تطلبت مصلحة المجتمع ذلك، شرط أن تعوض المالكين بطريقة عادلة. 

غير أن أبو سليمان يصرح بوضوح في عدة أمكنة من بحثه القيم بأن الأصل هو الملكية الفردية، وإفساح المجال القوي للعرض والطلب أن تلعب دورها السوق، وأريد أن أضيف أن من حق الدولة أن تضع حدًا أدنى للملكية حتى تحول دون تفتيت الملكية خصوصًا الزراعية منها في الريف، بسبب توزيع التركة حسب الإرث الشرعي، عن طريق اشتراط إشراك الورثة في جمعية تعاونية زراعية، أو غير ذلك حتى يمكن استغلال الأرض في وحدة إنتاجية معقولة.

Abdul-Hamid Ahmad Abu-Sulayman, The Theory of the Economics of Islam، Proceedings of the third East Coast Regional Conference, Theme, Contemporary Aspects of Economic and Social Thinking in Islam, Moslem Students Association, Holiday Hills, April 12, 1968, pp. 26-83.

1- خصص عمر بن الخطاب عطاء- منحة دورية- لكل طفل، وقد عمم هذا بعد أن علم أن الناس أصبحوا يعجلون فطم أطفالهم لينالوا العطاء، كما منح عطاء لجميع كبار السن- غير القادرين على العمل والكسب- من أهل الذمة، وأعفاهم من الجزية.

لاستعراض مسهب مع الشواهد، انظر: محمد فاروق النبهان: الاتجاه الجماعي في التشريع الاقتصادي الإسلامي ص ٣٨٥-٣٩٧.

2- وقد ذهب إلى هذا الرأي عدد غير قليل من الفقهاء والمفسرين كالشاطبي والزمخشري وابن حزم وغيرهم، وعلى سبيل المثال، يقول ابن حزم في المحلى ص ٣٥٢:«وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة.

Gunnar Hyrdal, Against the Stream, Published by Pantheon Press, Cambridge University Press, 1972.

1-     من أعظم الكتب التي تتسم بالفهم المتعمق لفلسفة المسؤولية الجماعية، كتابا «الاعتصام»، و«الموافقات» لأبي إسحق الشاطبي.

 2- يتفق مع هذا الرأي فقهاء كبار، أمثال ابن تيمية، والغزالي وابن حزم، والكاسائي واستند الفقهاء إلى قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- «الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار»؛ لإباحة تملك الدولة موارد إنتاجية لها صفات مماثلة، في هذا الشأن يقول الإمام الكاساني في كتابة «بدائع الصنائع»: وأرض الملح والغاز والنفط ونحوها، مما لا يستغنى عنها المسلمون لا يجوز للإمام- أي الدولة- أن تعطيها لأحد لأنها حق لعامة المسلمين، وفي الإقطاع إبطال لحقهم وهذا لا يجوز.

  انظر:

علي عبدالواحد وأفي: التكامل الاقتصادي في الإسلام، مجمع البحوث الإسلامية- القاهرة ۱۹۷۱.

 ١- للتوسع في تحليل مختلف الآثار الإيجابية للتكامل الاقتصادي بالنسبة للمؤسسة الواحدة للاقتصاد ككل انظر: رسالة المؤلف للدكتوراه بعنوان الاندماج الاقتصادي ونمو الدول غير النامية.

Mohamed A، Sakr, Economic Integration and the Growth of Less Developed Countries, Ph, D، Thesis, Harvard Uni. Cambridge, Mass, 1964,

1-     ولإبراز أهمية المتكامل بالنسبة للتصنيع الحربي في الصراع ضد الحركة الصهيونية التوسعية، انظر محمد أحمد صقر«أثر حرب رمضان على الاقتصاد الإسرائيلي» بحث قدم في ندوة حرب أكتوبر التي انعقدت تحت إشراف جامعة القاهرة، 10 أكتوبر۱۹۷٥- تحت الطبع.

الرابط المختصر :