; علو الهمة | مجلة المجتمع

العنوان علو الهمة

الكاتب حمدي يوسف الخطاب

تاريخ النشر السبت 24-مايو-2008

مشاهدات 66

نشر في العدد 1803

نشر في الصفحة 53

السبت 24-مايو-2008

«للنفس البشرية طبيعة مجبولة على حب الدنيا والتعلق بما فيها من ملذات؛ لكن السعي نحو الآخرة يحتاج إلى مجاهدة نفس وصبر على البلاء وعمل صادق دءوب، يقول ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر: مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري، فإنه يطلب الهبوط، وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف.. والطبع جواذبه كثيرة، وليس العجب أن يغلب، وإنما العجب أن يغلب.. ومن لم ير العواقب غلب عليه الحس، فعاد عليه بالألم ما طلب منه السلامة وبالنصب ما رجا منه الراحة».

لكن المؤمن حاله مختلف عن ذلك فهو دائم المحاسبة لنفسه على كل قول وفعل، وذلك من علامة كمال عقله، وعلو همته.

يقول الشاعر:

ولم أر في عيوب الناس عيباً                        كنقص القادرين على التمام

ولنابليون مقولة شهيرة حين كان منفياً في جزيرة القديسة «هيلانة»: (لا أحد سواي مسؤول عن هزيمتي، لقد كنت أنا أعظم عدو لنفسي)، لقد كان نابليون صادقاً فيما توصل إليه؛ لأنه كان جامح الطموح، لدرجة أنه لم يتوقف لحظات ليسأل نفسه سؤلًا بسيطًا: «أي خطأ ارتكبته؟ وأي توفيق صادفته؟» إن مثل هذا السؤال إذا أجبنا عليه بصدق فإنه سيقودنا إلى نتيجة مهمة ربما عدلت من نتيجة مهمة ربما عدلت من مسار حياتنا وأخذتنا إلى سعادة الدنيا والفوز بمرضاة الله في الآخرة.

كان لأبي مسلم الخراساني طموح في الولاية وكان في آخر أيامه لا يكاد ينام فلما سئل عن ذلك، قال: «ذهن صاف وهم بعيد، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلي جهلاً وأحاول به خطراً لا ينال إلا بالجهل وأدبر بالعقل مالا يحفظ إلا به، فإن الخمول أخو العدم».

وصورة أبو مسلم الخراساني صورة من علو الهمة أُسيء توجيهها فقـادت

صاحبها إلى سوء النهاية فقد وصل أبو مسلم بالفعل إلى هدفه فولي الإمارة لكن على جثث القتلى، ثم ما لبث أن مات مقتولاً هو الآخر!

أما المؤمن فمطلوب منه أن يكون عالي الهمة ذا طموح فلا بأس أن يكون له هدف دنيوي يسعى إلى تحقيقه، شريطة أن يوجهه الوجهة الصحيحة، فيطوعه لخدمة آخرته ليكون همه في النهاية رضا مولاه في كل ما يقول ويفعل.

حين يضع المسلم الآخرة نصب عينيه ويجعلها همه الأكبر وهمته العليا وسعيه الدائم فإنه حينئذ بأقل مجهود ودونما نصب ومشقة سوف تأتيه الدنيا راغمة بين يديه بل ربما ساعتها لن يلتفت إليها، أو يعيرها أدنى اهتمام، لأنه قد تحققت له السعادة بقربه من مراده وبرضا مولاه عنه قال: من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له.

لكن ذلك لا يعني أن طريق الآخرة سهل ونصر الله للمؤمنين في الدنيا يأتي بأحلام الكسالى وخيالات الواهمين؛ إنما هو طريق شاق وطويل له تكاليفه الكبيرة قبل تحققه وبعده، ولا يتحقق إلا على أيدي رجال ذوي همم عالية ونفوس كبيرة، وربما تأخر النصر عنهم حتى يحققوا مراد الله منهم أو ربما ليمحصهم ويختبر ما في قلوبهم ويرسخ إيمانهم ويقوي عزائمهم وربما أراد أن يهيئ لهم الظروف المناسبة، لكنه آت لا محالة بقدر الله وحكمته التي لا يعلمها سواه، فإذا أتي كانت له تكاليفه التي لا يقوم بها سوى المؤمنين الصـادقين الذين اختارهم الحق سبحانه فأيدهم بنصره، لذا قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ (7)﴾ (محمد). أي على النصر والنعماء إذ كثير من النفوس تثبت على المحنة والبلاء ولكن القليل منها هو الذي يثبت على النصر والنعماء، لذا قد يتأخر نصر الله لعباده المؤمنين إلى الوقت الذي سبق في علمه سبحانه أنهم سوف يصبرون فيه على نعمه لأن أقدامهم راسخة على أرض صلبة من الإيمان واليقين.

(*) لجنة مسلمي أفريقيا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

117

الثلاثاء 26-مايو-1970

صراع مع سيجارة

نشر في العدد 268

211

الثلاثاء 23-سبتمبر-1975

تقوى الله -  الحلقة الأخيرة

نشر في العدد 880

70

الثلاثاء 30-أغسطس-1988

استراحة المجتمع: (العدد: 880