; وحدة إندونيسيا وديمقراطيتها في خطر.. شرطي آسيا ينطلق من تيمور! | مجلة المجتمع

العنوان وحدة إندونيسيا وديمقراطيتها في خطر.. شرطي آسيا ينطلق من تيمور!

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

مشاهدات 81

نشر في العدد 1369

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 28-سبتمبر-1999

  • إندونيسيا من أهم الدول التي تعتمد عليها أمريكا في احتواء قوة الصين المتنامية.
  • لماذا سارعت الصين واليابان إلى المشاركة في القوة الدولية؟
  • مستقبل إندونيسيا السياسي الغامض والصعود المتنامي للإسلاميين دفعا الغرب للحضور إلى تيمور خوفًا من أي وضع جديد يهدد طريق النفط والتجارة الآسيوية والمصالح الأمريكية.
  • الصراع في «تيمور» سياسي وليس دينيًا كما تصوره وسائل الإعلام الغربية والمذابح لم تكن على أيدي مسلمين وإنما على أيدي كاثوليك معارضين للاستقلال فالمليشيات المتقاتلة معظمها من النصارى.
  • أهداف أمريكا من التواجد في تيمور: السيطرة على طرق بحرية لا تصل إليها اليابان والصين والتحكم في الطريق البحري الممتد من اليابان وإليها

تسارعت الأحداث في تيمور الشرقية، وككثير من حالات الصراع في العالم الإسلامي ظهرت معايير الغرب المزدوجة واضحة وبينما يستعد التيموريون للاحتفال بميلاد أحدث العواصم الآسيوية، يتزايد قلق الإندونيسيين من المستقبل غير البعيد والمجهول الذي تنتظره بلادهم، خاصة بعد أن تعرضت إندونيسيا المسلمة لحملة تشويه شديدة من قِبَل وسائل الإعلام الدولية وعلى الرغم من إتفاق الجميع على حق شعب تيمور في التمتع بنتيجة الإستفتاء، فإن المتضرر من ذلك من أوجه عدة قد يكون الشعب الإندونيسي بأسره، إذا لم يتم استيعاب إفرازات الأزمة التيمورية سريعًا.
وقد تسارعت الأحداث، منذ إجراء الإستفتاء حتى وصلت إلى تهديد إندونيسيا بالحصار الإقتصادي، إذا لم تقبل بقدوم قوات دولية إلى تيمور الشرقية، وقد جاء ذلك صراحة على لسان أحد الدبلوماسيين الذي قال: «لا نريد أن تصبح إندونيسيا بورما ثانية» وهو المعنى نفسه الذي حملته تصريحات كلينتون واتصالاته وحمله كلام أولبرايت، التي قالت: «إن إندونيسيا ستعاني من أوجه عدة إن لم تستجب». كما جاءت تصريحات رئيس وزراء أستراليا واضحة في هذا الصدد أيضًا، مؤكدًا استعداد أستراليا لفرض حصار على إندونيسيا من أجل تيمور، ومنح كوفي عنان لإندونيسيا ٤٨ ساعة مهلة للسيطرة على الوضع، لكن الغريب أن لهجة التصريحات خفت لعدة أيام خاصة قبل لقاء وفد الأمم المتحدة حبيبي يوم 9 / 9 / 1999م وإعلان إندونيسيا أنها غيرت القيادة العسكرية في تيمور، حيث عين يومها الجنرال كيكي شيهانكري، لكن هدوء الضغط المالي الخفي، فإندونيسيا ماليًا بيد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأخطر تهديد تخشاه هو قطع التمويل عنها طبقًا لما يقوله دبلوماسي غربي، وعلى الرغم من أن الصندوق قد امتدح خطوات الإصلاح في الأشهر الماضية، إلا أن «تيمور» عادت لتكون شرطًا جديدًا ضمن مجموعة الشروط السرية التي كشف النقاب عنها من قِبَل البنك الدولي، ويتمثل هذا الشرط الجديد في قيام إندونيسيا بتعبيد الطريق أمام استقلال تيمور، مقابل منحها قروضًا مالية، ولم تعرف بعد ماهية الشروط السرية الأخرى التي قد تكون مرتبطة بمستقبل أقاليم أخرى أو أنظمة معينة في المجالين القانوني أو التعليمي أو غيرهما. 
وبعد تهديد مجلس الأمن في 8 / 9 / 1999م باتخاذ اجراءات أخرى، إن لم توافق إندونيسيا على إدخال قوات دولية وتهديد البنك الدولي في اليوم نفسه بقطع المعونة، وتهديد الصندوق بتأخير دفع مليار ونصف مليار دولار هذا الشهر، وتهديد أولبرايت، وقبول الصين على لسان رئيسها جيانج زيمن بعدم استخدام الفيتو ضد قرار أممي يخص تيمور وافقت الحكومة على لسان حبيبي بعد أقل من ٢٤ ساعة على آخر تصريح رسمي أظهر تمسك الحكومة بموقفها السابق، وكان سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة قد وصف إندونيسيا بأنها «مقبلة على کرار نموذج كوسوفا». 
وعقب موافقة الحكومة على إدخال قوات دولية يوم 12 / 9 وبعد كلمة حبيبي المبثوثة على الهواء مباشرة، انطلق العطاس إلى نيويورك يرتب دخول جنود الأمم المتحدة في وقت ساءت فيه علاقتها الدولية إلى مستوى لم تشهده منذ الستينيات وقال وزير التنسيق الاقتصادي، إنه مل أن تبعد موافقة إندونيسيا على قدوم القوات الدولية شبح الحصار الاقتصادي.
ومع تغير الموقف الإندونيسي الرسمي، بدأت قوات الجيش بالإنسحاب في 16 / 9 / 1999م بحرًا وبرًا إلى تيمور الغربية الجزء الغربي جزيرة تيمور، والذي يضم ۸۰۰۰ شرطي، و ٥٠٠ من الجيش المحلي و ۱۲ فرقة بحرية وبرية أوفدت في تيمور مؤخرًا.
وقد أعلن الجيش الإندونيسي استعداده للتعاون مع القوات الدولية، ولاقي هذا الموقف امتداح الأمم المتحدة.

الميليشيات هل ستنتهي؟
على الرغم من إعلان بعض فصائل المليشيات ض جنرالات الجيش الإندونيسي أنها ستقاوم القوات الدولية، إلا أن ذلك غير ممكن، إذا سحبت اكرتا يدها من الساحة التيمورية، ومع ذلك مازالت القوات الدولية حذرة من الألغام التي وزعتها تلك المليشيات بعد انسحاب الجيش الأندونيسي الذي يبدو أنه فقد سيطرته عليها. 
على صعيد آخر، يرى محللون أنه ليس من الدقة إتهام كل الجيش الإندونيسي بأنه وراء ما حصل في الأسابيع القليلة الماضية على الرغم من أن سياسة الجيش كانت موحدة خلال السنوات الـ ٢٤ الماضية، وقد اتهم فرانسيس كالبوادي أحد زعماء الانفصاليين ورئيس مؤسسة «القس بيلو» ثلاثة جنرالات بالوقوف وراء الأحداث الأخيرة وهم: القائد السابق العسكري - لجاكرتا الجنرال شفري شمس الدين، ورئيس المخابرات العسكرية السابق - زكي أنور، والجنرال غلين كايروبان ولم يقدم فرانسيس أدلة على ذلك، لكن تصريحه جاء موافقًا لبعض التحليلات، ولتصريح وزير إندونيسي قبل أسبوعين يشير فيه إلى أن جناحًا في الجيش متورط في الأحداث وليس كل الجيش، وهذا إن كان صحيحًا فإن تغيير قيادات الجيش هناك، قد يؤدي إلى إضعاف هذه المليشيات وعجزها عن مقاومة القوات الدولية، لكن الغضب الشعبي ضد إستراليا وبريطانيا وأمريكا قد لا يستطيع أحد التحكم فيه، خاصة الأستراليين الذين يواجهون غضبًا متزايدًا من قِبَل عامة الشعب الإندونيسي الذي يرى كثير منه أن لها أهدافها السياسية وراء تدخلها في تيمور، وإرغام إندونيسيا على قبول قواتها.

مصالح مالية للجيش
على صعيد آخر، تشير مصادر تيمورية معارضة إلى أن قيادة الجيش والمدنيين في جاكرتا بريئة من الانتهاكات التي قامت بها المليشيات، مشيرة إلى أن هناك عددًا من الجنرالات وعوائلهم لهم مصالح اقتصادية في تيمور مشتركة مع بعض قيادات 
المليشيات، وقد ذكر المجلس القومي للمقاومة التيمورية أن ثروة عائلة سوهارتو من الأراضي في تيمور تقدر بـ 564,867 هكتارًا، تمتد من الحدود الغربية لتيمور إلى شرقها، وتضم كذلك مساحة ٥٠ ألف هکتار للتاجر الكبير بوب حسن، وأبناء سوهارتو وبناته بما فيهن ابنته سيتي هارديسانتي المحتكرة لنسبة كبيرة من إنتاج البن وتصديره من تيمور، والمصالح المذكورة مربوطة -حسب تقرير المجلس القومي- بدعم بعض جنرالات الجيش للمليشيات خاصة ممن عملوا قبل سقوط سوهارتو في تیمور، وتمتد الأعمال التجارية إلى تصدير الأصنام البوذية والكاثوليكية المصنوعة من خشب الصندل التيموري إلى إيطاليا وشرق آسيا، وتصدير عطور الصابون إلى فرنسا بإدارة من التاجر الكبير باتارا أندرا، الذي استثمر أمواله في بناء القنوات المائية والفنادق ومشاريع البناء والمياه وغيرها، ويذكر التقرير أسماء أخرى.
وتؤكد كل هذه الحقائق أن الشعب الإندونيسي لم يستفد من تيمور شيئًا، فهي لیست ذات أهمية اقتصادية مؤثرة لديه، ولكن الذي استفاد مجموعة من الأثرياء والجنرالات لا غير.
ويرجع السفير الإندونيسي لدى سنغافورة لوهوت بانجاتيان أسباب عدم رضا الجيش عن استقلال تيمور إلى أن الجيش قد ضحى بالكثير من رجاله باسم الدفاع عن الوطن، وأن من كان جنديًا آنذاك أصبح الآن ضابطًا أو جنرالًا، وهو مازال يتذكر كيف دفع للقتال ضد الانفصاليين، ولهذا يقول: «إنه من الصعب أن يتقبل انفصال تیمور بسهولة»، وقد لاحظ من دخل الجيش والموظفون كيف كانت تيمور في حالة يرثى لها في ظل الاستعمار البرتغالي، وكيف أنفقت الحكومة الملايين على تنميتها، لكن ملايين أخرى خرجت منها إلى جيوب المسؤولين حتى قيل إن 30% من ميزانية التنمية التي كانت تقدر بـ ٥٠ مليون دولار سنويًا كانت تسرق، ويقول لوهوت إن سياسة سوهارتو كانت لتقوية سيطرة الدولة، وفرض وحدة البلاد بالقوة، ولم تكن لرعاية الشعب، ولذلك تراكمت كراهية التيموريين ضد الإندونيسيين.

لماذا تيمور؟
بعد ٢٤ عامًا من الحكم الإندونيسي المدعوم غربيًا والمعترف به أستراليًا وأمريكيًا، تتغير السياسة الدولية هكذا؟
لابد أن هناك مصالح معينة وراء ذلك ومع صعوبة تحديدها في هذا الوقت المبكر، إلا أنه يمكن تحديد تلك المصالح في النقاط التالية:
1- كانت الدول الغربية مخيّرة بين اتخاذ قرار على أساس أخلاقي لإيقاف ما يحدث في تيمور أو السكوت عن ذلك للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في إندونيسيا ككل، في عهد سوهارتو، لكن «الأهمية الأخلاقية» لتيمور تحولت إلى «أهمية استراتيجية» والمرتبطة بالموقع الإستراتيجي لإندونيسيا ككل ككتلة من الجزر المتناثرة بين المحيطين الهندي والهادي المعلومة بـ ۲۱۲ مليونًا، هم تعداد الشعب الإندونيسي، وأي عدم استقرار فيها يؤثر على أمن طرق السفن التجارية، ومنذ بدء الأزمة في إندونيسيا ومراكز التخطيط في العالم الغربي تحاول وضع خطة لدعم أطراف معينة واحتوائها قبل أن تؤثر على المنطقة والعالم.

المصالح الأمريكية
ثم إن أمريكا على وجه الخصوص بعد فترة الحرب الباردة وصحوة الصين الاقتصادية، والصحوة الإسلامية في إندونيسيا وماليزيا تواجه تحدي مواجهة تحالف قوى مناولة أو على الأقل منافسة لها، ولا تريد تكرار نموذج كوريا الشمالية ولا حرب فيتنام المريرة، ولذا فإن تحكمها بالجزر وشبه الجُزر في جنوب شرق آسيا ذو أهمية أمنية على المدى البعيد، وتحكم الولايات المتحدة بهذه المنطقة يكون عبر وجودها العسكري أولًا والمتمثل بثكناتها العسكرية في اليابان وكوريا الجنوبية وفرقها البحرية والبرية في الفلبين وسنغافورة، ومن خلال اتفاقاتها الدفاعية مع تايلند، وتبقى إندونيسيا التي ستكون تیمور محطة ملائمة لهذه المهمة، وتتحقق بالسيطرة الأمريكية على الخطوط البحرية بين هذه الدول ثلاثة أهداف على الأقل وهي: 
• توفر للولايات المتحدة طرقًا بحرية لا تصل إليها روسيا أو الصين أو غيرها في أوقات الحرب أو الأزمات.
• تمثل نقطة تطويق فعالة وسهلة للبحرية الأسيوية، وإن حضور الولايات المتحدة في تيمور يسهل لها تهديد أي دولة أسيوية بحرًا وجوًا في حالة الحاجة إلى ذلك أو إلى تدخل يشبه تدخلها العاجل في تيمور بحرية.
• إن الولايات المتحدة ستكون ممتلكة لـ «نقاط تفتيش» ومراقبة لطرق سفن السلع والنفط التي تبحر إلى الدول العاطشة والمحتاجة له، ولا يقتصر ذلك على ممر مضيق ملاقا ولكن يمتد إلى طول الخط البحري الممتد إلى اليابان ولذلك فالأرخبيل الإندونيسي يمثل أساسًا للقوة الأمريكية في المنطقة. 
وكانت الولايات المتحدة قد وقعت في أصعب مواقفها في الستينيات مع تزايد قوة الشيوعية في فيتنام وظهور الحزب الشيوعي بقوة في إندونيسيا. 
لذلك دعمت سوهارتو عندما جاء للحكم خوفًا من وصول الشيوعيين إليه، ثم دعمته عندما هاجم قوات الانفصاليين في تيمور لشيوعيتهم وخطرهم عليها إذا نجحوا في تأسيس دولة ماركسية في ذلك الموقع المهم.
2- إن الولايات المتحدة نقلت تركيز سياستها من تايوان إلى إندونيسيا وظهر تصريح في أغسطس الماضي لقائد القوة الجوية الإندونيسية نشرته صحيفة «سوارا قرية» أُشير فيه إلى كثافة الطائرات الأجنبية الإستطلاعية المحلقة فوق المناطق المتأزمة في إندونيسيا كتيمور وأمبون وآثيثه، والطائرات إن كانت أمريكية، حيث لم ينفِ القائد المذكور حنفي أسنان ذلك - فهي جزء من سرب الطائرات المحمول على حاملة طائرات أمريكية أنهت لتوها تدريبات مشتركة مع ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا وتايلند، وبقيت بالقرب من إندونيسيا لمهمات استطلاعية، ويرجع الاهتمام الأمريكي الحالي بإندونيسيا إلى أنها أهم الدول التي تعتمد عليها في احتواء القوة الصينية المتنامية، ومضيق ملاقا ولومبوك قد يغلقان من قِبَل إندونيسيا، ولهذا ما يحصل لإندونيسيا يهم الصين وأمريكا على حد سواء، ويختلف المحللون حول هدف الولايات المتحدة، هل هو السعي إلى تجزئة إندونيسيا أم الحفاظ عليها موحدة في ظل حكومة موالية لها، ولكن الاحتمال الثاني صعب حاليًا، فالإعلام الأمريكي أظهر توقع الساسة الأمريكان بأن ميجاواتي ستقود البلاد، لكن فوزها حاليًا معلق بتأييد الإسلاميين أو على الأقل كل أعضاء حزب جولكار والجيش والأعضاء المعينين، وفي حالة عدم فوز ميجاواتي، فأول نتيجة لذلك هي الاضطرابات التي سيشعلها مؤيدوها.
3- كان على أستراليا أن تقاتل إلى جانب الولايات المتحدة ضد فيتنام لتأمن جانب إندونيسيا، وعندما أستقر الوضع في إندونيسيا وماليزيا برزت سنغافورة كمركز مالي وتجاري نال الدعم من قِبَل القوى العالمية الغربية بدلًا من ماليزيا لفترة طويلة، وبقيت أستراليا والولايات المتحدة قلقتين من المد الإسلامي في جنوب الفلبين وماليزيا آنذاك واليوم يعود المد الإسلامي إلى إندونيسيا ويحصل الإسلاميون على أكبر عدد من المقاعد مجتمعين بالإضافة إلى تعاطف آخرين معهم. مما يدفع إسلاميًا أو مؤيدًا لهم إلى سدة الحكم، وفي المقابل لا يثق بعض الأطراف الدولية بقدرة الجيش الإندونيسي على حفظ أمن مصالحهم التي ذكرناها وغيرها من المصالح الاقتصادية في إندونيسيا ككل. 
ولإصرار الولايات المتحدة على قيادة أستراليا لقوات حفظ السلام ومشاركتها بـ ٤٥٠٠ جندي، بُعد آخر، فأستراليا ومن ورائها نيوزلندا ومنذ سقوط سوكارنو تعيشان شبه عزلة عن العالم من ناحية التأثير في القضايا ذات الاهتمام والصدى الدوليين، وعلى الرغم من أنهما كانتا بعيدتين عن الاستعمار مثلًا، لكنهما بلدان تجاریان ويعتمدان بشكل رئيس على التجارة الدولية. 
ولم تقف أستراليا موقفًا سياسيًا عسكريًا إلا ما كان دعمًا طبيعيًا للولايات المتحدة، وبعد أحداث إندونيسيا وآسيا ككل، غيرت أستراليا من سياستها.
ومع أنه يُقال إن أستراليا تهتم بإندونيسيا لقرب الأخيرة منها، إلا أن ذلك لا يبدو جوابًا كافيًا، ولو قيل إنه خطر المليشيات.. فإن الرد هو أنها ضعيفة ولن تقدر على سباحة البحر إلى داروني بل إن إندونيسيا بضعفها لن تشكل تحديًا أو خطرًا على أستراليا بقدر ما تشكله من تحد لو كانت دولة قوية «حكومة وجيشًا»، وكان ذلك واضحًا عندما كانت أستراليا قلقة من تقدم سوكارنو نحو أريان جايا وضعها لإندونيسيا وبالإضافة إلى تحالفه أو قربه من الصين، فإن إندونيسيا كانت ستشكل حينها خطرًا بقواتها البرية والبحرية لو بقي سوكارنو في السُلطة، لكن حدوث السيناريو السوكارنوي، في الوقت الحاضر مستبعد، غير أن انقسام إندونيسيا في حد ذاته قد يكون هدفًا غربيًا لإضعاف الدولة الكبيرة، وفي الوقت نفسه سيكون مصدر تهديد للطرق التجارية، لو تأسست دويلات تعكر صفو المياه حاملة السفن النفطية والبضائع الأسيوية والاسترالية، ويأتي التحكم في تيمور كأحد الأساليب لمراقبة الوضع الإندونيسي، إذ إن هناك توقعًا بانقسام إندونيسيا، ولذلك فإن القوى العالمية تسعى من الآن للحضور إلى تيمور أولًا، لترقب ماذا يجري في الجزر الأخرى من انقسام. 
وأمام أستراليا خيار يضعه محللون غربيون هو دعم تيمور الشرقية، وفي الوقت نفسه، دعم الحكومة المركزية في جاكرتا حفاظًا على أمنها، ثم تقوية ترسانتها العسكرية والبحرية، لأنها في نظرهم ستكون مع نيوزلندا عونًا للولايات المتحدة في المستقبل، وتحاول الولايات المتحدة إبراز أستراليا كقوة إقليمية وربما دولية جديدة في القرن الحادي والعشرين ولعلها ستكون ضمن القوى الجديدة الصاعدة كالصين. المهم أن أستراليا أصبحت شرطي آسيا الجديد المسلط على إندونيسيا.
4- ومقابل تحركات أستراليا أرسلت الصين عددًا من شرطتها لأول مرة، مع أنها مازالت قلقة من تكرار نموذج تيمور في التعامل الدولي مع تايوان أو التبت أو تركستان الشرقية، وعلى الرغم من أنها حاولت في البداية تحديد مهمة القوة الدولية، لكن أحد أولوياتها السياسية الخارجية الحالية هي إبراز نفسها كدولة محترمة ومسؤولة في المجتمع الدولي.
وبالإضافة إلى سعي الصين لأن تلعب دورًا عالميًا عبر حضورها في تيمور، فإن رئيس الوزراء الياباني كيزو أبوشي أكد أن المناقشات قد بدأت لتعديل القوانين التي تحكم قواتها الدفاعية حتى يمكنها المشاركة في مهمة حفظ السلام في تيمور وهذا بالطبع سيفتح المجال أمام اليابان لتشارك بشكل فعال بقواتها العسكرية وليس بمنتجاتها
التي أغرقت العالم منذ عقود. 
5- الفاتيكان من جانبه يأمل أن تؤسس ثاني الدول الكاثوليكية في شرق آسيا بعد الفلبين، مادام أن عناصر الصراع داخل تيمور هم أهلها وأكثر من 95% منهم من الكاثوليك، وهذا سيسهل ضبط الأوضاع الأمنية فيها، مع إنعدام البعد العرقي أو الديني للصراع لو لم تدعم الأطراف من الخارج إندونيسيًا وغربيًا.

القوات الدولية في تيمور

 

4500 جندي والقيادة العامة بقيادة الجنرال بيتر غوسغروف - أكثر الدول

حشدًا للمعدات العسكرية.

50من الشرطة العسكرية

 

600 يخدمون تحت الراية الأسترالية - سفينة حربية.

شرطة مدنية لم يحدد عدهم.

30 جنديًا.

مليون دولار من المعونات.

500 من الجنود - ثلاث طائرات شحن.

40 جنديًا

250 جنديًا - سفينة - عدد من الطائرات.

دعم لوجستي فقط، الدستور يمنعها من المشاركة.

أرسلت ١٥ جنديًا وسترسل ما بين 800 - 1500، في مرحلة لاحقة لإستلام

القيادة أو نيابة القيادة العامة.

800 من القوة البرية والبحرية والجوية.

600 - 100 جندي - فرقة بحرية كاملة تضم مهندسين وأطباء و ۱۲۰ من

القوات الخاصة.

1000 جندي.

271 فردًا.

فرقة مقاتلة تضم ٣٠٠ من القوات الخاصة، ١٠٠ من الأطباء والمهندسين،

وترسل قوات أخرى في ۱۰/۱۰ القادم.

10 جنود و ۱,۲ مليون دولار,

أول ٢٥ جنديًا يتجهون إلى تيمور ومنصب نيابة القيادة العامة للقوة الدولية، 30 - 40 طبيبًا ومهندسًا - ١٥٠٠ جندي لاحقًا.

270 جنديًا وسفينة حربية تقف في بحر تيمور.

200 عسكري أكثرهم طيارون ينقلون القوات الأخرى إلى تيمور.

 

 

 

 

أستراليا

 

البرازيل

 

كندا

الصين

فيجي

فنلندا

فرنسا

أيرلندا

إيطاليا

اليابان

ماليزيا

 

 

نيوزيلندا

الفلبين

 

البرتغال

سنغافورة

كوريا الجنوبية

 

السويد

تایلند

 

بريطانيا

الولايات المتحدة

تیمور البعد الاقتصادي
هل هناك ثروات كافية في تيمور لاستقلالها اقتصاديًا حتى تندفع الشركات الغربية نحوها؟ أم أنها ستعيش على معونات الدول الغنية لعقد أو أكثر حتى تؤسس مصادر مستقرة لدخلها؟ هذا محل نقاش آخر. 
تعد تيمور ضعيفة اقتصاديًا، وهذا سيجعلها تعتمد على المعونات الأجنبية لسنوات، ويعيش معظم سكانها «٨٤٠ ألف نَسَمة» في بيوت مغطاة بالصفائح وأكثر من نصفهم لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وكل ما فيها من بنى تحتية بما في ذلك مولدات الكهرباء الأربعة بناها الإندونيسيون، وهناك اثنان فقط من مدراء البنوك من أصل تيموري، ومقابل تزايد عدد السكان من 520 ألفًا في الستينيات إلى ٨٤٠ ألفًا حاليًا، فإن معدل دخل الفرد السنوي لا يزيد على ٣٩٠ دولارًا.
ومهما كانت في تيمور من ثروات فإنها بحاجة إلى من 15 - 20 عامًا، لتصل إلى مستوى إندونيسيا، وكانت إندونيسيا تنفق على تيمور سنويًا ما نسبة 85 - 95% من ميزانية تيمور الخاصة التي تقدر بـ ۱۱۷ مليون دولار وهو ضعف ما تنفقه على أي إقليم آخر حسب تقديرات البنك الدولي وليس الحكومة الإندونيسية.
المقاومة التيمورية تأمل أن تجعل تيمور مركزًا تجاريًا بين دول المحيط الهادي وأسيا، وأن تجذب بلادهم الاستثمارات الأجنبية في اللاستكشافات عما فيها من ثروات وهذا ممكن، لكنه سيأخذ فترة بالطبع قبل أن تظهر نتائجه على أرض الواقع وتظهر آثاره في حياة رجل الشارع، ويستعد غوسماو زعيم المجلس القومي للمقاومة التيمورية ومعه مجموعة من زعماء الانفصال عن إندونيسيا في داروين حاليًا لإعلان حكومة المنفى وإعلان خطتهم لإعمار تيمور والتي ستعتمد على تعهد البرتغال بدفع معونة قدرها ۳۰۰ مليون دولار مبدئيًا، وعلى إنتاج البن الذي إن حسن، فإنه سيورد لها ٣٠ مليون دولار، وأخشاب الصندل التي تدخل إلى ميزانيتها ١٠ ملايين أخرى، ومحصول الأرز الذي تتعرض ٩٠٪ من الأراضي الصالحة لزراعته للإهمال والترك.
وبالاضافة إلى عدد من المعادن التي لا يعرف حجم مخزونها حتى الآن، تقدر مصادر أسترالية النفط الموجود في ممر تيمور بـ ٥٥ مليون برميل والغاز الطبيعي بـ ٨,٢ تريليون قدم مكعب، ولكن الجدل مازال مثارًا حول صحة هذا الرقم، الجانب الإندونيسي الذي ألغي الاتفاقية بينه وبين حكومة كانبيرا حول استكشاف وتصدير نفط وغاز ممر تيمور، قلل من أهمية النفط التيموري مقارنًا ذلك بالثروة الهائلة في مناطق أخرى في إندونيسيا وبغض النظر عن حجم الثروة التيمورية، فإنها لن تؤثر على الاقتصاد الإندونيسي.
▪ القتال بين الكاثوليك بعضهم البعض وليس بين مسلمين ونصارى.

انعكاسات على جاكرتا
كان لتأزم الوضع في تيمور الأثر على إندونيسيا من أوجه عدة، كما يحتمل أن تظهر نتائج أخرى لإنفصال تيمور لكنها على الأغلب نتائج سلبية ومنها:
1- تشجيع انفصاليي اتشيه وأريان جايا:
لتكثيف مطالبهم ومواجهاتهم من أجل الانفصال، لكن ذلك لن يكون ممكنًا ما لم يلق هؤلاء الدعم والرغبة الغربية التي لاقاها التيموريون، الرئيس حبيبي من جانبه أكد أن لتيمور معاملة خاصة نظرًا للاختلاف التاريخي بينها وبين الأقاليم.
لكن أريان جايا التي تقع في أقصى شرق إندونيسيا، قد تكون محل اهتمام دولي آخر خاصة مع بداية تحرك حركة «غرب بابوا الحرة» إعلاميًا، ويؤكد قادتها في بياناتهم أن أريان جايا ضحية أخرى لتآمر الولايات المتحدة وأستراليا وهولندا مع إندونيسيا ضد حق شعب الجزيرة في تقرير مصيره، وبضغوط من الولايات المتحدة تركت هولندا بابوا الغربية الإندونيسيا وفق إتفاقية نيويورك عام 15 / 8 / 1962م، ثم أجري إقتراع في عام ١٩٦٩م وظهرت النتيجة لصالح البقاء في ظل الحكم الإندونيسي.
وثالث مناطق الصراع التي يراد للمسلمين تركها جزر مالوكوس وعاصمتها أمبون، فقد تحول الصراع السياسي فيها إلى صراع ديني بالفعل، وقد ذكرت آخر إحصائية أن عدد الضحايا هناك وصل إلى ١٣٥٠ قتيلًا من المسلمين والنصارى منذ بداية هذا العام، وأحرق ۸۰۰ من المنازل و ۲۰۰ من المحلات التجارية وهاجر ١٣٠ ألفًا خوفًا على أرواحهم، وقد ترددت عدة تقارير وتصريحات من قِبل شخصيات إسلامية متفرقة آخرها عن مجلس العلماء، مفادها أن الأسلحة تهرب إلى حركة جمهورية ما لوكوس المسيحية من الخارج، وحدد أحدهم -وهو نجيب التميمي-إسرائيل بأنها مصدر هذه الأسلحة، وكان الصراع قد بدأ برشق الحجارة وحرق المنازل والطعن بالسلاح الأبيض، لكنه تطور خلال فترة قصيرة.
2- العسكر والتأثير على المسيرة الديمقراطية:
خلال أزمة تيمور بدا الجيش وكأنه الوحيد القادر على حماية وحدة البلاد، ذلك أمام عجز المدنيين عن فرض الأمن سلميًا في أي من مناطق النزاع، وسيعتمد مستقبل بقاء إندونيسيا كدولة موحدة على تحركات الجيش وتصرفات قياداته وجنوده، وهناك شائعات حول انقسام الجيش إلى أربعة أقسام لا يعرف مدى صحتها وهي:
1- الأغلبية الموالية لويرانتو.
2- الموالون لسوهارتو «القوات الخاصة».
3- الموالون لميجاواتي خاصة من الشرطة. 
4- بعض القيادات الإقليمية.
3- التأثير على شعبية حبيبي:
جرفت أزمة تيمور ما بناه حبيبي من تنظيم للانتخابات وإطلاق سراح السجناء، وكفالة حرية الصحافة وغيرها، ولذا فقد لا يرشح للرئاسة من قِبَل حزب جولكار إذا لم يحل القضايا العالقة، وعلى رأسها قضية تيمور ومحاكمة سوهارتو، والكشف عن خفايا فضيحة بنك بالي المالية، وقد جاءت أزمة تيمور لصالح ميجاواتي وتيارها القومي الذي وجد تزايدًا في العاطفة القومية بين عامة الشعب بسبب إنفصال تيمور، لكن المنافس القوي لميجاواتي هو تيار الوسط الإسلامي، الذي يضم أحزابًا إسلامية عدة، تمتلك ١٧٢ مقعدًا مقابل ١٥٣ لميجاواتي و ۱۲۰ لجولكار.
بل إن حزب جولكار يحاول إقناع الأحزاب الأخرى بالضغط على الحكومة معه من أجل تعجيل انتخابات الرئاسة للخروج من أزمتي ضعف مركز الرئيس الذي سيؤدي بالبلاد إلى هاوية الانقسام.

4- تشويه صورة إندونيسيا:
كان اهتمام الإعلام باستفتاء تيمور أكثر من الاهتمام السابق بسقوط سوهارتو أو بالانتخابات الوطنية وحشدت الكاميرات مصوريها لتشكيل صورة ذهنية سوداوية عن إندونيسيا بفعل مجموعة من جنودها والمليشيات مصورين إياها على أنها البلد المسلم المنتهك لحقوق الشعب النصراني «الأقلية النصرانية»، ولعل هذه أبرز خسائر إندونيسيا غير السياسية، وفي المقابل زاد غضب عامة الناس على صندوق النقد والولايات المتحدة وأستراليا، وشحنوا بالروح القومية خاصة مع دخول القوات الدولية إلى تیمور، وللأسف وقع الكثير من وسائل الإعلام العربية في خطأ النقل عن مثيلاتها الغربية حتى إن النصوص المترجمة للتقارير المصورة حملت أخطاء كثيرة كالقول إن تيمور تمثل أحد أمثلة الصراع الديني مع أن المتقاتلين كلهم من الكاثوليك والصراع هنا سياسي وليس عرقيًا ولا دينيًا، بل اعتقد البعض أن المليشيات من المسلمين، ولا أدري كيف بنيت هذه التصورات المشوهة لسمعة الشعب الإندونيسي المسلم، ولا  يقال لهؤلاء إلا أن عدد الكنائس في تيمور الشرقية عندما تركها المستعمرون البرتغال عام ١٩٧٤ م كانت ۱۰۰، واليوم هناك أكثر من ٨٠٠ كنيسة.
أما الدول الغربية التي تتباكى اليوم على 100 - 200 قتيل فإنها تتناسى أنها كانت السبب وراء اندلاع الحرب الأهلية وما حدث بعدها في السبعينيات حينما قتل ۲۰۰ ألف شخص وبهدوء، ولكنها المعايير المزدوجة مرة أخرى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

581

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8