العنوان الذين يحجون إلى بانكوك
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
مشاهدات 75
نشر في العدد 798
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 30-ديسمبر-1986
قام أحد الكتاب العرب برحلة إلى شرق آسيا، وبعد أن عاد كتب عما شاهده، ومن جملة ما كتب عن بانكوك، أنه ركب الحافلة من مصيف «باتيا» في تايلاند إلى العاصمة بانكوك في عطلة نهاية الأسبوع؛ حيث يهرب الناس من حر بانكوك إلى الشاطئ، وكان من ركاب الحافلة خمسة من بلد عربي، جلس أربعة منهم في المؤخرة، وجلس الخامس في أول مقعد، ومن لحظة أن ركبوا وهؤلاء العرب يتصايحون، وينكتون ويضحكون، ويتبادلون التعليقات بأصوات عالية صاخبة مع زميلهم الجالس في المقعد الأول، وكانوا يتفاخرون بما فعلوه في باتيا، وبالقطط السمراء «المقطقطة» التي اقتنصوها. وقال الكاتب: إنه كان يراقب الركاب وعيونهم توشك أن تنغلق على إغفاءة، ثم لا تلبث أن ترغمها قهقهة مدوية، أو صوت صاحبهم السمين العالي جدًّا، وكأنه في أرض لا أول لها ولا آخر، وهو يرغم زميله راكب المقعد الأول على مشاركته الحديث الصائح، ربع ساعة مضت، نصف ساعة، ساعة بأكملها مضت، والحديث عن القطط هو الحديث، والصياح هو الصياح، وضاقت صدور الركاب، وكلهم صامتون، حتى أولئك الذين كانوا يحادثون جيرانهم همسًا صمتوا؛ لكي يظل المتصايحون الأربعة هم وحدهم الغوغائيين؛ إذ إن زميلهم الخامس آب إلى سكون خجل مستمر، وبعد أن ضاق الركاب من سوء تصرف هؤلاء العرب، طلب أحد الركاب منهم بأدب أن يراعوا راحة الناس الآخرين، فما كان من هؤلاء العرب إلا أن سبوه وشتموه، واتهموه بتدخله في حريتهم الشخصية، وأنهم ليسوا في حاجة إلى أحد يعلمهم، فهم ليسوا أطفالا، وكان الركاب يمين بعضهم على بعض ويقولون: عرب، عرب.
وبعد أن قرأت ما كتبه الكاتب تذكرت أن بعض النساء تشتكي من أن زوجها كلما جمع مبلغًا من المال ذهب به إلى بانكوك، وصرف كل ما عنده هناك، وعاد مفلسًا، وبيته هنا ينقصه كل اللوازم، وأطفاله في حاجة إلى ملابس وأدوات مدرسية وما يلزمهم، ولا زالت عليه أقساط السيارة والثلاجة والغسالة، وتنشب المعركة بين الزوج وزوجته من يوم وصوله من بانكوك خالي الوفاض، وقد يطلب منها بعض النقود لبنزين السيارة، وفي الشرع الإسلامي مثل هؤلاء يحجر عليهم، وينصب عليهم من يشرف على تصرفاتهم، ولا مانع أن تكون الزوجة هي المشرفة، فيتحول إليها المرتب الذي يتقاضاها من وظيفته، فيكون هو كأحد أطفاله، تصرف له الزوجة بقدر حاجته، وتوفر باقي المبلغ لحاجة البيت والأطفال، وفي هذه الطريقة مصلحة عامة ومصلحة خاصة، فـ«المصلحة العامة» هي المحافظة على الاقتصاد القومي، وعدم تبذيره في الخارج، و«المصلحة الخاصة» له شخصيًّا، فقد حفظت أمواله، وعاش هو وأولاده وزوجته في رفاهية وسعادة، وحفظ نفسه من الحرام، وحفظ أولاده من الانحراف؛ لأن الأولاد إذا لم يتوفر لهم المال الكافي، وكان والدهم منصرفًا إلى شهواته عمَّ الفساد والانحراف في الأسرة كلها، وإذا كثر المنحرفون كثرت الجرائم والسرقات في المجتمع؛ لذلك فإن معالجة هذه المشكلة ضروة وطنية واجتماعية، وإذا كثر المنحرفون كثرت الجرائم والسرقات في المجتمع، لذلك فإن معالجة هذه المشكلة ضرورة وطنية واجتماعية، وإذا كثر المنحرفون كثرت الجرائم والسرقات في المجتمع؛ لذلك فإن معالجة هذه المشكلة ضرورة وطنية واجتماعية، ومما يجب أن يلفت النظر إليه أن مناطق شرق آسيا أصبحت مصدرًا مهما للمخدرات والحشيش، فإن الذين يعتادون السفر إلى هذه البلدان لا بد وأن يكون بعضهم يتاجرون في المخدرات؛ لذلك ينبغي ملاحظة أولئك الذين يكثرون من التردد على هذه البلاد، والأهم من كل ذلك أننا نحن العرب علينا مسؤولية كبرى في المحافظة على السمعة، وخاصة في تلك البلاد التي شهدت في تاريخها أجدادنا، وقد جاءوا إليها مبشرين بالإسلام، فمن العار كان يأتي العرب اليوم يطلبون اللذة والشهوة، ويسيئون إلى شعوبهم وأمتهم أنهم يمزقون تاريخهم ويشوهون أوطانهم.
إن هذا الجيل من أبناء العرب هو جيل الخيبة أضاعوا ما بناه أجدادهم من مجد، والآن يضيعون أخلاقهم، وصحتهم وحياتهم بالأموال، التي أنعم الله عليهم بها، فكان الواجب أن يشيدوا المصانع ويبنوا الأوطان؛ حتى لا يعيشون عالة على الغير، فأصبحوا يبذرونها في الشهوات والملذات، في أصقاع الأرض، ذهبوا يسكرون ويعربدون، ويرتكبون المنكرات على مرأى ومسمع من العالم، ولم يشكروا الله على نعمته، فكأنهم يسعون إلى حتوفهم بأنفسهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال: 53)، ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211)، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 66).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل