; الأزهر في مهب الضياع - ٢ - الحاضر الملبد بالغيوم | مجلة المجتمع

العنوان الأزهر في مهب الضياع - ٢ - الحاضر الملبد بالغيوم

الكاتب محمد عبد الله السمان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1978

مشاهدات 67

نشر في العدد 417

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 24-أكتوبر-1978

• هل لنا أن نتساءل: ما موقف الأزهر المعاصر من الأحداث..؟

• وصفنا لحاضر الأزهر بأنه حاضر ملبد بالغيوم، وصف متواضع للغاية، والحقيقة أن حاضر الأزهر فوق هذا الوصف المتواضع بكثير، وقد يقال مثلا: أن الأزهر قائم على قدم وساق، يتخرج فيه كل عام مئات من العلماء، ولكن أي صنف من العلماء هؤلاء الذين يتخرجون في الأزهر كل عام؟ إن إضفاء لقب العلماء عليهم فيه كثير من المبالغة، ولك أن تتصور الفرق الشاسع بينهم وبين العلماء الذين تخرجوا منذ ربع قرن، وآثارهم تدل عليهم، كان الشيخ الغزالي يقول: لقد تخرجت في الأزهر بعين واحدة، ثم تفتحت عيني الأخرى في ظل الدعوة الإسلامية يعني جماعة الإخوان المسلمين. 

ويؤسفني أن اقول: إن العالم الأزهري الحديث يتخرج بعينين مغلقتين، فالأزهر فيما مضى كان يعد الطالب ليكون عالمًا أولًا ثم تأتي الوظيفة بعد ذلك، وعلى العكس الأزهر المعاصر، فهو يعد الطالب ليسد الفراغ في دنيا الوظيفة أولًا، ثم يترك للأيام أن تجعل منه عالمًا، بتحصيله الذاتي، إن كان لديه استعداد لأن يكون عالمًا.. 

لكن يجب ألا ننسي أن رسالة الأزهر قاصرة على تخريج الألوف ممن يحملون مؤهلات أزهرية - فحسب - بل إن رسالته الكبرى أن يكون الأزهر ممثلًا لكيان الإسلام وكيان الشعوب المسلمة معًا، ولا سيما أن الأزهر هو المؤسسة الإسلامية التي يجب أن يكون لها طابعها المميز على بقية المؤسسات الإسلامية الأخرى التي أصبح معظمها للدعاية والاستهلاك المحلي أو العالمي... لا أكثر.. 

• وحسبنا بصدد الحديث عن حاضر الأزهر، أن نناقش موقفه من الأحداث الجسام التي تنال من الإسلام وشعوبه معًا، ويجب ألا ننسى أنه قد فشل فيما لم يفشل فيه في ماضيه العريق، فقد فشل على الأقل في إيجاد رابطة قوية متينة بين أبنائه لتجعل منهم قاعدة صلبة تستطيع التأثير في مسار السياسة للدولة وفي الأحداث المحلية والعالمية، ولقد فشل الأزهر أكثر من هذا في أن يكون الرائد - لا للشعب المصري فحسب - بل لسائر الشعوب المسلمة في قضاياها وأحداثها.. 

وأمامنا الفانيكان مثلًا بدويلته الصغيرة، ورقعته من الأرض التي تقل مساحتها عن مساحة حي من الأحياء في إحدى العواصم، هذا الفاتيكان له وزنه وثقله، وتأثيره على السياسة الدولية، لأنه يعرف قدر نفسه.. ولا أظن الفاتيكان لا يعرف بواطن الأمور، وهو لا يجهل الأحداث العامة والخاصة ولا يتجاهلها، بل إن للفاتيكان في ديار المسلمين عيونًا مفتوحة تراقب كل شيء، وترفع التقارير عن كل شيء، أذكر أنني كتبت مقالًا في مجلة الأزهر منذ بضعة عشر عامًا، قلت فيه: إن أية محاولة للتقريب بين الإسلام والمسيحية لا جدوى منها، ما دامت المسيحية لا تزال مصرة على عدم الإعتراف بالإسلام دينًا سماويًا وبالقرآن كتابا منزلًا من عند الله، ومحمد رسول الله وخاتم النبيين، ولم تمض سوى أيام معدودة حتى ردت على مقالي مجلة مسيحية اسمها «المسرة» في لبنان، ليس هذا - فحسب - بل إن قاصدًا رسوليًا أتى إلى بيتي في ساعة توقع فيها أني خارج البيت، وترك لي كتابًا في ظرف مغلق، وليست معه رسالة.. كان عنوان الكتاب «مسألة الإسلام» وكله طعن في الإسلام ونبي الإسلام والقرآن.

في عام ١٩٧٠م اعتقل أربعة شبان من القاهرة كانوا مسلمين وتنصروا، ولم يكن الدافع إلى اعتقالهم أنهم تركوا الإسلام إلى المسيحية - بالطبع - وإنما كان اعتقالهم بسبب ضبطهم متلبسين بتوزيع منشورات مسيحية جاءت من بيروت تعرض بسياسة حكم جمال عبد الناصر، وفوجئت ذات يوم بهم يبلغونني تحية الأب.. المقيم في بيروت، وهذا الأب الفاتيكاني أعرفه جيدًا، أقام عدة سنوات في أشهر شوارع القاهرة، ثم أبعد عنها عام ١٩٥٨، بعد أن کثرت الشكاوى ضده متهمًا بمحاولة إغراء بعض الشباب المسلم بالمسيحية عن طريق الخداع والمال معًا، وقبيل اعتقالنا عام ١٩٦٥ فوجئت بزيارة هذا الأب لي في منزلي، بالرغم من السماح له بالبقاء في القاهرة ثماني وأربعين ساعة فقط، قال لي أن سبب زيارته هو الاطمئنان علي، فإحساسه يقول له: أ٥ن هناك تدبيرا لاعتقال الإخوان المسلمين.. وشكرته، لكنه قال لي: إن في نفسي سؤالًا هل تسمح بالإجابة عنه: وأجبت بالإيجاب، قال:.. لقد لوحظ في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة،أنه لم ينجح مرشح مسيحي واحد، فلماذا؟ فقلت له: الحكومة بالطبع ليست مسؤولة.. وإنما المسئول الدعاية التي استعان بها المرشحون المسيحيون داخل الكنائس وخارجها.. ثم لا تنس أن الأعضاء العشرة الذين دخلوا المجلس بالتعيين كان منهم تسعة مسيحيون.. ولنعد إلى قصة الشباب الأربعة.. فقد أراد الله الهداية لأحدهم فعاد إلى الإسلام، وكان طالبًا في كلية الآداب، وأقام الثلاثة الباقون مأتمًا، واعتبروا أنفسهم مسئولين عن هذه «الكارثة» أمام كنيسة مصر الحديثة، لكن لم تمض إلا أيام حتى رأيت معهم ذات يوم مجلة مسيحية لبنانية تنشر قصتهم كاملة، وتتهم السياسة المصرية بالتعصب.. وقالوا لي: لقد حدث تدخل خارجي بشأنهم، وقريبًا سيفرج عنهم، وفعلًا لقد أفرج عنهم بعد أيام معدودة.

ومنذ بضعة عشر عامًا أقامت الفاتيكان الدنيا وأقعدتها، وأوحت إلى بعض سفراء الغرب بالتدخل، كل هذا من أجل طرد ثلاثة قساوسة من السودان، كانوا يعملون على إثارة الفتن، وأيضًا كيف حرك الفاتيكان الدنيا، بسبب كردينال لقى مصرعه وهو يحاول الهرب من أوغندة، بعد اتهامه بالتآمر.

• لنا أن نتساءل: ما موقف الأزهر المعاصر من الأحداث؟ في الفلبين في تشاد في إريتيريا في بورما، وفي تايلاند، تشن حروب الإبادة على المسلمين، أین الأزهر من حوادث بورما حيث شرد مئات الألوف، وقتل عشرات الألوف من المسلمين؟ في اليمن الجنوبية إقصاء للإسلام، وقتل العشرات من العلماء والتمثيل بهم.. وفي الصومال كذلك.. وأفغانستان الدولة المسلمة المحافظة، ينتهي الإسلام، ويقتل عشرات الألوف بغيًا وعدوانًا... وسفاح الحبشة منجستو يواصل إبادة الشعب الإرتيري.. وفي إندونيسيا تزحف الصليبية للاستيلاء على البلاد كل هذه الأحداث وغيرها لم تحرك ساكنًا لدى الأزهر الذي آثر أن يغط في سبات عميق. 

في شهر مارس الماضي زار البابا شنودة السودان محملًا بخمسمائة علبة كرتون، والقصد من الزيارة هو التغطية على المهرجان الإسلامي الذي أقامته جامعة أم درمان الإسلامية، وأخذت الصحف هناك تنشر إعلانات متواصلة بأسماء المطارنة ترحيبًا بالبابا، وعقد البابا هناك اجتماعات مغلقة مع المسيحيين داخل الكنائس.. 

ويزور شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود تشاد فيلقي محاضرات في التصوف، وكذلك يزور أمريكا ليلقي محاضرات في التصوف، ويزور إندونيسيا، ويقال له: إن إندونيسيا خالية تمامًا من الشيوعية، ومحنتها الآن بسبب الزحف الصليبي والتبشير المسيحي، وإقامة المستوطنات والقلاع والحصون المسيحية... 

ويأبى الشيخ إلا أن يحاضر في الشيوعية والتصوف، وتقصد صحفية لبنانية شيخ الأزهر لتسأله رأيه في الأحداث الجارية في لبنان، فيصرخ في وجهها: أنا لا أشتغل بالسياسة، ويقصده شاب مسلم من اليمن الجنوبية ليحدثه عن الجرائم التي ترتكب ضد الإسلام والمسلمين هناك، ويكاد الشاب لا ينتهي من حديثه حتى يسأله الشيخ: ما رأيك أولًا في التصوف؟ ويقول له الشاب المسلم الغيور في أدب: يا مولانا ليس التصوف مشكلتنا أبدًا وإنما مشكلتنا حرب الإبادة على الإسلام والمسلمين في بلادنا. 

وينعقد مؤتمر دولي في الفلبين للجامعات، ولم يعتذر الأزهر احتجاجًا على مذابح المسلمين في الفلبين، بل ذهب مدير جامعة الأزهر يومئذ الدكتور بدوي عبد اللطيف على رأس وفد من الأزهر، وبالطبع لم يستطع الوفد أن يثير هناك مسألة حرب الإبادة المتواصلة على المسلمين هناك، ولو قدر لهذا المؤتمر أن ينعقد في ليبيا أو في العراق.. لما فكرت جامعة الأزهر في الاشتراك، لأن الأزهر لم تعد له إرادة مستقلة!

وللحديث بقية.

القاهرة - محمد عبد الله السمان

الرابط المختصر :