العنوان توضيب النتائج.. كلمة السر في الانتخابات اللبنانية
الكاتب هشام عليوان
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-2000
مشاهدات 61
نشر في العدد 1415
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 29-أغسطس-2000
السباق على الأغلبية بين القوى يدشن معركة مبكرة على الرئاسة.
الإسلاميون «بيضة القبان» بنفوذهم الجماهيري الكبير.. ولكن!
رغم أنها أول انتخابات نيابية بعد تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن التشاؤم بإمكان التغيير الديمقراطي أكبر من ذي قبل، فهناك اتهامات شبه يومية بتدخل الأجهزة الأمنية اللبنانية، بهدف أساسي هو إيصال مرشحي السلطة إلى سدة البرلمان وتأمين غالبية مريحة لأي حكومة مقبلة، فيما تتحول القوى الناخبة إلى مجرد وسائط نقل، كما تتحول اللوائح المكونة من قوى مختلفة فيما بينها على الطرح السياسي والأيديولوجي إلى التناقض.
بعبارة أخرى، إن واقع الانتصار في الجنوب لم يتحول إلى مناسبة للتغيير السياسي والاجتماعي ومشروع المقاومة الذي نجح في طرد الاحتلال لم ينقلب إلى مشروع سياسي طموح لتنقية الساحة السياسية من الشوائب بل على العكس بدا أن المستوى العام للعمل السياسي ينحدر بدلًا من أن يتطور إلى الأمام، تبعًا لمعادلة معقدة من المصالح المحلية والإقليمية المتشابكة والمتقاطعة.
لعبة محكمة: توضيب النتائج، هي العبارة السحرية التي تتردد بقوة بين الناخبين، وتعبر عن حقيقة ما يجري فعلًا، فالمعركة الانتخابية لا تقتصر على الحصول على أكبر قدر من المقاعد النيابية لهذا الطرف أو ذاك، وتكوين كتل برلمانية تمثل هذا الخط أو التيار وحسب، إذ من الشائع في لبنان أن الحصص مقسمة بين القوى السياسية سلفًا. بإيحاء من دمشق لحلفائها، ووفق هذا الإيحاء فإن في لبنان حلفاء السورية لا ينبغي المس بهم على الإطلاق بل المطلوب من القوى الناخبة توفير مقاعد لهؤلاء دون كثير عناء، ولا تعدم الجهات النافذة الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك، ففي الساحة السياسية قوى عديدة تتبرع بأصواتها لهذا المرشح أو ذاك، وفق «كلمة السر».
وحسب تعبير المراقبين توجد أوراق غير منظورة لا تكون عادة بحساب المرشحين، لكن الممسك بتلابيب اللعبة يحركها عند الضرورة لإيجاد توازن مطلوب أو لترجيح كفة على أخرى.
فهناك الأرمن الذين يصرفون لمرشحي السلطة وقد اعتادوا ذلك منذ أن اندمجوا في المجتمع اللبناني، وهناك الأكراد الذين لا يعترف بهم القانون الانتخابي كأقلية لها مقاعد معينة، لكنهم بالمقابل يمنحون أصواتهم لذوي العقود أملًا في إنصافهم بطريقة ما، وهناك أيضًا المجنسون حديثًا الذين يصبون أصواتهم عادة وفق التعليمات نحو اتجاهات محددة.
إلى ذلك يمارس الإسلاميون السنة والشيعة دور المرجح في الدوائر الانتخابية التي يخوضون المعركة فيها، والمقصود هنا حزب الله في بيروت وبعض الجبل والجنوب والبقاع والجماعة الإسلامية في بعض دوائر بيروت. والشمال، وبعض المجموعات الصوفية والجمعيات الخيرية بنسبة أقل بكثير.
معركة رئاسة الحكومة: وتتميز المعركة الحالية بالسخونة والحدة التي لم يعهدها اللبنانيون في انتخابات عامي ١٩٩٢ و١٩٩٦ مع أن البلاد آنذاك كانت قد خرجت حديثًا من الحرب الأهلية المدمرة والسبب الرئيس يعود إلى العناوين الكبرى التي تخاض بها المعارك إضافة إلى فقدان الشعارات الواضعة، وغلبة العصبيات الطائفية والمناطقية.
فقي بيروت تحديدًا، وامتدادًا إلى سائر المناطق بحوض رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري معركة العودة إلى رئاسة الحكومة فمن خلال منافسته القوية للمرشحين المسلمين السنة للنيابة ورئاسة الحكومة معًا، يقطع الطريق أمامهم إلى القصر الحكومي، فيبقى هو الخيار الوحيد، أو هذا ما يوحي به لمناصريه حتى يدب الحماس في صفوفهم فيقبلوا على صناديق الاقتراع بكثافة وفي كل الأحوال إن الفوز الكبير للرئيس الحريري ولوائحه الانتخابية في بيروت كما هو متوقع، سوف يتيح له تشكيل نواة كتلة برلمانية تضم أيضًا أنصاره في سائر المناطق، مما يسمح بتوفير الأصوات الكافية لدى إجراء استشارات نيابية لتسمية رئيس الحكومة المقبل فبعد تعديل الدستور عقب اتفاق الطائف عام ١٩٨٩م، لم يعد تعيين رئيس الحكومة من الصلاحيات المباشرة لرئيس الجمهورية، بل يخضع التكليف لنتيجة الاستشارات النيابية الملزمة، أي أن رئيس الحكومة يسمى من قبل مجلس النواب بما يشبه الانتخاب.
ويشكو الحريري من أن قانون الانتخابات الذي أقرته حكومة الرئيس سليم الحص قد تعمد تقسيم بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية لتحديد حجمه السياسي ولتأمين حظوظ أفضل للرئيس الحص وللنائب تمام سلام رئيس جمعية المقاصد الإسلامية، والأخيران مرشحان محتملان لتشكيل الحكومة الجديدة التي ستكون حتمًا بعد إعلان النتائج، لكن رئيس الحكومة السابق تمكن مع ذلك من تجييش الرأي العام البيروني إلى جانبه.
وساعده في ذلك سياسات حكومية قاصرة في المجال الاقتصادي، وإجراءات الإصلاح الإداري التي طالت بشكل خاص أنصار الحريري في إدارات الدولة ورغم تقسيم العاصمة إلى ثلاث دوائر بذريعة توفير التوازن بين الناخبين المسلمين والمسيحيين إلا أن الكفة ظلت راجحة بقوة للناخب المسلم والسني تحديدًا، ويدل على ذلك نسبة البطاقات الانتخابية التي أُنجزت.
ومن اللافت في معركة بيروت بشكل خاص، أن الرئيس الحريري قد شكل الماكينة الانتخابية الأضخم والأكثر تنظيمًا وتمويلًا، ويقدر أفرادها بعشرة آلاف نهار الاقتراع وهو الوحيد في العاصمة الذي يخوض المعركة في الدوائر الثلاث معًا، ويجول وسط الآلاف من مناصريه الناخبين بشكل يومي وتتحول لقاءاته إلى مهرجانات شعبية حاشدة.
زعامة الجبل: إلى ذلك تنضاف معركة مصيرية أخرى يخوضها الزعيم الدرزي جنبلاط للدفاع عن موقعه السياسي خصوصًا بعد فتور علاقته التاريخية بدمشق قبيل وفاة الرئيس حافظ الأسد، وتأرجح علاقته برئيس الجمهورية إميل لحود.
وتدعم الأجهزة الرسمية لائحة طلال أرسلان وهو من عائلة منافسة تقليديًّا لآل جنبلاط في دائرة عالية بعيدًا. كما تدعم لائحة أقل شأنًا ضده في الشوف معقل الدروز الجنبلاطيين على أن جنبلاط حاول استعادة الخيوط القديمة مع القوى المسيحية التي قاتلها في الجبل عام ۱۹۸۲م فزار رئيس الجمهورية السابق أمين الجميل خصمه اللدود وبدأ يستخدم خطابًا عجيبًا هو أقرب إلى المارونية السياسية التي خاصمها هو ووالده كمال جنبلاط على مدى العقود الماضية، في قفزة بهلوانية لا يجرؤ على القيام بها سواه.
معركة رئاسة الجمهورية: ومع أن المعركة من أجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية لن تبدأ قبل أربع سنوات عندما تنتهي ولاية لحود إلا أن ما يجري في انتخابات ۲۰۰۰ يشير إلى بوادر معركة مبكرة فلك أن هذا المجلس سيكون عليه انتخاب الرئيس الجديد عندما يحين الوقت لذلك.
ويذهب بعض المحللين إلى حد التكهن بأن الأجهزة الأمنية تسعى لتأمين أغلبية مريحة في البرلمان بنسبة تتيح توفير الثلثين في حال تعديل الدستور والتمديد لرئيس الجمهورية الحالي كما حدث مع الرئيس السابق إلياس الهراوي وفي أسوأ الحالات تأمين الثلث المعطل في البرلمان أو توفير غالبية كافية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة سياسيًّا وإداريًّا دون معارضة زعماء الطوائف.
الصوت الإسلامي: أما الإسلاميون في هذه الانتخابات فهم بيضة القبان في كثير من الدوائر إلا أن الرؤية السياسية الواحدة منعدمة بين شقي الحركة الإسلامية، أي السنية والشيعية، وتلك نقطة ضعف لا يستهان بها في هذه الانتخابات وعلى مدى سياسي أبعد.
فالجماعة الإسلامية تمتلك زمام المبادرة في الشمال حيث الأغلبية السنية، لذلك تعرضت لضغوط سياسية حتى تتحالف مع اللائحة المحفوظة أي لائحة الوزيرين فرنجيه وميقاتي، وبالمقابل فإن الرئيس عمر كرامي على اللائحة القابلة لم يضمن ظروفًا مناسبة طالبت بها الجماعة وهي أن تكون لها مشاركة فعالة في اختيار المرشحين على اللائحة، لا سيما المرشحين المسيحيين في دوائر زغرتا والكورة والبترون.
والحجم الانتخابي الكبير للحركة الإسلامية في الشمال يسمح بترجيح كفة إحدى اللائحتين على الأخرى، لكن التجربة في الانتخابات الماضية كانت مريرة، فقد غدر المرشحون أو الناخبين المسيحيون بمرشح الجماعة الشيخ فيصل مولوي في طرابلس، فلم ينجح فيما نجح الآخرون بأصوات الإسلاميين.
وهو ما استدعى التروي هذه المرة للحصول على أفضل الشروط الممكنة لكن المشكلة تكمن في المعادلة التالية:
القواعد الشعبية الإسلامية في طرابلس مع لائحة كرامي لكن الضمانات غير موجودة والضمانات نفسها متوافرة نسبيًّا في لائحة ميقاتي - فرنجيه لكن المزاج السني ليس معها بالكامل والاحتمالات مفتوحة نظرًا للتوازن الدقيق بين المتنافسين وتوقعات التشطيب بين الحلقة، في كلا المعسكرين.
ويحتل مرشح الجماعة أسعد هر موش موقعًا مميزًا على اللائحة الأولى في منطقة عكار والضنية مع النائب عصام فارس وتلك المنطقة تتمتم بأغلبية ناخبة إسلامية كاسحة وهي خزان الحركة الإسلامية، ولن تعترضه مشكلات كبرى إلا من بعض المرشحين الإسلاميين الذين ينافسون رفاق الدرب في لائحة منافسة، والذين قد يسهمون في تقوية حظوظ مرشحي سنة آخرين.
أما حزبالله في بيروت والبقاع والجنوب والجبل فقد تحالف مع مرشحي السلطة في خطوة استراتيجية تعكس التقارب بين الحزب والدولة في الأشهر القليلة التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي وفي التنسيق الوطيد بين الطرفين حتى هذه اللحظة لكن الائتلاف بين حزب الله وحركة أمل في الجنوب كان على حساب أي تفاهم مع الجماعة لدعم مرشحها في صيدا الدكتور علي الشيخ عمار ومرشحيها في البقاع الغربي.
ويخوض مرشح الجماعة في بيروت الدكتور زهير العبيدي معركته في الدائرة الثانية بالتحالف مع منافس مرشح حزب الله في الدائرة ذاتها، وهو تنافس غير محمود قد يضر بالطرفين معًا.
ومن المنتظر أن يحافظ حزب الله على العدد نفسه من المقاعد النيابية التي كانت له في انتخابات ۱۹۹۲ أي ١٢ نائبًا، مع زيادة عدد النواب الشيعة إلى 9 نواب ومن المآخذ السياسية على حزب الله أنه يضع في أولويات معركته النيابية تعزيز موقعه بين الطائفة ولا يخوض المعركة من منطلق سياسي متقدم يليق بتضحياته في معركة التحرير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل