العنوان نموذج غربي في رصد الحركة الإسلامية (2)
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1989
مشاهدات 68
نشر في العدد 911
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 04-أبريل-1989
أخي القارئ: تابعنا في الجزء الأول من النموذج الغربي في رصد الحركة الإسلامية، التركيز على تركيا بالذات، وعلى مستوى سياسة الدولة الداخلية والخارجية، ثم على المستوى الجماهيري، وفي الجزء الثاني والأخير نتابع ماذا عن مستقبل الإسلام في تركيا.
5- موقف الفئات المختلفة:
أ- علماء الدين القدامى:
أصبح الأحياء من العلماء أكثر طموحًا وأصبحوا يعلنون جهارًا بضرورة ضبط التعليم
الديني كما بدأوا بالتدخل الحذر في السياسة وطالبوا بعودة الأوقاف.
ب- أئمة المساجد والموظفون الدينيون:
أعاد الموظفون الدينيون تأكيد ذواتهم فبعد أن كانوا ومنذ زمن بعيد لا يجرؤون
على رفع أصواتهم لا في المدينة ولا في الريف أصبحوا الآن يتكلمون ويرتدون العمامة التي
تعتبر ميزة خاصة في عبادة المسلمين بالرغم من ارتداء الزي الديني خارج المساجد لا يزال
ممنوعًا. وأصبحت هذه العمامة مساوية اليوم اجتماعيًا للعمامة التي كان يرتديها علماء
الدين في السابق.
جـ- الشباب والطلاب:
يمكنك أن ترى اليوم الشباب المسلم من ذوي اللحى والعمائم في مختلف الأماكن يتحدثون
ويعلنون عن مطالبهم بصوت عال.
أما أهم الجماعات وأنشطتها في معارضة البعث الديني فهم الطلاب الذين قاموا بمظاهرات
ضد علماء الدين وضد الشيوعية، ولكني أستطيع أن أحكم من خلال اتصالاتي الشخصية على أن
المثقفين الصغار الذين تعلموا في مدارس وجامعات تركيا الجمهورية -مع بعض استثناءات-
ينظرون إلى البعث الديني بمشاعر تتراوح بين الإثارة والاستياء وتعتبر الجامعات أهم
معقل للمعارضة الدينية.
لكننا يجب أن نأخذ في الاعتبار -والكلام هنا مازال له- أن عدم رضا بعض الشباب
عن القيادة الدينية الرجعية يجب ألا يضللنا، كما أن كراهيتهم لهذه القيادة لا تعني
كراهيتهم للإسلام ذاته وذلك لأن الإسلام عميق الجذور في الهوية القومية التركية بحيث
لا نستطيع أن ننحيه بهدوء، وقد يلقى الدين استجابة أوسع إذا ما اختلفت صورة عرضه الحالية.
د- الفلاحون والحرفيون والتجار:
لا يزال الفلاحون متدينين كما كانوا دائمًا وليست المسألة بالنسبة إليهم مسألة
بعث ديني وإنما هي تعبير عن المشاعر بطريقة أفصح من ذي قبل، أما الحرفيون وأصحاب المحلات
في المدن فهم من أقوى العناصر تأييدًا لبعث الدين وهم بصفة عامة متعصبون كالفلاحين،
وهناك طبقة التجار التي يمكن ملاحظة قوة إيمانها في المناطق البعيدة على الأقل بالرغم
من اهتمامها بشكل ما يؤمنها ضد الشيوعية.
هـ- الطرق الصوفية:
يخشى «لويس» من تحول الطرق الصوفية عن خطها المعروف أو أن تظهر شكلًا متطرفًا
في ردود أفعالها فيقول: «هناك تغير ملحوظ في سلوك الطرق الصوفية التي عادت إليها الحياة
بعد فترة كانت تعمل فيها سرًا، لم تكن الحكومة مستعدة لإطلاق العنان للإسلام الصوفي
ولا للإسلام الأرثوذكسي، ولا تثق الحكومة في الطرق الصوفية كما لم تكن تثق فيها حكومات
السلاطين من آل عثمان من قبل.
وكان يشك فيها دائمًا لما يشبه فيها من البدع وغير ذلك. وقد اعتقلت الحكومة خلال
سنوات الحرب بعضًا من مشايخ الطرق لكن الحدث الأجل كان في إبريل 1950 حينما قبضت الحكومة
على أحد هؤلاء المشايخ وحاكمته في أنقرة فإذا بالآلاف من الأتباع الذين يقدرهم الشيخ
نفسه بأربعين ألفا يملأون الشوارع خارج مبنى المحكمة كما دخلوا قاعة المحكمة وقاطعوا
القضاة بالصراخ والتظاهر مما اضطر المحكمة إلى أن تطلب حراسة مائتين من رجال البوليس.
وقد لجأت الحكومة إلى رقابة مختلف الطرق الصوفية لما عبرت عنه من شكل متطرف للفعل الديني.
وفي فبراير 1951 حدثت تظاهرات تخريبية كانت الطرق الصوفية وراءها.
وكانت المظاهرات ضد تماثيل أتاتورك، واضطرت الحكومة إلى اتخاذ إجراءات مضادة
في شكل قانون لحماية ذكرى أتاتورك من الامتهان وثار النواب الديمقراطيون في البرلمان
ضد هذا القانون الذي أسموه قانون «عبادة القائد» ودارت معارضتهم حول رؤيتهم بأن الذي
يحتاج إلى الحماية ليس هو ذكرى أتاتورك وإنما إنجازاته.
6- المؤشرات الدالة على وجود مقاومة دينية
مستترة:
يؤكد «لويس» أن علمنة تركيا لم تكن كاملة كما كان متصورًا على حد قوله (كما تود
الحكومة التركية أيضًا أن نعتقد) ويستمر لويس قائلًا «هناك العديد من المؤشرات على
أن هناك مقاومة تجري تحت السطح. ففي أواخر عام 1930 حدثت واقعة لافتة للانتباه بالقرب
من أزمير إذ رأى أحد الضباط الكماليين الشبان واسمه «كوبيلاي» أحد المشايخ المحليين
يخاطب جمهرة من الناس ويهاجم النظم وحينما احتج الضابط على الشيخ أمسكت به الجماهير
وشنقته ببطء وسط تهليل الشيخ وأتباعه. وقبضت الحكومة عليهم وعاقبتهم وأقامت نصبًا تذكاريًا
لكوبيلاي وكانت تحتفل بذكراه كل عام».
إلا أن لويس يذكر واقعة أخرى ترتبط بكوبيلاي أيضًا وهو وإن كان يستدل فيها على
الجانب الآخر المعارض للبحث الديني فإنه يعترف بخوف الحكومة من تحديه فيقول:
«قبض البوليس في مارس 1951 على بعض الطلاب الذين تظاهروا ضد المجلة الدينية «سبيل
الرشاد» لكن سياسة الحكومة لا تشجع عادة مثل ذلك. وكان الاتحاد القومي للطلاب قد قرر
في نفس العام أن يجعل من الاحتفال السنوي بذكرى كوبيلاي مناسبة للتظاهر ضد علماء الدين
لكن الحكومة ولأول مرة قامت بإلغاء الاحتفال كلية ومن ثم مرت ذكرى كوبيلاي بصمت. وقد
يمكن القول بأن الحكومة شعرت بالأخطار التي قد تترتب على الاحتفال من فوضى ومظاهرات
قد تصاحب إلقاء الكلمات، لكن إلغاء الاحتفال ذاته هو شهادة على قوة المشاعر الدينية
وإدراك الحكومة مغبة عواقب التحدي الصريح لها».
7- المعارضة الدينية للجهود الغربية في معالجة
قضايا الإسلام:
يشير لويس إلى واقعة هامة جدًا حول دوائر المعارف الإسلامية تحتاج منا إلى تأمل
دقيق حيث مازال الكثير من الناس يستقون معلوماتهم منها إلى اليوم.. يقول «لويس»: كانت
هناك إشاعات بعد موت أتاتورك عن إحياء الدين لكنه لم يحدث هناك شيء يذكر غير عودة علماء
الدين المسلمين إلى الجيش في مايو 1940، ويمكن القول بأن أول إشارة للمعارضة الدينية
العلنية للسياسة العلمانية كانت في ذات العام، وذلك حينما قررت وزارة التعليم أن تطبع
باللغة التركية «دائرة المعارف الإسلامية» وهي المشروع التعاوني الكبير الذي طبع في
«ليدن» وقام به فريق من العلماء الأوروبيين المستشرقين المتخصصين في الدراسات الإسلامية.
لم تكن هذه الطبعة التركية مجرد ترجمة للموسوعة لكنها كانت تتضمن تنقيحا وإعادة كتابة
العديد من المقالات القديمة قام بها علماء أتراك كما أضيفت مقالات جديدة كثيرة ولكنها
جمعيها لم تخرج عن نفس الروح العلمية لطبعة «ليدن» ويتحدث لويس بعد ذلك عن هذه الجماعة
التي أدركت خطورة هذه الموسوعة التي تتحدث عن الإسلام بأقلام أوروبية فيقول: «إلا أن
جماعة من ذوي الفكر الديني يرأسها «أشرف أديب» الذي كان رئيسًا لتحرير المجلة الدورية
الإسلامية «سبيل الرشاد» قد اعترضت بشدة على هذا المشروع واتهمت هذه الموسوعة بأنها
ليست دائرة معارف إسلامية حقيقية لكنها عمل عدائي ضد الإسلام قامت به الهيئات المسيحية
التنصيرية التي تسعى إلى مساعدة المنصرين في مساعيهم هادفة إلى تدمير أساس العقيدة
الإسلامية. وانتقدت هذه الجماعة وزارة التعليم لإشرافها على هذا المشروع المعادي للإسلام
في صورة خطابات احتجاج ومقالات صحفية ثم قامت في عام 1941 بطبع دائرة معارف منافسة
أسمتها الموسوعة التركية للإسلام» وهي على نفس النمط الشكلي للأولى وتكون بإسهامات
كاملة تعبر عن وجهة نظر إسلامية بحتة ويختم لويس حديثه عن الموسوعة الجديدة بصورة تنم
عن التبرم الشديد فيقول: «لقد أضافوا إلى كل ملزمة منها ملحقًا إضافيًا يحتوي على نقد
عنيف وبذيء لدائرة المعارف التي كانت تشرف عليها الوزارة».
8- درجة استمرار الأفكار الدينية القديمة:
من المعروف أن أهم ما كان يقلق الغرب من السلاطين العثمانيين أيام الخلافة الإسلامية
هو مساواة المسلمين بالترك ومساواة غير المسلمين بغير الترك، وكان يعتقد أن ذلك قد
انتهى بسقوط الخلافة وعلمنة تركيا، لكن الأمر لم يكن كذلك حتى في ظل تركيا الجمهورية،
فيقول لويس في هذا الصدد «بالرغم من أن بناء وسياسة الدولة على الجانب الرسمي كان قائمًا
على العلمنة الكاملة فإن الأفكار القديمة التي كانت سائدة أيام دولة الخلافة مازالت
باقية كمساواة المسلمين بالأتراك ومساواة غير المسلمين بغير الأتراك. وصحيح أن المركز
القانوني لغير المسلمين كان أعلى مما كان عليه من قبل فإن ذلك كان على الورق فقط. فبعد
إنشاء الجمهورية قلت إسهاماتهم في الحياة العامة كما استمرت بعض أشكال التفرقة منها
أن غير المسلمين كانوا يستدعون لأداء الخدمة العسكرية لكنه لم يكن مسموحًا لهم بحمل
السلاح ولم تمنح لهم سلطات عسكرية، بل تضاءلت أعدادهم في دواوين الخدمة التركية وانعزالهم
اجتماعيا وثقافيًا في المجتمع التركي لأنه على الرغم من عالمية الإمبراطورية الإسلامية
فإنها كانت تخصص مكانًا ووظائف محددة للأقليات غير المسلمة. أما الجمهورية الجديدة
فإنها لم تقدم لهم إلا القليل الذي يستطيعون به اللحاق بالجماعة السائدة، فقد صنفت
الفلاحين المسيحين الذين يتحدثون التركية بالأناضول كيونانيين وتحولوا إلى اليونان،
أما أطفال المسلمين الأكراد أو العرب الذين استقروا في إستانبول فقد صنفهم كأتراك..
ومازال للدين أهمية تظهر في بطاقات الهوية والوثائق الرسمية الأخرى».
9- الصحافة الإسلامية:
تعبر متابعات لويس للصحافة الإسلامية أصدق تعبير عن أمرين هامين أولهما: رضا
الغرب الكامل عما يكتبه الكتاب الذين يريدون أن يظهروا أنفسهم ودينهم بمظهر عصري والذين
يحرفون القيم الإسلامية الحقيقية ويعيدون صياغتها في ضوء المفاهيم الغربية مع احتقار
الغرب الشديد لهم في نفس الوقت.
والثاني: الاستياء الشديد مع الإحساس بخيبة الأمل من هذه الصحف والمجلات التي
يكتبها كتاب إسلاميون متمكنون وعلى وعي كامل بمرامي الغرب وأهدافه ورافضون مهادنته.
يرى لويس أن الصحافة الدينية قد نمت في تركيا في الأعوام الأخيرة كما ظهر عدد
كبير من الدوريات المتخصصة تمامًا في القضايا الدينية والتي تفرخ الأفكار الدينية باستمرار
وقد قسمها لويس إلى ثلاثة فئات:
الفئة الأولى:
وهي أكثرها
قراءة كالصحف العامة والمجلات الأسبوعية التي تخاطب الفلاحين والحرفيين أساسًا. ويقول
«لويس» إن هذه الصحف تقرأ جهارًا كما تقدم شكلًا مبسطًا من الدين تغزو بسرعة عقول من
تخاطبهم.
الفئة الثانية:
يصنفها لويس
بأنها فاشية حادة لكنها ملونة بصفة دينية وتصدر بصفة غير منتظمة.
الفئة الثالثة:
وهي أكثر الفئات
أهمية يقول عنها لويس «يصدرها مفكرون متمكنون أخرجوا دائرة المعارف الإسلامية التركية
ومجلة «سبيل الرشاد» كما أصدروا أيضًا العديد من الكتب بتأييد من إدارة الشؤون الدينية».
ويسمي لويس هذه الصحف التي كان يصدرها هؤلاء الذين كانوا موالين للغرب ويضرب
أمثلة بما يريده الغرب من صحافة إسلامية على نمط بعض المقالات الهندية والباكستانية
غير مخف لاستيائه من الصحافة الإسلامية الحقيقية فيقول:
«يثير محتوى كتب الفئة الثالثة خيبة الأمل. إذ كان كتابها مضادين للإسلام ومؤلفاته
واتجاهاته ومذاهبه لكنه للأسف فقد مات معظم هؤلاء الكتاب والقليل منهم هو الذي مازال
حيا ولكنه محمل بجروح ثلاثين سنة من الإحباط والانعزال ومع غياب التعليم الديني العالي
لا نجد من يحل محلهم. إن المجلات التي تصدر اليوم إكليريكية أكثر منها دينية في المعنى
الحقيقي للكلمة، إنها كارهة للأجانب معادية للغرب وللمسيحين بالذات تعالج معظم ما تناقشه
من وجهة نظر جافة».
ويستمر لويس في القول: «إن المقالات الهندية التي تظهر في بعض المناسبات ليست
على دراية بالمشاكل الدينية الهامة ولا باتجاهات الإسلام في الهند وباكستان. إن معظم
ما تتضمنه من قضايا يأخذ جانبا دفاعيًا محرفًا القيم الإسلامية الحقيقية -كما هو معتاد-
معيدًا صياغتها في ضوء المفاهيم الغربية، ويقدم ماضي الإسلام وحاضره في صورة رومانسية
تاريخية، ويتملك كتابها مركب نقص يجعلهم يضخمون من أنفسهم ومن أهميتهم بمجرد أن يجدوا
فرصة لإطراء الإسلام من قبل واحد من الغربيين. إن مدخلهم الرومانسي التاريخي موجود
في بلاد إسلامية أخرى حيث يحاول المفكرون المسلمون بلا ضرورة- تبرير مدنيتهم في شكل
عربي. وفي تركيا أمثلة كثيرة على ذلك فهناك علماء دين يصفون أنفسهم بأنهم كماليون وجمهوريون
مخلصون ويلبسون أتاتورك نفسه حلي الإسلام والتقى».
عرضنا في هذه المقالة نموذجًا مستنبطًا من الجهود التي يبذلها الغرب لرصد حركة
الإسلام والبعث الإسلامي وقد يكون نموذجًا قديمًا لكنه بإمكاننا أن نلمس استمراريته
في وقتنا الحاضر ليس على المستوى الدولي المعادي للإسلام، ولكن على مستوى القوى الداخلية
المترصدة للإسلام أيضًا.
وتقدم لنا هذه المتابعة لحركة الإسلام- في نفس الوقت- حصيلة الخبرة التركية في
مقاومة العلمانية على مستوى البرلمان وبين قطاعات الشعب المختلفة وعلى المستوى الفكري
والحركي أيضًا.
وليس التركيز على تركيا بالذات إلا لدورها الفعال في خدمة الإسلام الذي قال عنه
لين بول: «لقد أحيوا عصبية المسلمين بعد ركودها وأوجدوا جيلًا من المحاربين المسلمين
المتعصبين الذين يرجع إليهم أكثر من أي شيء آخر ما مني به الصليبيون من إخفاق مرات
عديدة».
لقد ألف الأوروبيون المعادون للإسلام منذ الحروب الصليبية ما يزيد عن ستمائة
كتاب إشادة بأتاتورك الذي وصفه الشيخ مصطفى صبري بأنه زعيم الانقلاب القاضي على إسلام
الترك الذي كانت أوروبا تستعمل اسمهم كمرادف للمسلمين.. ولقد اعتبرت أوروبا انتهاء
الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة لفضل كمال أتاتورك انتهاء دولة الإسلام.
وقد أحصى دجوفارا مائة مشروع لتقسيم تركيا التي وصفت بأنها أعظم الممالك في تاريخ
البشرية وبأنها كانت سلطنة عسكرية محصنة مستندة إلى شرع سماوي.
وصحيح أن آل عثمان حتى المشهورين منهم قد وقعوا في أمور جعلتهم موضعًا للإبهام
لكن الإسلام عاش قرونًا طويلة على وجه الأرض عزيزًا مرفوع الرأس مع قوة دولتهم وعزتها
ودامت هذه العزة إلى أن أخذ الضعف يطرأ على صمام الدولة العثمانية فعندها بدأ الإسلام
يضعف يومًا بعد يوم ويسير جنبًا إلى جنب مع ضعف شوكتها لأن بين قوة الحجة وقوة السيف
رابطة شديدة، كما يقول الشيخ أيضًا.
ولكن ماذا عن مستقبل الإسلام في تركيا؟
يقول لويس «لم يكن الدين منذ سقوط الخلافة عاملًا سياسيًا بارزًا ولم تكبر قوته
الحقيقية ومن الذي وراءه معروف جيدًا».
«إن المثقفين العلمانيين يؤكدون بأنه ليس هناك بعث ديني على اعتبار أن القادة
الدينيين الحاليين هم أساسًا رجال من الجيل القديم نجحوا في تجنيد القليل من الشباب
إلى صفوفهم.
وليس ما يحدث الآن إلا إعادة لتأكيد مشاعر مكبوتة منذ فترة طويلة يعبر عنها جهارًا
وسوف تموت تلقائيًا مع موت الجيل الذي يقودها».
«وبالنسبة لي شخصيًا -والكلام هنا للويس- أجد من الصعب عليّ قبول وجهة النظر هذه.
وصحيح أن تركيا قد تعرضت لتغيرات جوهرية لمدة قرن كامل من التغريب إلى درجة يصعب على
المرء أن يصدق حدوثها لكن ذلك لا ينفي أن الإسلام عميق الجذور في الحياة الثقافية التركية
ومازالت هذه الجذور حية كما لا تزال الهوية الموحدة للترك بالمسلمين غير قابلة للتحدي
ومن ثم فإن انبعاث الإسلام بعد فترة طويلة من الرقاد ما هو إلا استجابة لحاجة قومية
عميقة».
«إن الإحياء المحدود للإسلام -الرسمي منه وذلك الذي ظهر على السطح- ليعكس هذه
القوة المفعمة بالحيوية والتي لا ندري أين ستتجه لو أخذت طريقها فإن الكثير من جهود
القرن الماضي للقضاء على الإسلام ستكون لا شيء وستعود تركيا إلى الظلام مرة أخرى».
ويعترف «لويس» بأن الغرب قد شارف على اليأس مع الإسلام إلى درجة أنه بات يرفض
ما يطلقون عليه بالضمان الذي أثبت نجاحه في بلاد إسلامية أخرى وهو أن توضع لتركيا تركيبة
خاصة تضم أفضل عناصر الشرق والغرب. ويقول لويس عن هذا الأمل «إن هذا الأمل عقيم لأن
صدام المدنيات عبر التاريخ لم يؤد أبدًا إلى تزاوج ناجح بين أفضل العناصر المنتقاة
منها ولا حتى إلى تعايش مشوش يجمع بين الجميل والقبيح المختلف».
ونقف هنا طويلًا عند كلمات لويس الأخيرة عن صراع الغرب مع الإسلام على أرض تركيا..
إنه يعترف بإفلاس المحاولات المخططة في التعامل مع الإسلام وبأن جهود العلمنة لم تحقق
تمامًا ما كان يرجى منها إلى درجة أن هذا اليأس دفعه إلى ترك الأمر للارتجال والبداهة
التي رأى أن على الشعب التركي أن يمارسها عمليا إذا أراد أن يوفق بين الإسلام والمعاصرة.
ويحاول «لويس» إقناعنا بضرورة التوفيق بين طريق الأجداد الذي يسميه «طريق الله»
وطريق الآباء وهو طريق أتاتورك الذي يسميه طريق التقدم ويعتبر أن هذا هو البعث الحقيقي
للدين على مستوى الفكر ومستوى الحياة الدينية والذي يقع في داخل حدود الممكن، لكن الأخذ
بتصورات «لويس» اليائسة لا يعني إلا التوفيق بين الإسلام والكفر وهما ضدان لا يلتقيان
أبدًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل