; إلى ولدي الحبيب | مجلة المجتمع

العنوان إلى ولدي الحبيب

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1989

مشاهدات 83

نشر في العدد 921

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 20-يونيو-1989

عشر سنوات مرت وانية متثاقلة بطيئة، وأنت مغيب عن عيوننا، حاضر ماثل في قلوبنا ومشاعرنا.

طيفك الحبيب ملء أسماعنا وأبصارنا لا يريم، تمر الأيام وتنقضي الأسابيع وتتابع الشهور، وتتصرم السنون، وأنت معنا في كل مكان نزلناه، وفي كل آن عشناه.

نذكرك دومًا، وفي العين دمعة، وفي القلب غصة، وفي النفس حسرات... ويزيد في حرقة القلب وجوى النفس أننا لا نملك لك من الأمر شيئًا، سوى هجسات النفس الولهى ضارعة خاشعة أن يقيك الله مصارع السوء، ويرد عنك غوائل الشر، ويفرج عنك كربات الأسر، ويردك إلينا سليمًا معافى.....

نذرف الدمع الهتون في هدأة الليل بين يدي الله- عز وجل، مستغيثين به أن يتولاك في تقلبك ومثواك، فيسكب بدر اليقين والصبر في جناتك، وينزل عليك السكينة والرضا والأنس في عالمك الضيق، وشدتك المستحكمة، وبلائك الواصب....

ولولا ومضات خاطفة من الأمل أن الله تبارك وتعالى سيبدل العسر يسرًا، ويخلق من الضيق فسحة ورجاء ومخرجًا، لأظلمت الدنيا في أعيننا، ولضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولاستحالت حياتنا جحيمًا لا يطاق.

نتقلب في أعطاف النعيم، ونرتع في مراتع الرخاء... ويلوح لنا طيفك الحبيب، وما تعانيه من شظف ومشقة وحرمان، فإذا النعيم والرخاء ينقلبان إلى ضيق وكرب وشدة وقلق وعناء...

نذكرك آناء الليل وأطراف النهار... نذكرك عند كل طعام شهي، ونذكر ما يقدم لك ولإخوانك من ردئ المأكل، فتظلم الدنيا بأعيننا، وتعاف أنفسنا أطايب الطعام...

نذكرك كلما توضأنا بالماء الساخن في الحمام الهنيء المرفه، ونتخيل اصطفافكم طوابير أمام الحمام الحقير الملوث القذر، يسلخ منكم الجلود...

نذكرك كلما سنحت في حياتنا سانحة من سعادة، ونذكر وحدتك في غياهب السجن، فترتد هذه السعادة شقاء وضنكًا وحرجًا وبلاء، وتدب في داخل النفس عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة...

ونتساءل كل يوم، وجمرات الحزن تتقد في قلوبنا: ماذا يأكل ولدنا الحبيب؟ ماذا يلبس؟ كيف ينام؟ وعلى أي شيء ينام؟ كيف يستحم؟ ومتى يستحم؟...

إنه يحب المآكل الشهية النفيسة. فماذا يقدم له خلال سنين عجاف؟.

إنه أنيق نظيف يحب اللباس النظيف الحسن. فما هي ثيابه اليوم؟

هل يتاح له الاستحمام؟ هل يتاح له تغيير ملابسه كلما اتسخت؟ أم هي ملابسه التي دخلت بها السجن لا تزال عليه؟...

أين ينام بعد أن غادر غرفته الهادئة؟ وعلى أي شيء ينام بعد أن فارق مضجعه الوثير؟...

إن القلب ليتفطر حين يسمع أن السجين البرئ ينام على الأرض، في حجرة صغيرة تكدس فيها عشرات المسجونين! فكيف إذا كان السجين ابنه الحبيب وفلذة كبده؟

كنت زهرة تتفتح للحياة، فجاء الطغيان فحجب عنها نور الحياة، ولماذا؟ لأنه لا يريد للزهور أن تتفتح أكمامها، ولا للتعبير أن يسري في أرجاء الكون!!

كنت تتطلع إلى تأسيس أسرة، تنبت في جنباتها براعم الورود وتفتح أكمام الأزاهر، فجاء الطغيان ليقتل في أعماقك تطلعات الأماني، وليطفئ في نفسك شعلة السعادة والتفاؤل والأمل...

كنت في عيادتك مضرب المثل في براعة الاختصاص، وإتقان العمل، وجودة المعاجلة ليحرم المجتمع منك ومن أمثالك، بناة الوطن الحقيقيين، وأبنائه الأوفياء، وعقوله النيرة، وكفاءاته النادرة، ودمائه الجديدة النقية الفوارة...

عشر سنوات كوامل مضت، وأنتم يا مزع القلوب وراء القضبان، لم تركم عين أهليكم، ولا سمعوا شيئًا من أخباركم، ولا سمح لأحد منهم بزيارتك! لقد ضن الطغيان على الآباء والأمهات أن يلقوا نظرة على فلذ أكبادهم، ولو من وراء القضبان، ولو من وراء الدموع التي اغرورقت بها العيون! ضن الطغيان بهذا، ولو في السنة مرة، بل ولو مرة بعد عشر سنين!!

يا إلهي أتبلغ الهمجية والقسوة والفظاظة والأذى والظلم والعدوان والتجني بالإنسان إلى هذا الحد؟ أجل، وأكثرمن ذلك حين يكون طاغية، أو ذيلًا يدور في فلك الطغيان!

إن المرء الحبيس تضيق الدنيان بعينيه، وتعاف نفسه الحياة، إذا حكم عليه أن يحبس في غرفة جميلة نظيفة لا يسمح لها بمغادرتها. إن شعوره بأنه حبيس في هذا المكان الهادئ الآمن الجميل النظيف ليقتل فيه الإحساس بالسعادة والطمأنينة والراحة، فكيف إذا كان حبيس غرفة بشعة قذرة نتنة، لا يجد فيها مكانًا لنوم، ولا فسحة لجلوس، ولا يحس فيها لحظة براحة أو قرار أو أمن أو طمأنينة؟ زد على ذلك أنه عرضة في كل لحظة للسب والشتم والرفس والركل والضرب والإهانة والتعذيب!!...

وتتعاقب السنون بطيئة وانية متثاقلة، وكلما انقضت سنة سألتني أمك بصوت متهرج باك مبحوح: ها هي ذي سنة أخرى قد انقضت، ولم نسمع عن ولدنا شيئًا. فإلام هذا العذاب؟!

ويكون جوابي على سؤالها دموع تغرورق بها العينان، ثم تسح على الخدين غزيرة حارة، ونشيج حاد يكاد يقتلع القلب من الجنين، وآهات حري، تحكي ما يعتلج في أعماق النفس المكلومة من حزن ولوعة وكرب وألم وعذاب....

لك الله يا بني. العزاء كل العزاء أن ما تلقاه من عذاب ووصب وشقاء وحرمان ولغوب وعنت، كله في سبيل الله، وأن الله تعالى لا يضيع أجر من شيك بشوكة في سبيله.

ولئن حبسك الطغيان عن أن تبدأ حياتك العملية عشر سنين، ليعوضنك الله منها بركة في الزمن، تجني فيه أضعاف ما فاتك.

ولئن أخر الطغيان إنشاء حياتك العائلية عشر سنين، ليباركن الله في زواجك، وليقيضين لك الزوجة الوفية الطاهرة الولود، وليرزقنك النسل الطيب الصالح، الذي تقر به عينك، وينسيك تلك السنين العجاف.

وفوق ذلك كله، ليحبونك الله تعالى مرضاته، وهي أكبر من الدنيا وما فيها من نعيم ومال وولد...

والله يحفظك ويصونك ويرعاك...

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل