العنوان قراءة في ملف المعونات الأمريكية لمصر (١٩٧٥-١٩٨٨) (٢)
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 926
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 01-أغسطس-1989
١٧٠ مليون دولار أنفقت على تنظيم الأسرة وملايين الجنيهات لدراسات وضعت في الأدراج!!
- هذه هي حقيقة القروض والمعونات فهل هي لصالح مصر أم لصالح
أمريكا؟!
القاهرة من مراسل المجتمع:
استعرضنا في الحلقة السابقة الشروط الظالمة
التي تضعها هيئة المعونات الأمريكية لحصول مصر على القروض والمنح، وكيف أن هذه
القروض تتجه في الأساس إلى القطاع غير المنتج، مما يشكل عبئًا ضخمًا على ميزان
المدفوعات ونقص العملة الأجنبية، واستعرضنا كذلك محاولة التأثير على العقل
المصري من خلال التدخل في أساليب الإدارة واستخدام التكنولوجيا في المصانع، ثم كيف
يوظف الباحثون وأساتذة الجامعات لإجراء بحوث ودراسات تخدم في الأساس الإدارة الأمريكية،
ونستعرض الآن سياسات تبديد القروض ومشروعات الصحة وتحديد النسل ومأساة دراسات
الجدوى وغيرها من أوراق الملف.
لقد صاحب تنفيذ المشروعات
الاستثمارية الممولة من برنامج المعونة مجموعة من السياسات والطرق الملتوية
لتبديد القروض، كان من أهمها الإخلال بالبرامج الزمنية للتشغيل والتنفيذ وإنفاق
الميزانية المتفق عليها قبل أن تكتمل أهداف المشروع، وتنتهي المدة الزمنية المقررة
له، ومثال ذلك:
° مشروع محطة مياه روض الفرج الذي تحدد برنامجه الزمني فيما بين عام ٧٧
إلى عام ١٩٨٩ بتكلفة ٩٤ مليون دولار، أنفقت بالكامل قبل موعدها بعام،
والمشروع لم يكتمل بعد، ولا تزال هناك دراسات يعدها المكتب الاستشاري «جينز
مونتجمري» حول التحسينات الفنية، والتوصيلات اللازمة لتحسين الأنشطة الهندسية
والتخطيطية للمحطة.
° مشروع تطوير المدن الريفية (الفيوم –بني سويف– المنيا)
لتخطط بفاعلية للتطوير، والمحافظة على البنية الأساسية، وتحسين نظم الري
والصرف الصحي، وبرنامجه الزمني من عام ٨١ وحتى عام ۱۹۹۱ بميزانية ١١٠ مليون دولار، أنفقت بالكامل مع بداية سبتمبر ۱۹۸۸؛ أي قبل موعدها بثلاث سنوات، وتم وضع التصميمات اللازمة للتنفيذ
وبدأت عمليات الإنشاء وباقي للمشروع ثلاث سنوات فقط، وأهدافه لم تكتمل في حين
أن الميزانية أنفقت بالكامل.
° مشروع الدعم التنظيمي لمحطات المياه والصرف الصحي؛ لتعزيز قدرات وزارة
الإسكان وهيئاتها من عام ٨٥ وحتى عام ۱۹۹۰
بميزانية ١٥ مليون دولار، أنفق منها 5 مليون دولار دون تحقيق أي
إنجاز ملموس؛ لأن المساعدات الفنية التي تم الاتفاقعليها مع المقاول الأمريكي
تأخرت حتى العام الماضي، أي ثلاث سنوات كاملة.
° مشروع محطة كهرباء شبرا الخيمة من عام ٧٩ وحتى هذا العام بميزانية ٢٦٣
مليون دولار، صرفت بالكامل وتم الانتهاء من ثلاث وحدات توليد بخار فقط من بين
أربع وحدات، ينص العقد على الانتهاء منها هذا العام.
° مشروع معدات محطات توزيع الكهرباء بالقاهرة والإسكندرية وشبين الكوم
وبني سويف من عام إلى عام ۱۹۸۹ بتكلفة ۹۷٫۲ مليون
دولار، أنفقت بالكامل مع بداية سبتمبر ۱۹۸۸، ولم يتم بعد إعادة تأهيل وتوسيع نظام التوزيع بالإسكندرية، وسيضع
الأمريكيون إلقاء المسؤولية على شركة تفريغ الإسكندرية.
* مشروع إصلاح وتحديث توربين كهرباء السد أنفق المخصص بالكامل على إصلاح
أربع توربينات فقط حتى بداية سبتمبر ۱۹۸۸
* مشروع التنمية المحلية لتحسين مستوى معيشة أصحاب الدخول الفقيرة في
الريف والحضر من عام ١٩٨٥ إلى عام ٩٤ بميزانية إجمالية ٢٣١ مليون دولار، أنفقت
بالكامل مع نهاية عام ١٩٨٧، وخصص للمشروع ٥٠ مليون أخرى عام ۱۹۸۸.
- مشاكل في التنفيذ:
في كثير من الأحيان تواجه المشروعات
الاستثمارية مشاكل عديدة تعجزها عن تحقيق أهدافها بالكامل، وكان الجانب الأمريكي
مسؤولًاعنها، مثال ذلك:
- مشروع إنشاء صوامع تخزين الغلال في ميناء الإسكندرية وشبرا الخيمة
بتكلفة ٥٣,٧ مليون دولار، ورغم انتهاء المشروع إلا أن هناك بعض أنظمة
التشغيل لم يتم الانتهاء منها، مثل أنظمة الصرف الصحي، كما تجري مفاوضات بين
كل من الاستشاري والمقاول وبين الشركة العامة
للصوامع حول ملاحظات عديدة، أبدتها
الشركة منها العيوب الفنية، وتعطل نظم التعبئة وقياس معدلات الحرارة وأجزاء
كثيرة من المعدات والآلات من الطراز القديم التي تحتاج إلى صيانة وإصلاح مما
يسبب استهلاكًا عاليًا لقطع الغيار.
° مشروع ضخ مياه الري لتحسين كفاءة وفاعلية نظم الري وإنشاء ٣٦ محطة ضخ
مياه ري من عام ۱۹۷۷ إلى عام 1985
بتكلفة 18.9 مليون دولار، تم الانتهاء من ١٨ محطةً فقط، ١٥ منها لم
تصلها الكهرباء حتى الآن، وثلاث لم يتم الانتهاء من المجاري المائية لها، كما
قام المقاول الأمريكي بتوريد معدات الضخ رغم أن بها عيوبًا فنيةً اتفق على
تصميمها في مدة لا تتجاوز ٣١ ديسمبر ١٩٨٦، بالرغم من أن مدة انتهاء المشروع
في ديسمبر ١٩٨٥، والأدهى من ذلك أنه حتى سبتمبر ۱۹۸۸ لم يفِ المقاول بمسؤولياته تجاه المشروع، بالإضافة إلى أن المنشآت
المدنية التابعة للمحطات حدث فيها تأخير كبير جدًّا، بسبب التصميماتغير
الملائمة التي قدمها المقاول!
° مشروع تحسين إنتاجية الدواجن لإنشاء ثلاث مزارع دواجن، وزيادة المطروح
من المستحضرات الصيدلية لمزارع الدواجن، مدته من عام ١٩٧٧ إلى عام ١٩٨٤ بتكلفة
قدرها ٥,٤ مليون دولار، لكن المشروع لم يحقق سوى أقل من نصف أهدافه، وكان
التقييم العام له سلبيًا؛ مما أحدث جدلًا بين وزارة الزراعة وهيئة المعونة حول
موقف هذا المشروع، كان من نتائجه أن أنهت هيئة المعونة العمل بالمشروع في ديسمبر ۱۹۸۳ بدلًا من ١٩٨٤ بعد أن أنفقت ميزانيته بالكامل.
° مشروع أسمنت القطامية، لسد جانب من احتياجات الأسمنت بالقاهرة الكبرى
والدلتا، من خلال بناء مصنع للأسمنت بطاقة إنتاجية ١٤ مليون طن، ومدة المشروع من
عام ١٩٧٨ إلى ۱۹۸۸ بتكلفة ۱۰۰ مليون دولار... لكن المأساة أن إنتاجية المصنع لم تتعد سوى ثلث
مليون طن
فقط!!
- مشروعات تحديد النسل:
قطاعا الصحة وتحديد النسل من القطاعات التي
خصصت لها هيئة المعونة جزءًا ضخمًا من القروض، وتعاملت فيها مباشرة مع المواطن
العادي ورجل الشارع، لكنها لم تحقق الأهداف التي كانت تسعى إليها، ولم يتجاوب معها
رجل الشارع، وهي كما يلي:
° مارست برامج تنظيم الأسرة –الاسم المهذب لتحديد
النسل– نشاطها بتوفير الأنواع المختلفة من موانع الحمل للحد من الزيادة
السكانية، وقد بدأت بمشروع صغير من عام ١٩٧٥ إلى عام ١٩٧٧، ثم بدأ المشروع الثاني
من عام ١٩٧٧ إلى عام ۱۹۸۷، والثالث بدأ من عام
۱۹۸۷ وينتهي في ۱۹۹۳، ورصدت هيئة المعونة
ميزانية للمشروعات الثلاثة قدرها ۱۷۰ مليون
دولار، قدمت ۳۰٪ من موانع الحمل
بمصر، بالإضافة إلى الحملات الدعائيةوالأنشطة الأخرى.
وبرغم هذه الميزانية الضخمة والدعاية
الواسعة، إلا أن البرنامج فشل فشلًا ذريعًا، حتى أن الحكومة في وقت من
الأوقات كانت تذيع على الشعب بيانًا يوميًّا بالزيادة السكانية من خلال
ساعة سكانية جاءت كهدية من الأمم المتحدة.
° برنامج الصحة والتغذية بدأ أول مشروعاته عام ١٩٧٦، واستمر حتى عام ۸۷، والمشروع الثاني من عام ٧٩ إلى عام ٨٨، والثالث من عام ٨١ إلى عام ۱۹۹۰، والرابع من عام ٨٥ إلى عام ١٩٩٣ بتكلفة إجمالية ١٥٠,٢ مليون دولار،
واستهدفت المشروعات على الترتيب: تدعيم الخدمات الصحية المتكاملة بالريف، تحسين
استخدامات مراكز رعاية الأمومة والطفولة بالقاهرة والإسكندرية، والسيطرة على
الأمراض المصاحبة للولادة والمسبية للوفيات، الحفاظ على حياة الطفل.
ولم تؤدِ هذه الميزانية الضخمة والمشروعات
المتلاحقة حتى الآن إلى تحقيق نتائج ملموسة بعيدة الأثر على صحة الأمومة
وحياة الطفل المصري، فباعتراف وزارة الصحة لا تزال أمراض سوء التغذية الناتجة
عن نقص الحديد منتشرة في مصر بين 30: 40 من الأمهات والأطفال والحوامل
الرضع، كما أشارت الدراسات التمهيدية للمرحلة الجديدة من مشروع الحفاظ على
صحة الطفل الذي تعاقدت عليه وزارة الصحة، في النصف الأول من ديسمبر ۱۹۸۸ مع أربع جامعات أمريكية هي «جورجيا تيك، هارفارد، أتلانتا،
ميامي» تشير هذه الدراسات إلى أن مصر تستقبل كل عام ۱۸ مليون طفل، يتوفى منهم ١٧٤ ألف طفل قبل بلوغهم عام واحد، ويتوفى ۱۹۸ ألف آخرين قبل بلوغ الخامسة من العمر، وتمثل وفاة الأطفال الرضع ٥٠٪
من مجموع الوفيات العامة بمصر سنويًّا.
- مأساة دراسات الجدوى
عندما اشتكت الشركات الاستثمارية الأمريكية
من أن دراسات الجدوى تتكلف حوالي ١٥٠ الف دولار في بعض الأحيان، قامت هيئة المعونة
بتخصيص مجموعة من المشروعات لإجراء دراسات الجدوى، وقبلت مصر ذلك، وبدأ المشروع
الأول من عام ٧٨ إلى عام ١٩٨٦ لإجراء دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية، ويضم
بداخله أربعة مشروعات فرعية، والثاني من عام ١٩٧٩ إلى عام ۱۹۸۹ لدراسات جدوى القطاع الخاص ، الثالث من عام ١٩٨٣ إلى عام ۱۹۹۰ للتعاون الفني والتكنولوجيا، في مجال دراسات الجدوى بميزانية إجمالية
٩٨,٤ مليون دولار، أنفق منها حتى سبتمبر ۱۹۸۸ مبلغ ٩٤,٧ مليون دولار.
والمأساة في هذه المشروعات هي أنه
تم تخصيص جزء من القروض التي أصبحت ديونًا على مصر قيمتها ٩٨,٤ مليون دولار
لإجراء دراسات جدوى تقوم بها مكاتب استشارية أمريكية في الغالب، لتقول
للمستثمر الأمريكي هذه فرص الاستثمار في مصر، وفي هذه الحالة يمكن للمستثمر
أن يرفض أو يقبل دراسة الجدوى، وبالفعل هناك دراسات تكلفت الملايين ولم
يتم الاستفادة منها.
- مشروعات توسيع الإنفاق الاستهلاكي
خصص المخطط الأمريكي مشروعات
لربط أصحاب الأراضي في الريف بالمدينة والحضر من خلال توسيع دائرة إنفاقهم
الاستهلاكي وتشجيعهم على المشاركة في مشاريع استثمارية مصرية أجنبية مثل:
° مشروع النشاطات الزراعية صغيرة النطاق من عام ۱۹۷۹ إلى عام ١٩٨٤ بميزانية ١٦ مليون دولار، وإنشاء مشروعات مشتركة وصغيرة
في مجال طاقة الغاز الحيوي، وإيجاد فرص تعليمية للسيدات الريفيات في مشاريع تريبة
دواجن وعجول، ومشاريع تربية دودة القز وحفظ الأغذية وتوزيع المحاصيل الزراعية.
° مشروع المزارع الإنتاجية الصغيرة لتطوير النظام النمطي للمزارع
الإنتاجية عن طريق قروض، وقد نفذ المشروع حوالي عام ۱۹۷۹، من قبل بنوك القرية في ثلاث محافظات، وأعطى حوالي ١٥ ألف قرض بحوالي
٩٥ مليون دولار حتى عام ۱۹۸۷.
ويعد هذا جانب صغير مما ينضح به إناء
المعونة الأمريكية الكبير، والذي استقينا معلوماته في أغلبها من كتاب سري
صادر عن السفارة الأمريكية بالقاهرة... تلك المعرفة التي هي بحقمصيدة لدول
العالم الثالث، أنهكتها وكبلتهابالديون وتسعى لجرها - إن لم تكن جرتها
فعلًا – إلى دائرة الهيمنة الأمريكية، ولابد لهذه الدول من البحث عن مخرج
يعيد لها كرامتها وعافيتها، ولا بديل عن الاعتماد على الذات؛ حتى
تنهض الشعوب وتسترد حريتها.