العنوان حداثة.. أم تجديد؟ «9».. «المقدس» عند الحداثيين
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 17-يونيو-2006
مشاهدات 60
نشر في العدد 1706
نشر في الصفحة 66
السبت 17-يونيو-2006
هكذا- كما بينا في العدد الماضي- تم العبث الحداثي بالثوابت والمقدسات- القرآن.. والنبوة والرسالة، والوحي. على هذا النحو اللا معقول!
ونموذج ثالث لشاعر حداثي يسمونه- الشاعر الكبير- بدأ عروبيًا، وانتهى فرنكفونيًا، في بلد ليس لها تاريخ في الفرنكفونية: أي أنه فرنكفوني بالهواية والهوى.. ولقد احترف- في كتاباته الصحفية- التي غلبت شعره.. الدعوة إلى تعبير الأنثى بالجسد.. أي جعل الجسد الأنثوي العاري- الموديل- هو الملهم للرسامين والنحاتين والمصورين والأدباء.. ففصاحة الجسد الأنثوي العاري- عنده- لا تعادلها فصاحة أخرى.. وهو يسحب هذه الدعوة حتى على جسد آدم وحواء عليهما السلام!
والدعوة إلى احتقار العربية لغة القرآن الكريم، وذلك عندما يدافع عن وصف لويس عوض لهذه اللغة الوطنية والقومية بأنها لغة ميتة.. ودخيلة!!
والدعوة إلى الاحتفاء والاحتفال بالإسكندر الأكبر «٣٢٤.٣٥٦ ق.م» بتزيين مياديننا بتماثيله. وهو الذي افتتح مرحلة غزو الغرب للشرق، والقهر الحضاري لثقافات الشرق ولغاته ودياناته، عشرة قرون، لم تنقشع ظلماتها إلا بالفتوحات التحريرية التي قادها الإسلام والمسلمون.
- والمشاركة في الاحتفال- عامين كاملين بالاحتلال، بدلاً من الاستقلال. الاحتفال بمرور قرنين على غزوة بونابرت «۱۷۹۹ - ۱۸۲۹م» لمصر «۱۲۱۳ - ١٢١٦هـ / ١٧٩٨ ۱۸٠١٠م» وإحراقه مئات القرى المصرية، وإبادته لسبع تعداد الشعب المصري، وتحويله الأزهر الشريف إلى إصطبل للخيول مزق الفرنسيون فيه القرآن الكريم، وتراث العلوم الإسلامية.. بل وبالوا وتغوطوا فيه!
- والتحدي لمشاعر الأمة الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية، عندما غضبت كل الأمة من الوحشية الصهيونية التي استخدمت كل أسلحة الدمار الثقيلة والمحرمة دوليًا، ضد أطفال وشباب ونساء وشيوخ انتفاضة الأقصى المبارك والقدس الشريف والاستقلال الفلسطيني- التي تفجرت في ٢٨ سبتمبر سنة ٢٠٠٠م، فكتب هذا الشاعر الحداثي داعيًا إلى حب الجنود الصهاينة الذين أطلقوا النار على الطفل الأعزل محمد الدرة- لمدة خمس وأربعين دقيقة !!
فالكراهية في عرف هذا الشاعر الحداثي يجب أن تقف عند القتل، ولا تتعداه إلى القاتل (1).. ولست أدري. ولا المنجم يدري- هل يمكن كراهة الزنى، مع حب الزناة؟!... وكراهة السرقة، مع حب اللصوص؟ وكراهة الشيطنة مع حب الشياطين؟! وهل يمكن أن نقيم العدالة والقصاص على الجريمة، مع الحب وإطلاق السراح للمجرمين؟!
لقد توج هذا الشاعر الحداثي مسلسل القطيعة مع ثوابت الأمة عندما سئل عن رأيه فيما لو اصطدم المبدع الشاعر بما هو مقدس؟
فإذا به بعد أن أعلن تقديسه لقيمة العقل وقيمة الحرية.. يعلن رفضه لوجود المقدس الديني الأصل والأساس... فهذا الذي يسمونه، مقدسًا دينيًا، ليس أكثر من اختراع نخترعه نحن، وادعاء ندعيه وبنص عبارته في الإجابة على هذا السؤال يقول:
إن المقدس ليس كائنًا خارج الشعر أو خارج الإنسان.. المقدس هو مقدس لأننا نقدسه.. والشاعر يبدو أنه قد غلبته النشوة، أو روح السخرية، أو الجمود كل هذه المشاعر وكل هذه الحالات تصادف الإنسان، فحار الشاعر ماذا يصنع في هذه الحالة؟ نحن نتوقع دائمًا من الشاعر أن يكتب بلغة تؤدي ما يريد أن يؤديه، ولكن تظل محافظة على ما يجب لها من جمال (2).
فالمقدس- بإطلاق عند هذا الشاعر الحداثي الفرنكفوني هو العقل، والحرية... أما المقدس الديني فهو اختراع يخترعه من يؤمن به ولا وجود له في الواقع والحقيقة... والسخرية من هذا المقدس الديني والجحود له في لحظات النشوة، والإبداع أمر مطلوب طالما كانت العبارة التي تعبر بها عن هذه السخرية وهذا الجمود جميلة... فقط لا غير !!
هكذا تعاملت وتتعامل حداثة القطيعة المعرفية مع الموروث، مع المقدس الديني، وثوابت القيم وما أجمعت واجتمعت عليه الفطر السليمة من مشاعر وحقائق تتعلق بالتراث وبالتاريخ!
وللحديث بقية
الهــوامــش
(1) أحمد عبد المعطي حجازي: سوف أكون صريحاً مع الجميع، الأهرام، من 28 يوليو في 11/10/2000م.
(2) أحمد عبد المعطي حجازي، من حوار معه، أخبار الكتاب، العدد 37، سبتمبر سنة 2000، دار اتحاد كتاب مصر، القاهرة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل