; ليس هذا من حقك يا عمر! | مجلة المجتمع

العنوان ليس هذا من حقك يا عمر!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

مشاهدات 59

نشر في العدد 781

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

تروي كتب التاريخ أن أقمشة جاءت من اليمن في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوزعت على المسلمين بالتساوي، ونال عمر مثلما نال رجل الشارع، وكان عمر طويلًا يمشي بين الناس وكأنه راكب! فظهر عمر على المنبر وقد ارتدى قميصًا من هذا القماش، ثم خطب فدعا الناس إلى الجهاد.. فإذا بصوت ينطلق من ساحة المسجد يقول: «لا سمعًا ولا طاعة!» ويسأل عمر وسط صمت رهيب «لماذا؟ يرحمك الله!» فيقول الرجل في غير تلعثم: «أخذت من القماش مثلما أخذنا فكيف فصلته قميصًا وأنت أطول منا؟ لابد أنك استأثرت علينا».

ويجد عمر أن الرجل محق في مساءلته، فينادي ابنه عبدالله ويطالبه بالتفسير.. ويعلن عبدالله أنه تنازل عن نصيبه لأبيه؛ حتى يمكنه أن يفصل قميصًا يستر عورته إذا ما صعد على المنبر يدير أمور دولة ممتدة من البحر الأبيض إلى حدود الصين!

ويقتنع الرجل فيقول: «الآن نسمع ونطيع».

بهر المؤرخين موقفُ الحاكم في القرن السابع، يقبل المحاسبة ويدافع عن نفسه أمام محكمة الرأي العام.. فنسوا الرجل الذي تساءل واتهم وحاسب.. وخلع الطاعة لما توهم انحراف السلطة.. في عصر عُبدت فيه الحكام وسادة الأكاسرة والقياصرة.. وشهد نيرون يحرق روما.. رغم تطبيق القانون الروماني! فلا يجد من يردعه أو يحاسبه.

ولكن الرجل المسلم يرى أن شرعية الحكومة تسقط إذا ما استأثر رئيسها بنصف متر قماش!

موقف عظيم أن يقبل الحاكم المحاسبة.

وأعظم منه، أمة تتمسك بالعدل وتصر عليه وتحاسب حاكمها وتواجهه بما يريبها.. وتطالبه بالتفسير.

يقف عمر على المنبر فيعلن أنه قرر عدم المغالاة في المهور.. وهي فكرة راودت كثيرًا من المصلحين.. ولكن امرأة من عامة المسلمين ترى في اقتراح عمر اعتداء على حق المرأة، ومخالفة لما تعتقد أنه تفسير الآية: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (النساء: 20) فترفع صوتها من مؤخرة المسجد قائلة: «ليس هذا من حقك يا عمر»!

ويسأل عمر: «لماذا»؟

فتواجهه المرأة بالنص.. بالآية الكريمة فيتراجع عمر قائلًا من فوق المنبر: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».. ثم يبكي قائلًا: «كل الناس أفقه منك يا عمر»!

يقف المؤرخون عند عظمة الحاكم تخطئه امرأة من رعيته فينقد نفسه علنًا ويتراجع عن قانون نوى إصداره، بمجرد أن تشهر امرأة في وجهه اعتراضًا بعدم دستورية القانون.. الذي التزم بطاعته.

عكف المؤرخون على هذا الموقف.. حتى أصبحت قولته «أخطأ عمر وأصابت امرأة» من الأقوال المأثورة الخالدة ولو أنصفوا لخلدوا قولة المرأة «ليس هذا من حقك يا عمر»!

فأي عظمة أكبر من عظمة امرأة تجاهر برأيها في مواجهة الحاكم ولا تقبل تشريعاته قضية مسلمة؟!

وأي أمة تلك التي تعرف فيها المرأة حقوقها، وتكتشف فورًا تعارض القانون عند إعلانه مع هذه الحقوق فتدفع بعدم دستوريته؟!

لو كانت أمة غير تلك التي رباها رسول الله، ولو كان فقهاء المسلمين وقتها غير صحابته.. فمن يدري ربما سكتوا عن معارضة عمر.. ولو تأخر الزمان.. فربما عكفوا على الإشادة بتطور الأسرة بعد تشريعات المهور!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 19

562

الثلاثاء 21-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 19

نشر في العدد 21

465

الثلاثاء 04-أغسطس-1970

مع العمال - العدد 21

نشر في العدد 28

459

الثلاثاء 22-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك - العدد 28