العنوان اختطاف الرهائن السعوديين من سفارتهم بباريس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
مشاهدات 80
نشر في العدد 167
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
اختطاف الرهائن
السعوديين من سفارتهم بباريس
المهزلة… عرفناها فمن.. بطلها الحقيقي؟!
موقف الحكومة أتاح النجاة للرهائن
لم تبق وسيلة من وسائل إعلام العرب إلا واستنكرت عملية اختطاف الرهائن
السعوديين من سفارتهم بباريس بواسطة من أسموا أنفسهم فدائيين من منظمة منشقة تدعى «العقاب».
والجديد في هذا الاستنكار أنه لم يقتصر على الحكومات كما كان يحدث في بعض العمليات السابقة، بل تعداها إلى الشعوب أيضا، فما من فرد سوي في بلاد العرب، أو بلاد الغرب إلا وشعر بالاشمئزاز وهو يتابع هذه العملية العجيبة، لما فيها من اعتداء غادر واحتجاز الأبرياء، في وقت غير مناسب البتة. كما أن العمل الفدائي المتواجد حقيقة في الساحة الفلسطينية استنكر العملية، وشعر شعورا ممضا بما سببته له من إحراج وحاول بكل ما يستطيع أن يتبرأ منها, وأن يشعر المجتمع العربي والدولي أن لا علاقة له بهذه المحاولة البائسة.
لكن هذه العملية بهذه الصورة المتهورة لا يمكن إلا أن تترك أثرا عميقا في نفوس كثير من الحكام العرب الذين يظهرون التعاطف مع العمل الفدائي، ويمدونه ببعض ما يحتاجه من مال.
ولتقويم هذه العملية تقويما سليما ووزنها بالميزان العقلي المستقيم أمامنا تعليلان لا ثالث لهما.
الأول: أن تكون هذه العملية من صنع شباب غض لا تجارب له، ولا تصور سليم لأحداث العالم من حوله سيطر عليه الطيش والنزق فأراد أن يصنع شيئا ما فانزلق هذا المنزلق المريع.
والثاني: أن تكون هذه العملية برمتها من تخطيط أعداء لأمتنا هم اليهود أو أشياعيهم مردوا على مثل هذه العمليات واستطاعوا أن يجدوا لهم عملاء مستعدين لتنفيذها،
ونحن نميل إلى التعليل الثاني لأسباب:
● أولها التوقيت
فقد جاء توقيت هذه العملية يوم افتتاح مؤتمر قمة عدم الانحياز, هذا المؤتمر الذي أشعر إسرائيل بأنها سائرة في طريق عزل دولي, بحيث تصبح في جانب والعالم في الجانب الآخر.
ولقد كان هذا المؤتمر يتجه إلى دعم القضية الفلسطينية واستنكار العدوان الصهيوني، بل وأكثر من ذلك مقاطعة إسرائيل اقتصاديا وعزلها سياسيا «وأمنية إسرائيل في إفشال المؤتمر لا تعني نجاح مخططيها». كما أن هذا المؤتمر أيد موقف الدول العربية المطالبة بانسحاب إسرائيل من أراضيها «مصر وسوريا والأردن»، ومثل هذا المؤتمر الذي يمثل ما يقرب من نصف دول العلم لا يمكن أن يستهان بوزنه وفعاليته.
● وثاني هذه الأسباب اختيار سفارة السعودية في باريس؛ لتكون مسرحا للأحداث ويكون رجال السفارة رهائن للمساومة.
ومن المعلوم أن السعودية أصبحت على علاقات حسنة مع فرنسا، ولمصلحة العرب، فقد استطاعت السعودية أن تنال تأييدا واحتراما للعرب من فرنسا، وأن توجد مجالا جديدا لسلاح العرب أو تسويق بترولهم ينافس أمريكا وروسيا.
وواضح أن التوتر بين فرنسا والسعودية بانت بوادره قبل أن تنتهي الأزمة التي صنعها المختطفون، وهذا تحقيق لأهداف ضد مصالح العرب.
● وثالث هذه الأسباب أن الضربة كانت موجهة إلى دولة عربية بترولية بدأت تخطيطا جديدا في تسييس البترول بالضغط على أمريكا لمصلحة المعركة الدائرة بين العرب وإسرائيل، ولقد جذبت هذه السياسة البترولية الجديدة أنظار العالم وأشعرت أوربا وأمريكا بخطر حقيقي من استمرار تأييدهم لإسرائيل، كما لوت عنق أمريكا وجعلتها تنسحب من إعلان تأييدها المطلق لمصالح إسرائيل.
كما أن هناك اتجاها لتكريس هذه السياسة في مؤتمر عدم الانحياز.
● ورابع هذه الأسباب أن عملية الاختطاف جاءت مصاحبة لأخبار أخرى عن اكتشاف مراكز يراد تثبيتها؛ لإطلاق صواريخ على مطار في إيطاليا وفي قرية قريبة منه.
هذه الصواريخ اكتشفتها الاستخبارات الإسرائيلية- كما تقول إذاعة لندن- وأبلغت السلطات الإيطالية بها، وقد لوحظ أن كلا من إذاعة إسرائيل ولندن وصوت أمريكا أذاعت نبأ هذه الصواريخ بعد إذاعة عملية احتجاز الرهائن مباشرة خلال يومين متتاليين، وكأن العمليتين من تخطيط واحد، تخدمان هدفا واحدا، كما يعني هذا وجود المخابرات الإسرائيلية في الصورة وأن اكتشاف الصواريخ خطط له كي يكون في هذا اليوم بالذات.
● وخامس هذه الأسباب ولعله أهمها أن منظمة «العقاب» التي انتسب إليها المختطفون منظمة غير موجودة, ولم يعترف بها رئيس منظمة التحرير الفلسطينية, واستنكر أعمالها كل العاملين في العمل الفدائي، كما أن المختطفين لم يلتفتوا إلى أي نداء من المسؤولين الفلسطينيين في الكويت، مما يجعل عملهم في غاية التناقض، «فدائيون يحتجزون فدائيين للمطالبة بالإفراج عن فدائيين».
هذا ولا يمكن أن يصدق عاقل أن احتجاز سعوديين على أرض كويتية يمكن من الإفراج عن معتقل في الأردن.
كل هذه الأمور تشير إلى أن المستفيد الوحيد من مثل هذا العمل هم الأعداء، وهذه وحدها إدانة كبيرة لهذا العمل المريب.
بقي أن نشير إلى أن مواجهة مثل هذه الأعمال التي تتضح فيها الإساءة إلى قضايانا بكل وجه من الوجوه يجب أن تكون رادعة وحاسمة لا مساومة فيها ولا تساهل حتى لا تظل أرضنا مسرحا لكل مغامر مسيء.
كذلك لا يفوتنا أن نذكر بأن الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها المحاربون ضد أعدائنا وفي سبيل الدفاع عن حرماتنا ومقدساتنا, هي الأخلاق الإسلامية التي لا تجيز للمحارب أن يحمل أحدا وزر الآخر، ولا أن يؤذي أو يهدد آمنا وصديقا في سبيل الضغط على جانب آخر ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر:16) كما لا يجوز أبدا لمحارب مؤمن بقضيته العادلة أن يعرض هذه القضية للخسارة في سبيل مصلحة فرد واحد من جنودها.
إن المراقب لردود فعل مثل هذه العملية الخطيرة في العالم, لا يجد إلا السخرية والاستهزاء أو الشماتة والفرح وفي عالمنا العربي والإسلامي الحيرة والقلق مع الغيظ والحنق؛ لضياع مكاسب كثيرة وانصراف الأنظار عن قضية للعرب رابحة إلى قضية ليس فيها إلا الخسارة والبطلان.
لقد استسلم منفذو العملية في النهاية.
استسلموا ولم يحققوا هدفا واحدا يخدم القضية الفلسطينية، وهذا مما يؤكد أن أهداف العملية لم تكن لخدمة قضية فلسطين.
بقيت كلمة أخيرة عن موقف الحكومة.
لقد تسرع البعض وأدان الحكومة؛ لأنها استقبلت طائرة الرهائن ومحتجزيهم، والسؤال هو: إذا لم يستقبلهم مطار الكويت، ولا أي مطار آخر فكيف تتاح الفرصة لنجاة الرهائن؟ ثم ألا يدفعهم اليأس إلى إحراق الطائرة في الجو، أو تحطيمها فوق جبل أو إغراقها بمن فيها في بحر؟
إن النقد ينبغي أن يكون بعيد النظر، ولعل الرؤية الشاملة للموقف هي التي
أتاحت للدبلوماسيين السعوديين فرص الحياة من جديد ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ﴾ (آل عمران: 145).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل