العنوان الأزمة السياسية في ألبانيا والموقف المتدهور في كوسوفا
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-مايو-1998
مشاهدات 45
نشر في العدد 1301
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-مايو-1998
●رغم انشغال العلم بمشكلة كوسوفا أصر فانوس نانو على إدخال ألبانيا في نفق تغيير وزاري خطير يضعف قدرة ألبانيا على مواجهة أي عمل عسكري محتمل.
منذ عودته من لقاء مجموعة الاتصال في بون في الشهر الماضي ورئيس الوزراء الألباني يخطوا بخطي في الواضح أنها رسمت له معالم طريق لا يجب أن يحيد عنه فيما يتعلق بعلاقة ألبانيا بمشكلة كوسوفا، فقد توارت أنباء كوسوفا وما يحدث فيها عن مقدمة النشرات الإخبارية في التلفزيون الألباني، كما غاب تقريبًا أي حوار أو برنامج يناقش أبعاد التصعيد المستمر من الجانب الصربي، بل حلت محله نقاشات حول الدستور وأخيرًا التغيير الوزاري الذي جاء به فانوس نانو ليقتضي على معظم أوقات البرامج السياسية الإخبارية في الإذاعة والتلفزيون وعلى صفحات الجرائد.
ففي منتصف الشهر الماضي «أبريل» أعلن رئيس الوزراء عن خطته لتعديل وزاري كبير، لكنه لم يقم باستشارة أحد من شركاء الائتلاف الحالي ولا حتى رئيس الجمهورية «رجب ميداني» الأمر الذي دفع الأخير إلى رفضه اعتماد التغييرات حتى يقدم رئيس الوزراء تبريراته للتغيير وكشف حساب للوزراء الذين شملهم التغيير، لكن رئيس الوزراء تجاهل ذلك، وهاجم رئيس الدولة من خلال رجال حزيه والمتحدث باسم الحكومة واتهموا الرئيس مباشرة بأنه يهدد استقرار ألبانيا بل والبلقان، مما دفع الرئيس إلى الموافقة «نقطة نقطة» على بعض الوزراء، وبقيت مشكلة وزير الدفاع «من فلورا وأحد أقطاب التمرد على بريشا» الذي رفض الإقالة، مما دفع رئيس الوزراء إلى إتهام الوزير بفضيحة جنسية في مكتبه، بل قام المتحدث باسم رئيس الوزراء بإعلان ذلك على الملأ من خلال لقاء على الهواء لإحدى المحطات الإذاعية الخاصة، وبنظرة على الطريقة والتوقيت والأهداف نجد ما يلي:
1-التوقيت
فرغم انشغال العالم بمشكلة كوسوفا وانتظار انتهاء المهلة التي منحتها مجموعة الاتصال لصربيا، ناهيك عن التصعيد اليومي على الحدود الألبانية الشرقية وتحريك صربيا لقواتها على الحدود من الحدود الشمالية الغربية لألبانيا، ودك صربيا لقرى إقليمي ديشان وجاكوفا وهدمها أكثر من ثلاثين منزلًا وتهجير أكثر من أربعين ألفًا من سكان إقليم ديشان الذي يضم ٤٠ قرية، ورغم وصول أكثر من ۷۰۰ لاجئ كوسوفي إلى مدينة كروما في شمال ألبانيا، ورغم تحليق الطيران الصربي فوق مدن الشمال الألبانية، وادعاءات صربيا المتكررة بأن ألبانيا تسلح سكان كوسوفا وتقوم بتدريبهم على أراضيها وتساعدهم على التسلل لكوسوفا، رغم كل ذلك أصر فانوس نانو على إدخال ألبانيا في نفق التغيير الوزاري والذي أطاح برؤوس معارضيه في الحكومة سواء كانوا من أحزاب التحالف أو من الحزب الاشتراكي نفسه، ولكن التغيير الأخطر كما ذكرنا هو الإطاحة بل والفضيحة، الأمر الذي يترك أثرًا معنويًا على نفوس القادة العسكريين والجنود مما يضعف من إمكانية مواجهة ألبانيا لأي عمل عسكري محتمل من جانب الصرب في حالة اشتعال الموقف في كوسوفا، ولكن الوزير المقال لم يسكت هو الآخر وأعلن أن السبب الرئيس لخلعه هو فضائح الفساد والتهريب عبر الحدود من خلال رجالات السلطة، وبعد أن تبنى رئيس الجمهورية موقف وزير الدفاع تم الاتفاق على أن يقدم الوزير استقالته من منصبه لرئيس الجمهورية وليس لرئيس الوزراء، وجاء في أسباب الاستقالة اتهام رئيس الوزراء بأنه يعرقل عمل الوزير في هذا الوقت الحرج الذي يهدد الصرب فيه أمن البلاد، واتهمه بأنه مسؤول عن عدم قيام الجيش بواجبه تجاه هذه التحديات والتحرشات، كما اتهمه بأنه قمع مظاهرة لعشرين ألفًا من الضباط الاحتياط قبل أيام بسبب مطالبتهم بتحسين أوضاعهم المعيشية، وطالب الوزير المقال- رئيس الدولة باتخاذ إجراءات فاعلة لتعديل الموقف، ولكن الرئيس اتخذ قرارًا بتعيينه مستشارًا عسكريًّا له «رغم أنه كان طبيب القلب الخاص بالرئيس الراحل «أنور خوجا!!» ووزيرًا سابقًا للصحة في ١٩٩١م».
2- الطريقة التي تم بها التغيير
جاءت من خلال تهديدات شفهية في اجتماعات لمجلس الوزراء، ثم تصريحات صحفية لبعض قادة الحزب الاشتراكي ونقدهم لطريقة الأداء الحكومي، ثم النقد المباشر لوزير الداخلية «رئيس حزب التحالف الديمقراطي المتحالف مع الاشتراكيين في الحكومة على صفحات الجرائد الاشتراكية ومحاولة تلميع وزير داخلية شيوعي سابق ليحل محل الوزير الحالي الذي كان يشكو الشكوى من العقبات التي توضع في طريقه لمنعه من أداء وظيفته على الوجه الصحيح وتدخل رئيس الوزراء وتعيينه لبعض القيادات الشرطية والأمنية وعزله آخرین دون العودة للوزير مما يضعه في موقف حرج أمام موظفيه، علاوة على أن الوزير صرح بأن لديه ملفًا كبيرًا سيقدمه للرئيس عن التهريب والفساد الذي يتزعمه قادة حكوميون، ورغم أن الوزير- وهو رئيس حزب يميني- قد ضحى بمواقف حزبه تجاه الشيوعيين والاشتراكيين نكاية في الرئيس السابق بريشا إلا أن رئيس الوزراء لم يتشاور معه في استقالته أو إقالته وعلم الوزير كغيره بنبأ تغييره من الجرائد.
كما أن كل الوزراء الذين تم اختيارهم لوزارته الجديدة «عدا» وزير «واحد» كلهم من الجنوب الألباني «الرسالة موجهة إلى اليونان» كما أن النسبة والتناسب من الناحية الدينية تكاد تكون لصالح الأرثوذكس وحتى الوزراء المسلمون ولو حتى اسمًا تم إقالتهم واستبدالهم بآخرين نصارى وعلى سبيل المثال وزير العمل «يلماظ شريف» الذي استبدل بـ«إنستاس إنجيل» من سارندة وهو مهندس عمليات التقارب مع اليونان.
3- أهداف التغيير
لاشك في أن الحكومة السابقة عجزت تمامًا عن عمل أي شيء لصالح المواطن رغم الوعود البراقة التي أطلقها الزعماء الاشتراكيون إبان الحملة الانتخابية، ولاشك في أن أداء معظم الوزراء لم يرق إلى أدنى مستوى ولو حتى من الناحية الشكلية، فعلى سبيل المثال كان المألوف أن نري كوكبة من الوزراء على مقهى عام أو أن نرى وزيرًا يداعب صاحبًا له والآخر يناديه باسمه في عرض الطريق، الأمر الذي أفقدهم هيبتهم كما أن علاقتهم ببعضهم البعض كانت غير عادية، ناهيك عن أن اختيار بعضهم تم لإنجاح الحكومة الائتلافية، وقدم كل حزب أبرز وجوهه بغض النظر عن تخصصاتهم، لكن الأهداف غير المعلنة والتي أفصح عن بعضها بعض الوزراء في الحكومة السابقة هو انفراد نانو بالقرار وعدم العودة إلى الوزراء وخصوصًا من خارج حزبه، كما أن ملف الفساد قد طال بعض الشخصيات الكبيرة في الوزارة وتحدثت الصحف كثيرًا عن نائب رئيس الوزراء باشكيم فينو، على أن البعض في التيار اليميني وخصوصًا الديمقراطيين الذين يرون أن التوقيت والطريقة والإخراج كانت مفتعلة ولا تخدم مصالح ألبانيا بل الصرب، وتعادى زعيم المعارضة بريشا في اتهامه لرئيس الوزراء بالخيانة «وطالبه بالاستقالة بدلًا من أن يدفع فاتورة حساب ما يجري الآن» وخرجت الأقلام الصحفية على مختلف توجهاتها لتحمل علامات التعجب من موقف الحكومة إزاء التهديدات المتكررة والتي وصلت إلى حد اختراق قوات كوماندوز صربية «الاثنين ٢٧/ ٤ / ١٩٩٨م» مدينة كركس الشمالية بحثًا عما تدعي إنه مراكز لتدريب عناصر من جيش تحرير كوسوفا.
ولم يقتصر رد فعل الحكومة الألبانية على الصمت المطبق بل تجاوزه إلى إتهام الألبان في المهجر وخصوصًا في أمريكا بأنهم يدعمون جيش تحرير كوسوفا، مما يهدد السلام في البلقان!!
وقبل يومين من اجتماع وزراء المجموعة الأوروبية الأخير (٩٨/٤/٢٧) عقد الرئيس اجتماعًا لمجلس الدفاع الأعلى ناقش فيه التهديدات وانتهى إلى دعم حرس الحدود بقوات من القوات البوليسية الخاصة، الأمر الذي أثار دهشة المراقبين من عدم تحريك ألبانيا لقواتها المسلحة للدفاع عن الحدود مع تزايد احتمالات التدخل الصربي في الشمال لإشغال العالم عن مشكلة كوسوفا.
ويبدو أن ألبانيا قد أخذت ضمانات أكيدة من جانب الأوروبيين بعدم اعتداء الصرب على أراضيها، لذلك لم تتخذ أي إجراءات أو ردود أفعال تجاه الاتهامات الصربية الأخيرة وتركت مهمة الرد لنائب رئيس بعثة المراقبة الأوروبية جيمس كابلان والذي قال «لا يوجد أي تصعيد من جانب ألبانيا وحدودها غير مخترقة من أي عناصر، وما يحدث هو مجرد ضجة إعلامية صربية للتغطية على ما يجري داخل كوسوفا».
لكن الصرب الذين يصرون على توريط ألبانيا لخلق جبهة جديدة يمكنهم بعدها طي صفحة كوسوفا لحين إنهاء المشكلة مع ألبانيا، أو لحين أن تمر المهلة المحددة من قبل مجموعة الاتصال.
- مجموعة الاتصال
كما كان منتظرًا فإن صربيا لم تستجب لطلبات هذه المجموعة ولم يبدأ الحوار المنتظر، ولم يمنح الألبان الحكم الذاتي لا الموسع ولا حتى الضيق!!
بل إن الاجتماع القادم لن يكون على مستوى الوزراء، بل على مستوى مدراء في خارجية هذه الدول، ولن يطالبوا بالحكم الذاتي بل سيسألون الصرب «لطفًا» أن يسمحوا للوساطة الدولية أو الأوروبية أن تلعب دورها في حل النزاع.
- الخريطة الجديدة
كما كان الحال في البوسنة حين مررت أوروبا وأمريكا خريطة التقسيم عن طريق الرئيس الكرواتي توجمان لجس نبض الرأي العام في البوسنة والعالم الإسلامي.. يحدث الشيء نفسه، فقد نشرت صحيفة الكوها يونا الألبانية اليسارية خريطة متوقعة للتطهير العرقي في مناطق شمالية «المنطقة ٤ ثم مناطق أخرى مثل المنطقة ۳» ورغم أن كاتب المقال والذي نشر الخريطة من أصل كوسوفي إلا أن الكثيرين يتخوفون من أن تكون هذه الخريطة لجس نبض الرأي العام الألباني، والذي لم يعلق عليها أي مسؤول ألباني حتى كتابة هذا التقرير.
ورغم ذلك فإنه لتنفيذ هذا المخطط فإن ما لا يقل عن ٢٠٠ إلى ۳۰۰ ألف قتيل سيكونون ضحايا هذه الخطة، وتكشف هذه الخريطة أسباب تنوع المناطق التي يهاجمها الصرب، فرغم أنها بدأت بوسط كوسوفا «درينيتسا- إسكندراي» إلا أنها توجهت إلى الجنوب الغربي «ديشان- جاكوفا» مع استمرار حصارها لمنطقة ميتروفيتش في الشمال والتي يقول الكوسوفيون «من السهل الوصول إلى سكوبيا عاصمة مقدونيا عن طريق برشتينا ولكن من الصعب أن يصل المرء إلى ميتروفيتش في الشمال، وذلك لكثرة نقاط التفتيش والتعسف الصربي».
وما يرمي إليه الصرب حاليًّا هو نزوح السكان من المناطق الموضحة بالخريطة إلى غرب الإقليم والزعم بأن المناطق الأخرى تسكنها أغلبية صربية وبذلك يتساوى الطرفان في حال إجراء مباحثات حول مستقبل الإقليم.
خريطة تقسيم كوسوفا وفق المخطط الصربي الجديد والتي نشرتها صحيفة «عصرنا».
منطقة رقم (1).. ينزح إليها المهاجرون من المناطق التي لم يتم تطهيرها عرقيًّا.
منطقة رقم (2).. المناطق التي هاجمها الصرب منذ مارس 1998م.
منطقة رقم (3).. مناطق مرشحة للتطهير العرقي بعد منطقة الرابعة.
منطقة رقم (4).. منطقة التطهير العرقي المنتظر.
ملحوظة: منطقة رقم (1) مجاورة لمقدونيا وستكون على الشكل كونفدرالية كوسوفية- مقدونية، أما المناطق (2، 3، 4) فستنضم إلى صربيا بطبيعة الحال.