العنوان توبة الفنانين المصريين تخرج عن الحصار
الكاتب داود حسن
تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002
مشاهدات 81
نشر في العدد 1516
نشر في الصفحة 50
السبت 31-أغسطس-2002
داعيات في الصالونات والأندية الرياضية.. ظاهرة أخرى تتنامى
تنفرد مصر بظاهرة فنية لم تشهدها عاصمة عربية أخرى، على حد علمي، تتمثل في إعتزال عدد من أبرز الفنانين والفنانات وهم في أوج النجومية والشهرة، وقد وصل عدد هؤلاء إلى نحو ثلاثين ما بين مطرب ومطربة، وممثل وممثلة وراقصات، بل حدث أن ثلاث فنانات تركن التمثيل وإرتدين الحجاب في أسبوع واحد في شهر أبريل الماضي، رغم إرتباطهن بأعمال فنية من تصوير أفلام ومشاركة في مسرحيات، ورغم أنهن جميعًا لم تتقدم بهن السن.
هذه الظاهرة أصابت الساحة الفنية المصرية بحالة من الفقر في الوجوه السينمائية والاستعراضية، زاد على ذلك رفض بعض من تبقى من الفنانات الظهور على الشاشة بلباس البحر، أو في أوضاع لا أخلاقية، مما حدا بمخرجة تخصصت في أفلام الإغواء إلى الاستعانة بممثلات من دول أخرى، وإلى لجوء عدد من الفرق الفنية إلى الإستعانة بالكثير من الراقصات الروسيات، ووصل الأمر إلى دخول أمريكيات وأوروبيات معترك الحياة الفنية المصرية.
ومع كل واحدة من موجات التوبة، ترتبط المسألة بأحد المشايخ، وتنسب عمليات التوبة له وتسبب التهمة له الشهرة وسط الجماهير، ثم يأفل نجم هذا الشيخ بعد أن يكون قد أتم مهمته، ومن الملاحظ أن أسماء الفنانين الكبار ترتبط بالشيوخ الكبار، والفنانون الشباب ترتبط توبتهم بالشيوخ الشباب.
أول من بدأ مسيرة توبة الفنانين كان الشيخ محمد متولي الشعراوي- رحمه الله، ثم الداعية السكندري ياسين رشدي الذي أوقف برنامجه الأسبوعي بسبب هذا الدور الذي كان يقوم به بين الفنانين.
ثم جاء الدور على الداعية الأستاذ بكلية الزراعة د. عمر عبد الكافي وأحاديثه في الإيمانيات والجنة والنار، ليكون النجم الجديد، حيث إستطاع أن يجذب بحديثه المئات ومساعدة عدد من الفنانات المعتزلات في إقناع فنانات أخريات بالحجاب.
وقد أصاب الرجل ما أصاب سابقيه، إذ تعرض لحملة منظمة من مجلة «روز اليوسف»، انتهت بمنعه من الخطابة، لكن محبيه نقلوا أحاديثه على شرائط تسجيل وفيديو وأقراص مدمجة ليزداد إنتشارًا وشهرة على شهرة.
الدعاة المودرن- كما يطلق عليهم- المؤثرون في الساحة الآن، ثلاثة، أولهم شعبية عمرو خالد الذي «أبعد» إلى مدينة السادس من أكتوبر التي تبعد نحو ثلاثين كيلومترًا عن القاهرة، وتلاقي أحاديثه صدى واسعًا بين طلبة الجامعة من الطبقة الراقية، والذين ارتحلوا وراءه من القاهرة بعد منعه من الخطابة في مساجدها، ثم الشيخ خالد الجندي، ثم الشيخ اليمني الحبيب الجفري، الذي دخل البيوت من خلال قناة دريم الفضائية، وأحاديثه داخل منازل رجال الأعمال، وعدد من السياسيين والفنانين، وإن كان يعمل بطريقة المتصوفة.
إلى هنا يبدو الأمر عاديًا في قبول الجفري من جانب أجهزة الأمن والمسؤولين، لكنه ارتكب «الخطأ» الكبير بوصوله إلى ممثلة شهيرة وعقد- بطلب منها- عددًا من اللقاءات وحلقات العلم في منزلها بحضور أخريات، فتأثرت وبكت.. وهو ما خشي بسببه مسؤولون مصريون أن ينجح الجفري في دفعها إلى الإعتزال.. «مما يسبب خسارة كبيرة لمصر في عالم الفن»، خاصة أن الساحة أصبحت خالية من النجوم بعد إعتزال الرؤوس الكبيرة، وإنتهى القرار بإخراج الجفري من مصر الشهر الماضي في ظروف غامضة.
لكن المد لم يتوقف، وتجاوز الفنانات والراقصات، ووصل إلى عدد من الممثلين وأبنائهم مثل محمود الجندي الذي إرتدى الجلباب والعمامة، وأعلن أنه تاب إلى الله مما قام به من أعمال طوال تاريخه الفني، وأحمد نجل الممثل فاروق الفيشاوي من زوجته السابقة الممثلة سمية الألفي الذي يحضر دروس عمرو خالد، ونقل عنه إعتزاله التمثيل مبكرًا، رغم أن الجميع كانوا يتوقعون له مستقبلًا فيه، كذلك أشرف نجل الممثل كمال الشناوي الذي يعمل بالإخراج.
على أي حال، فإن الظاهرة لا يمكن تفسيرها بجاذبية الدعاة الشباب فقط، أو بأن هؤلاء الدعاة قد سحروا أعين الفنانين، بمعسول الكلام، وبالتحذير من عذاب النار، والتلويح بنعيم الجنة، ولكن هناك العديد من الأسباب منها فطرة التدين، ووجود حافز شخصي داخل هؤلاء في التغيير، وفي وجود مؤثرات من الأسرة، كالأبناء الذين يرفضون الفن بصورته المبتذلة التي كان يعرض بها.
ولا يقتصر الأمر على جهود الدعاة وحدهم، فهناك ظاهرة أخرى هي الداعيات في الأندية الرياضية، والصالونات التي تعقد في بيوت الصفوة، إضافة إلى وجود حالة من المد الإسلامي في صفوف أبناء الصفوة في الجامعات، وصلت حتى إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة، والأمر الأهم، أن هؤلاء الفنانين هم بشر من لحم ودم يشعرون بمحيطهم المجتمعي، في ظل غياب أو تغييب مؤسسات رسمية كالأزهر، لذلك من غير المفهوم أن يحاول البعض ممارسة نوع من الحصار الأمني أو الفكري على إختيار هؤلاء التائبين والتائبات، والغريب أن من يمارس هذا الحصار هم من يزعمون أنهم دعاة الحرية.