; قراءات جادة في نظريات الإرهاب مع السلطة | مجلة المجتمع

العنوان قراءات جادة في نظريات الإرهاب مع السلطة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

مشاهدات 75

نشر في العدد 1031

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 29-ديسمبر-1992

 

معالم على الطريق

موقف الإسلام من الإرهاب والظلم

كل مسلم وكل صاحب قلب ينكر الإرهاب ويتنافر معه، ويبغض ترويع الآمنين ويشمئز منه لأن ديننا ينهى عن ذلك، وشريعتنا تمقته، ولأنه يتنافى مع الطبع المستقيم والفطرة السوية. قال -عليه السلام- «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي، وإن كان لأبيه وأمه» وقال: «لا يحل لرجل أن يروع مسلمًا».

وكل مسلم وكل صاحب عقل أو ضمير ينكر البغي والعدوان وقتل الحريات والاستهتار بالأرواح والقيم والاستعباد الجسدي والفكري، سواء كان من والٍ أو حاكم أو سلطان، لأن ذلك يتنافى مع أبسط تعاليم الشرائع والقيم، ويتصادم مع بدهيات قوانين العدالة والإنسانية، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} (محمد: 22-23)، وقد بين -عليه السلام- دستور السلطة النبوية، فقال: «إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا قسطوا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، وقال: «لا تقدس -أي لا تحترم ولا تكرم- أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع» يعني من غير أن يصيب الضعيف أذى يقلقه أو يزعجه، ورحم الله عمر بن الخطاب حين قال لأحد ولاته: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا» وتراث الإسلام مهول ورائع في بعث الحقوق الضائعة، ورفع الكرامات الهابطة، وتقرير العدالة القاسطة، فكيف يضيع إذن من قدم المسلمين الطريق وتلتوي بهم السبل، ويقعون صرعى الأباطيل والمظالم والأهوال.


تزامن الإرهاب مع الاستبداد

ولكن يتوجه إلى ذهن المسلم سؤال يبحث عن جواب:
 لماذا يتواكب الإرهاب في عالمنا العربي مع حكم العسكر؟ ولماذا يتزامن التطرف مع عصور الدكتاتوريات وانتشار المظالم. يجيب على هذا السؤال الباحثون الجادون وغيرهم من عجم وغرب وعرب. فمن غير العرب -على سبيل المثال لا الحصر: الكاتب الأمريكي وأستاذ الجامعة «جون إسبوزيتو» مؤلف كتاب التهديد الإسلامي وهم أم حقيقة، والكاتب الفرنسي «فرانسوا بورجا» مؤلف كتاب «الإسلام صوت الجنوب» وكتاباهما كانا حصيلة جهد ميداني واسع النطاق قام به المؤلفان بدراسة على الطبيعة في الشرق الإسلامي، وقد تكلم كل منهما على ظاهرة العنف الذي أسمياه الهامش في الشرق الإسلامي وأرجعاه إلى العناصر التالية:

1- الفساد الذي يجعل الشباب يثور عليه ويطمح في إزالته.

 2- إفرازات غيبة الديمقراطية وعدم السماح للرأي الآخر.

 3- ردود أفعال السلطة التي تضرب بلا رحمة أو هوادة.

 4- العنف ليس حصيلة إسلامية أو عنصرية وإنما هو حصيلة سياسية وحصاد للنظام الاجتماعي غير المتوازن برمته!

ومن ثم فإن رصد وقائع العنف منفصلة عن الإطار الذي خرجت منه هو خطأ آخر ينبغي الحذر من الوقوع فيه.


آراء عربية في أسباب التطرف

وممن تكلم في ظاهرة الإرهاب بموضوعية كثير من العرب -على سبيل المثال: الأستاذ فهمي هويدي والدكتور محمد عمارة، والدكتور مدحت خفاجي الكاتب العلماني الحزبي الذي تحدث في جريدة الوفد في 18/ 12/ 1992 فقال: التطرف الحالي من بعض الجماعات، ما هو إلا رد فعل لاستمرار الحكومة الحالية في إدارة البلاد بنفس المنطق الدكتاتوري لعبد الناصر، مع السماح بديكور ديمقراطي لا يغير من جوهر النظام، ولا يقنع الجماهير بأن هناك حرية وعدالة ومساواة، ومن الأمثلة الصارخة لتطرف الحكومة مع مواطنيها ما يلي:

أولًا: منع الشعب بالقوة والقهر من اختيار من يحكمه بتزييف كل الانتخابات.

 ثانيًا: الحكم من خلال دستور معيب يجعل السلطة مطلقة في يد رئيس الجمهورية، ويجعل من ممثلي الأمة في مجلس الشعب تماثيل لا تملك من أمرها شيئًا.

 ثالثًا: الاستيلاء على السلطة بطرق غير شرعية وغير مواكبة لنبض العصر وهو الحرية والديمقراطية.

 رابعًا: الانحياز الكامل إلى جانب الولايات المتحدة حتى أصبحنا مسخًا في العالم.

 خامسًا: منع إقامة أحزاب إلا بعد موافقة الحكومة المغتصبة للسلطة.

 سادسًا: الفساد ونهب المال العام جهارًا نهارًا وحرمان الشعب من ثروات بلاده، هذا وعليه مزيد.

 سابعًا: عدم القدرة على إدارة البلاد بكفاءة ومسئولية، فتدنت مستويات المعيشة وكثرت الديون وعم الغلاء والفقر.

 ثامنًا: قتل الطموحات الفردية والجماعية، فتلاشى بذلك الإبداع وانعكس ذلك على الحياة الاجتماعية والفكرية والثقافية. تاسعًا: استغلال الإعلام في تكريس حكم الفرد وحشد جموع من الكتاب المعينين واستغلال أوضاعهم الاجتماعية والوظيفية لتسخير أقلامهم في الدفاع عن السلطة وتجاوزاتها وفي توهين عقائد الأمة.

 

دعوة إلى الموضوعية

وبعد؛ أفكل هذا، وغيره الكثير لا يحرك التجاوزات ولا يشكل دوافعًا للتطرف، وإلى متى سنظل هامشيين وندفن رأسنا في التراب ونعالج المشاكل بغير موضوعية، ولحساب من يكون ذلك؟ وما هي عواقبه؟!



    الاستبداد السياسي وعلاقته بظاهرة العنف المجتمعي.


 

الرابط المختصر :