العنوان (طريق الأمناء لتحقيق الوفاء) الوفاء بالعهد.. والدقة في التنفيذ
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996
مشاهدات 78
نشر في العدد 1190
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 05-مارس-1996
كان من شروط صلح الحديبية أن من أتى من قريش إلى المدينة رده الرسول ﷺ ومن أتى قريشًا من المدينة لا يرده المشركون، ولما جاء أبو جندل يحجل في قيوده فارًا إلى المسلمين من تعذيب قريش، يستغيث بهم، فقال سهيل يا محمد لقد تعاهدنا فلا تأخذوا هذا الصابئ ويستغيث المسلم المقيد بالمسلمين أهل النخوة والنجدة ويريد المسلمون أن يغيثوا من استغاث بهم، ولكن الرسول يسلم المسلم إلى أبيه، لأن المعاهدة ملزمة ورغم صياح المستغيث ودموعه، ورغم عواطف المسلمين المهتاجة لنجدة أخيهم فإن الوفاء فوق كل عاطفة، وأكبر من أي ميل.. ورغم ذلك فإن قريشًا لم تقبل الصلح إلا مكرهة بعد ما كان من البيعة على الموت تحت الشجرة كما جاء في سورة الفتح.
وتكرر هذا الموقف حين جاء أبو بصير مسلمًا إلى الرسول بعد صلح الحديبية فيرده الرسول ﷺ من حيث جاء مع حارسين جاءا من مكة يطلبانه، وكان الموقف في هذه المرة لا يقل في صعوبته عن موقف المسلمين يوم رد الرسول أبا جندل، ولكنه الإسلام الذي يعرف الوفاء ولا يعرف الغدر، فهل وفت قريش بعهدها؟ كلا إنها غدرت وخانت ونالت جزاءها على الغدر والخيانة.
حقًا: لقد عرف للمسلمين وفاء لم يعرف لغيرهم، وعهد منهم بر لم يعهد في سواهم، وكانت لهم دقة في التنفيذ تستعصي على النظير إلا أن يكون منهم، فهذا واحد من الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك لما نجاه الله بالصدق عاهد رسول الله ﷺ على هذا الصدق فوفى بما عاهد عليه أحسن الوفاء، ولقد تعرض من أجل هذا الوفاء إلى ضروب قاسية من البلاء، فلم يعدل عما عاهد عليه الله.
وهذه مجموعة من المسلمين عاهدهم رسول الله ﷺ على عبادة الله ثم أسر إليهم معاهدة خاصة ألا يسألوا الناس شيئًا فكانوا في الوفاء بالعهد مضرب المثل.
إن الرسول ﷺ يعنى ألا يسألوا الناس شيئًا من أموالهم، ولكن هؤلاء بالغوا في الوفاء، حتى كان الواحد منهم إذا سقط سوطه وهو راكب نزل عن دابته فتناول سوطه دون أن يسأل أحدًا أن يناوله إياه.
فانظر إلى الوفاء بالبيعة ودقة تنفيذها، وليس هذا إلا نصحًا لكل طائفة بما تعتبر أحوج إليه، فالحاكم ينصح ألا يظلم، والتاجر ألا يغش والموظف ألا يرتشي.. إلخ، وإلا فكل مسلم مكلف بالدين كله، وقد ظهرت في بلاد المسلمين فرق تعطي عهودًا خاصة، لا ينبغي الاكتراث بها، فهم كأدعياء الطب الذين يصفون الأدوية المزورة فلا تزيد المرضى إلا سقامًا «خلق المسلم: للغزالي».
ثمرة التوكل
ونختم بنموذج قد يعتبر- الآن في عصرنا- غريبًا في وفائه، لأنه نموذج لم يتعوده الناس إنه النموذج الذي ذكره الإمام العربي في كتابه أحكام القرآن قال: ومن أعظم المواثيق في الذكر ألا تسأل سواه، فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار العباد سمع أن ناسًا بايعوا رسول الله ﷺ ألا يسألوا أحدًا شيئًا، فكان أحدهم إذا وقع سوطه لا يسأل أحدًا رفعه إليه، فقال أبو حمزة يا رب، إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدًا شيئًا أبدًا، فقال: فخرج حاجًا من الشام يريد مكة، فبينما هو يمشي في الطريق بالليل إذ بقى عن أصحابه لعذر، ثم اتبعهم، فبينما هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على حاشية الطريق، فلما حصل في قعره قال: أستغيث، لعل أحدًا يسمعني فيخرجني، ثم قال: إن الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله لا تكلمت بحرف لبشر، ثم لم يلبث إلا يسيرًا إذ مر بتلك البئر نفر، فلما رأوه على حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سد هذه البئر، ثم قطعوا خشبًا، ونصبوها على فم البئر وغطوها بالتراب، فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، فأراد أن يستغيث بهم، ثم قال: والله لا أخرج منها أبدًا، ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس الذي عاهدت يرى ذلك كله، فسكت وتوكل، ثم استند في قعر البئر مفكرًا في أمره، فإذا بالتراب يقع عليه والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول هات يدك قال فأعطيته يدي، فأقلني في مرة واحدة إلى فم البئر، فخرجت ولم أر أحدًا ثم سمعت هاتفًا يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل؟ وأنشد:
نهاني حيائي منك أن أكتم *** الهوى وأغنيتني بالعلم منك عن الكشف
تلطفت في أمري فأبديت شاهدي *** إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراميت لي بالعلم حتى كأنما *** تخبرني بالغيب أنك في كفي
أراني وبي هيبتي لك وحشة *** فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محبًا أنت في الحب حتفه *** وذا عجب كون الحياة من الحتف
فهذا الرجل عاهد الله، فوجد الوفاء على التمام والكمال فيه فاقتدوا تهتدوا «أحكام القرآن: لابن العربي جـ ۳ ص ۱۱۱۲.۱۱۱۱».
وفاء المصلحة.. وفاء منقوص
وهكذا يكون الوفاء، فالوفاء المبني على تحقيق مصلحة، إنما هو وفاء منقوص إذ لولا المصلحة ما تحقق، ووفاء المسلمين في جميع الحوادث الفردية والجماعية التي اطلعنا عليها إنما كان مبناه ومحتواه التضحية الكاملة من أجل أن يتحقق، فهل عرفت دولة غير إسلامية في الشرق أو في الغرب وفاء التضحيات؟ كلا بل إن دورها اقتصر على وفاء المصالح والمنافع لا المبادئ والمغارم، فلماذا تحمل المسلمون كل هذه التضحيات في سبيل الوفاء؟ لأن الوفاء جزء من الدين، والغدر والخيانة حرمهما الدين، فمن تمسك بدينه ضحى في سبيله، ومن لم يتمسك فسوف يلقى جزاءه عند الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (سورة الأنفال:٥٨)، ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ ﴾ (سورة الفتح:١٠)، لقد ارتبطنقض العهد بالفسوق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وبالفساد في الأرض، مما يدل على أن الذين ينقضون العهد تتمزق مجتمعاتهم وتتقطع أواصرهم، وينتشر بينهم الفساد، ويشيع فيهم العصيان قال سبحانه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ٢٧/٢٦)، وقال سبحانه:﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: ۲۵) إن أي تضحية مهما غلا قدرها في سبيل الوفاء بالعهد هي أهون وأقل من أن يوصم المسلمون بالخسران وأن تحل عليهم اللعنة، وأن ينالوا سوء الدار أو سواء المصير، ومن ثم التزام المسلمون بالوفاء بالعهود، امتثالًا للأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (سورة المائدة :١) ضحوا في سبيل الوفاء أم لم يضحوا، نالوا من الغنم أو وقع عليهم الغرم، فالهدف الأساسي هو الوفاء طاعة لله أولًا ثم هروبًا من الخيانة والغدر ثانيًا، ثم إحلالًا للثقة بين المسلمين بعضهم بعضًا أو بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب أو من الأمم الأخرى، في أقوالهم وأفعالهم، حتى تظل للقيم رفعتها، وللمبادئ والمثل سموها ونضارتها..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل