العنوان مكتبة المجتمع .. عبقرية خالد: لعباس محمود العقاد
الكاتب عبدالرحمن إبراهيم محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1972
مشاهدات 66
نشر في العدد 95
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 11-أبريل-1972
مكتبة المجتمع
عبد الرحمن ابراهيم
عبقرية خالد: لعباس محمود العقاد
الحلقة (٤)
إسلامه:
أخيرًا يسلم الفارس زمام أمره للمعلم الأكبر؛ ليضع منه قمة إسلامية شامخة، وتفتح أبواب التاريخ ليدخل المقاتل الجسور، ويستقر علمًا ندر أن يدانيه أحد، ويغمد السيف المرفوع ضد الحق وآن له أن يغمد، فقد أعلن فتى مخزوم إسلامه، ورفع سيفًا لله مسلولًا، فكان إسلامه نوعًا من التسليم العسكري الذي بنى على خبرة المقاتل بحركة القتال وسير المعركة ومعرفته بمواضع الإقدام والإحجام.
فها هو ذا قد استيقن أن الغالب هو الله، وأن القتال في الجانب الآخر إنما هو ضرب من المعاندة والتخطيط الخاسر، فكان إسلامه أيضًا نوعًا من التسليم النفسي الذي يورثه الندم على التمادي في حرب لا تنتهي إلا بهزيمة تجرده من بطولته، فتبتلعه أحداث التاريخ الكبرى الممثلة آنذاك في الدعوة الكبرى التي راحت تجتاح الباطل، وتزيله عن طريق الإنسانية، ولم یكن تسليمه تسليم العاجز او الجازع المنخذل، ومن هنا كان إلحاحه على الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الدعاء له بالمغفرة.
لقد كان الصراع بين الجاهلية والإسلام صراعًا لبني مخزوم قبل كل جاهلي وكل قريشي وكل عربي على التعميم، لقد كان على بني مخزوم أن يحاربوا حربهم إلى نهايتها، وكان على معسكرهم أن يصمد؛ لأن موقفه أمام الإسلام موقف من ينافح عن عزته وعزة بيته وعزة بيت آبائه وأجداده، فلا عجب أن يضحى الوليد في سبيل القضاء على الدعوة المتوثبة بأغلى ما يحرص عليه إقناعه من الولد والمال، فنراه يتنازل عن ابنه عمارة أعز الفتيان وأشعرهم وأجملهم في قريش ليأخذ محمدا من عمه.
ثم نراه يحاول مرة أخرى، فيلقي من حلبة الصراع بما له على سبيل الإغراء حين أحس بنار الدعوة تلتهم كل جاهلي، هكذا نفر خالد من الدعوة الجديدة كما نفر قومه أجمعون، وخلع على موقفه هذا من حمية صباه وتحفزه الفتي، فكان أسبق من أبيه فنجده يتجرد لها بعزيمة الفتوة وشجاعة البطولة ما أن بلغ مبلغ الزعامة في القتال، ولم تنقض سنتان على موت أبيه حتى كان قائد الميمنة في وقعة أحد المشهورة، ونجده مدفوعًا من عداوته للإسلام بظروف البيئة التي نشأ فيها ومواقفه من المسلمين قبل الإسلام تشهد على صلابته، ويبدو ذلك جليًا في تولية مهمة القضاء على النبي في غزوة الخندق.
فنراه في هذه الغزوة يطوف بخيله حول الخندق، يلتمس مضيقًا يقحم منه الخيل، فأعياه، ثم يرتد يطلب العزة، وكاد يظفر بها لولا حرس من المسلمين بقيادة أسيد بن حضير تنبه له وفوت عليه غرضه، ويحاول الإغارة على النبي وهو يصلي بأصحابه في الحديبية لولا بقية من نخوة الفروسية أبت له العدوان على المسالم، وقمعت فيه طمع الرئيس المغيظ، فعلت كفة الفارس النبيل على كفة الرئيس الموتور، وفي ذلك يقول خالد بعد إسلامه: «هممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا وكان فيه خير، فاطلع على ما في أنفسنا من الهجوم عليه فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك مني موقعًا، وقلت: الرجل ممنوع»، وهذه علامة على الطريق كبيرة نسجلها للرجل للدلالة على صعوده درب الحق بخطى وئيدة فيها العمق والتبصر، إلا أنه بقي على عدائه عندما صالح النبي قريشًا، ودخل مكة في عمرة القضاء، فقد كره خالد أن يشهر دخول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتغيب من جوار البيت ريثما يعتمر المسلمون ويرجعون من حيث أتوا كذلك كانت كراهية خالد للإسلام بعد كراهية أبيه.
على أننا يجب أن نثبت أن هناك فرقًا بين كراهية خالد للإسلام وكراهية أبيه الوليد بن المغيرة له، وذلك من حيث الدوافع التي أدت لاختلافها إلى نتيجتين مختلفتين.
لقد كانت كراهية الوليد بن المغيرة للإسلام نابعة من حقد ضار ونار متقدة من نفسه، وذلك لانعدام نوازع الخير، وخواء نفسه، وصلفه الموروث بحكم المكانة فوق أكداس الذهب وأعناق العبيد، ثم هي العصبية التي مكنت عليه زمام أمره، فقفلت عقله، وألقت على بصره غشاوة أعمته، فرأيناه لا ينطق أو يتصرف إلا بواقع منها.
بينما كراهية خالد للإسلام نابعة من طبيعة الفارس التي تدفعه إلى المبارزة والمحاولة دون التفكير فيمن يبارز؛ للوصول بهذه المحاولة إلى نهاية بريدها في صالحه، ولذلك كانت النتيجة في الحالتين مختلفة.
لقد مضى الوليد في طريقه أعمى أحم يُغذيه حقد مخزون في طبيعة فاسدة حتى انتهى به الأمر إلى الموت مشركًا، بينما راح الفارس يصاول ويبارز بحكمة وفق مبادئ للفروسية نبيلة حتى انتهى به الأمر إلى الإسلام.
ولنا سؤال ملح في هذا المجال، هل كان إسلامه وثبة غير منتظرة؟
والإجابة تفرضها الأحداث في يسر وسهولة.
لقد كان إسلام خالد أمرًا مرتقبًا سبق بأحداث وملابسات جذبت عقله وقلبه إلى هذا الدين، فلقد انقسم بيت المغيرة بين معسكر الجاهلية ومعسكر الإسلام، وأصبح في معسكر الإسلام إخوان حبيبان إلى خالد، وهما: الوليد، وهشام.
ثم إحساسه بموقف والده يوم أصغى إلى القرآن، فحدث آل بيته عنه، ذلك الحديث الذي أراعهم وأشجاهم، فيحسبوه قد صبأ عن دينه لولا بقية من كبرياء جعلته يتطاول فيصف القرآن بأنه سحر، وبدت لمسة من رهبة عليه يوم شهد السكينة في طريق الحديبية، فقد شهد المسلمين وهم قائمون للصلاة، وهجس في خاطره أن يغير عليهم فصدته عنهم رهبة الصلاة، وسرى في روعه أن لمحمد سرًا إن الرجل لممنوع، ثم تأتي فترة تأمل بعيدًا عن ميدان القتال حين وضع السلاح بعد صلح الحديبية سنين طوالًا، لا لقاء فيها ولا نزال، ولا سورة من غضب ولا جذوة من غيظ، فتأتي مرحلة البحث والاستفهام، موت الشيوخ الذين كانوا يخيمون بوقارهم وجمودهم على العقول، وتهيأ الجو تمامًا للسؤال فيم هذا العداء؟ ومن أين لمحمد هذا النصر المبين بعد النصر المبين؟ ومن أين له تلك المهابة؟ وذلك العون الذي يدركه وقد أحاطت به الهزيمة من كل فخ فإذا هو الظافر؟ ومن أين للمسلمين ذلك الأدب وذلك الخشوع؟
يقول عروه بن مسعود لقومه: «والله يا معشر قريش جئت کسری في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكًا في قومه مثل محمد بین أصحابه، ولقد رأينا قومًا لا يسلمونه بشيء أبدًا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم فإنی ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه»، فإذا بالرجلين المفطورين على توجيه الوجوه قد انتهيا إلى رأي في مصير المعركة بين الجاهلية والاسلام في ساعة واحدة، وعلما أين يقف الدينان المتناجزان من حق النصر وعوارض الهزيمة، وهما عبقريا قريش في أصول القيادة على تباين السن والمذهب والمزاج خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ثم كان للدعوة التي جاءت ابن الوليد في أمانها والتي جذبته من نفسه لتنصره على عناده تلك الرسالة التي بعث بها أخوه الوليد يقول: «سألني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أین خالد؟
فقلت يأتي به الله فقال: ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له، ولقد مناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما فاتك منه، فقد فاتتك مواطن صالحه.
وكان إسلام خالد هو الجواب، وكانت تلك مراحل طبيعية لابد من عبورها بين الجاهلية والإسلام، انتقال من الإصرار إلى القتال إلى الموادعة إلى الموازنة إلى الترجيح إلى الإجابة، ولو عجل بواحدة من هذه الخطوات لكانت هذه العجلة هي مكان العجب، وهي الأمر المخالف لطبائع الأمور.
وأخيرًا وبعد هذه الرحلة الشاقة المليئة بكل ضروب التقلب يقف خالد أمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليقول: «إني اشهد أن لا إله الا الله وأنك رسول الله»، فيقول الرسول: «الحمد لله الذي هداك وقد كنت أرى لك عقًلا ورجوت ألا يسلمك إلا لخير»، ويتقدم عمرو بن العاص ثم عثمان بن أبي طلحة، فيبايعا رسول الله، وكان قدومهم جميعًا في شهر صفر من سنة ثمان، وصدقت فراسة الرسول الأعظم في معرفة معادن الرجال، فيقول لصحبته: «رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، وحق للمسلمين أن يحسبوا منذ تلك الساعة أن أولئك الرفاق الأفذاذ قد جاءوا هم بمقاليد الكعبة ومسالك البلد الأمين مكة بعد أن انهارت مقاومة مغاليقها، وليست كما يدعي البعض أنها فتحت عنوة وعلى غير استعداد من أهلها».
هكذا إن للسيف الذي أسهم في تمزيق أجساد المسلمين وعب من دمائهم أن يكفر عن خطيئته بتمزيق أجساد المشركين، وغسل صفحته بالجهاد في سبيل الله وآية الجهاد، أدرك الرسول آثاره قبل الأوان.
ولعل ما حدث في يوم الفتح ما يشير إلى ما يجيش في خاطرنا من الإسراع في التطهر والدخول في طاعة الله من باب واسع، فقد رصد الباب الذي دخل منه خالد إلى مكة وأشهر المشركون السلاح عليه فبطش بهم، فقال النبي حين سمع بضربته: «ألم أنه عن القتال؟ قالوا: إنه خالد، قوتل فقاتل «قضاء الله خير»».
خالد دون غيره تصادفه جنود رفقائه بالأمس من جيش المشركين فيرمونه ويرميهم، وقد كانوا معًا يرمون المسلمين بقوس واحد.
لقد حارب ابن الوليد في صفوف الإسلام في مواقع عدة، فما بال الجاهلية القرشية وحدها ينصرها على المسلمين ولا ينصر المسلمين عليها؟
تأمل هذا ثم فكر معنا أهو تدبير أم مصادفة أحكم من التدبير؟