; حوار: الخبير الأمريكي في شؤون العالم العربي البروفيسور هدسون لـ المجتمع: أمريكا والدول الغربية لا ترحب بقيام أنظمة ديموقراطية في العالم العربي. | مجلة المجتمع

العنوان حوار: الخبير الأمريكي في شؤون العالم العربي البروفيسور هدسون لـ المجتمع: أمريكا والدول الغربية لا ترحب بقيام أنظمة ديموقراطية في العالم العربي.

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996

مشاهدات 83

نشر في العدد 1196

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 16-أبريل-1996

• السنوات الخمس الماضية شهدت قدرًا كبيرًا من النكسات في مجال الحرية وممارسة الديموقراطية في العالم العربي.

• الثقافة العربية والإسلامية لا تعادي الديموقراطية.. والديموقراطية سوف تشق طريقها في العالم العربي رغم كل النكسات.

• هناك نواحي إيجابية كثيرة في الحركات الإسلامية بعدما أثبتت قدرتها على التعايش مع الآخرين والقبول بالتعددية السياسية.

• الحوار بين المسؤولين والمثقفين المسلمين والغربيين سوف يحل كثيرًا من المشكلات وسوء الفهم القائم.

* الثقافة العربية والإسلامية لا تعادي الديموقراطية والديموقراطية سوف تشق طريقها في العالم العربي رغم كل النكسات.

* هناك نواحي إيجابية كثيرة في الحركات الإسلامية بعدما أثبتت قدرتها على التعايش مع الآخرين والقبول بالتعددية السياسية.

* الحوار بين المسؤولين والمثقفين المسلمين والغربيين سوف يحل كثيرًا من المشكلات وسوء الفهم القائم.

بدأ التحول الديموقراطي في العالم العربي يأخذ أبعادًا جديدة في أوائل السبعينيات، وكان هناك عوامل ومعطيات كثيرة دفعت إلى ذلك، منها معطيات داخلية وأخرى خارجية، وقد دفع هذا الأمر كثيرًا من المراقبين والمحللين الغربيين أن يوجهوا أنظارهم إلى المنطقة العربية، ويقوموا بدراسة ظاهرة التحول الديموقراطي في العالم العربي من قرب، فمنهم من أخذه الشطط في التفسير، والجنوح في التعبير، ومنهم من حاول أن يكون موضوعيًّا ومنصفًا وراصدًا للأحداث من قرب ومعرفة بالواقع، وكان البروفيسور مايكل هدسون- أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون في واشنطن- كما وصفه المطلعون واحدًا من هؤلاء المنصفين، فهو أحد الخبراء الأمريكيين المتابعين لقضايا التحول الديموقراطي في العالم العربي، ويعتمد في ذلك على زيارات ميدانية شبه دائمة، يطالع من خلالها الواقع العربي، ويلتقي المسؤولين والمهتمين، ويقوم بحضور كثير من العمليات الانتخابية التي تتم في المنطقة، مما جعله أحد الخبراء الأمريكيين البارزين في شؤون المنطقة من خلال رؤيته الموضوعية ومعالجته المنصفة للأحداث، وجعل له حضورًا بارزًا في وسائل الإعلام الأمريكية، والمؤتمرات، والمنتديات الدولية المعنية بالمنطقة، وقد بلغ عدد الكتب التي كتبها البروفيسور هدسون عن المنطقة العربية وحدها اثني عشر كتابًا، أبرزها كتاب «الشرعية السياسية في الوطن العربي»، كما نشرت له مئات المقالات في الدوريات والمجلات والصحافة العالمية، يتعلق معظمها بالعالم العربي، أو علاقة الدول العربية بأمريكا والدول الغربية، وللبروفيسور هدسون اهتمام خاص بالقضية الفلسطينية، يبرز توجهه العام في إنصاف القضايا العربية، لهذا سعينا للحوار معه، واستطلاع رأيه في كثير من القضايا التي تهم القارئ العربي والمسلم من خلال المنظور الغربي، وكان هذا الحوار الذي أجريناه معه في مكتبه في جامعة جورج تاون في العاصمة الأمريكية واشنطن.

• بصفتكم أحد المراقبين الدوليين المهتمين بالشؤون العربية، ومتابعة قضايا الديموقراطية في المنطقة العربية والإسلامية، ما هو تقييمكم لمحاور التحول الديموقراطي القائمة الآن في العالم العربي؟

- أولًا أعتقد بأننا نشهد بدايات لحركة تتجه نحو الانفتاح الديموقراطي والتحرر السياسي في كثير من بلدان العالم العربي، وأعتقد ان هذه الحركة التي انطلقت في مطلع السبعينيات مستمرة وإن كانت بطيئة.

فإذا رجعنا إلى الستينيات وما قبلها نجد أننا معشر المراقبين السياسيين لم نكن نعير أي اهتمام لقضية الانتخابات أو حرية التعبير في العالم العربي، كونها كانت ممارسات ضيقة إلى أبعد الحدود، إلا أني اعتقد أن الأمر قد تغير في بداية السبعينيات، حيث شهدنا بداية الانفتاح في مصر، ثم شهدنا في بداية الثمانينات انفتاحًا بصور مختلفة في البلدان العربية الأخرى؛ حيث نشهد الآن في كثير من البلدان العربية مزيدًا من الحرية النسبية والمشاركة السياسية، التي ربما لم تعرفها خلال الفترة الماضية، لكني أستدرك وأقول: إن النقطة الأساسية في هذا المحور هي.. هل تنطوي هذه المتغيرات على أهمية؟ أم انها مجرد ظاهرة من ظواهر الفساد أو الديموقراطية الشكلية؟

أنا اعتقد أن الأمر يختلف من بلد لآخر، وكما ذكرت في مقال كتبته مؤخرًا وسوف ينشر في وقت قريب، أن علينا الاعتراف بأننا شاهدنا طوال السنوات الخمس الماضية قدرًا كبيرًا من النكسات في مجال الحرية وممارسة الديموقراطية يفوق كثيرًا القدر الذي تم إحرازه من ناحية التحرر السياسي، فحينما كتبت مقالًا في عام 1991م حول العملية الديموقراطية في مصر، والجزائر، واليمن، والأردن، كنت أشعر وقتها بتفاؤل كبير، لكن الأمور الآن انقلبت رأسًا على عقب في معظم هذه البلدان، فالانفتاح السياسي الذي ظهر في أعقاب تولي الرئيس مبارك السلطة لم يدم طويلًا، وسرعان ما انقلب الوضع، وبدأ النظام يفرض قيودًا على النشاطات السياسية، كما جاءت الانتخابات الأخيرة في مصر بخيبة أمل كبيرة في نظر كثير من المراقبين، لما صاحبها من عمليات قمع ضد أعضاء جماعة الإخوان المسلمون ومرشحين آخرين.

وباختصار فإن الاتجاه نحو الانفتاح الديموقراطي في العالم العربي يواجه نكسات، لكني اعتقد أنه من الضرورة عدم التركيز على هذه النكسات؛ لأنه لا يوجد في الثقافة العربية والإسلامية ما يشكل عائقًا أمام الديموقراطية، أو يكون أية معاداة لها، وأنا هنا أختلف مع كثير من الخبراء والسياسيين في أوربا وأمريكا الذين يعتقدون غير ذلك، ومن خلال تأكيدي على أن الثقافة العربية والإسلامية لا تعادي الديموقراطية، فإني أرى أن الديموقراطية سوف تشق طريقها في المنطقة رغم كل العقبات التي تواجهها الآن، فالتغيير المتواصل في الظروف السياسية والاقتصادية في العالم ساعد كثيرًا على زيادة الوعي لدى الشعوب، وقد بدأت الشعوب بالفعل تضغط على الأنظمة الديكتاتورية حتى تفسح المجال للانفتاح الديموقراطي، وقد رأينا فشل التجربة الشيوعية ونظامها الديكتاتوري، وكيف أن الشعوب التي عاشت طويلًا تحت ذلك النظام أصبحت الآن تتعلق وتطالب بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان والحقوق السياسية.

إن سؤالك صغير لكنه بحاجة إلى إجابة كبيرة، وآمل أن تكون إجابتي وافية.

• ما هو الدور الذي تلعبه التنمية الاقتصادية على وجه الخصوص في عملية التحول الديموقراطي؟

- هناك نظرية قائمة في عالم اليوم مفادها أنه يمكن تحسين مستوى المعيشة على نحو أفضل بطريقة أخرى غير الطريقة السوفييتية في الاقتصاد الموجه، حيث تقوم الدولة بالدور المهيمن في جميع النواحي الاقتصادية، وتتمثل هذه النظرية في تنمية السوق الحر، ودعم النشاطات التي يقوم بها رجال الأعمال والمقاولون والمصرفيون في القطاع الخاص، والذين يمثلون في الأساس نموذجًا للرأسمالية الحرة، ويستطيعون تقديم خدمة أفضل لرفع مستوي المعيشة.

وإذا سلمنا بوجود اقتصاد حر؛ فإن من الضروري أن يواكبه قدر من حرية العمل، ولا يمكن تحقيقها في ظل هيمنة الدولة على كل شيء؛ لأن من الأهمية بمكان إعطاء مزيد من الحرية الاقتصادية لرجال الأعمال والمقاولين، والسماح لمزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، ولكن الأهم من ذلك هو ضرورة فك القيود على رجال الأعمال والمقاولين ليمارسوا أعمالهم بحرية.

إن العلاقة بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية غير واضحة المعالم، ولكن ثمة من يعتقد بأن الانفتاح الاقتصادي يؤدي حتمًا إلى الانفتاح السياسي، وأنه في حالة الانفتاح الاقتصادي فإن مراكز القوى الاقتصادية تنمي أيضًا اهتماماتها السياسية، مما يدفع الدول إلى الإحساس بضرورة الاستسلام والتخلي عن هيمنتها لصالح المجتمع، ولذلك فإن جماعات المصالح الاقتصادية يسعون لتحقيق مزيد من الحريات السياسية، وفي ظل الانفتاح الاقتصادي وفق النظرية السابقة؛ فإن مختلف الجماعات التي تجمعها مصالح مشتركة- سواء كانت جماعات اقتصادية أو تجارية أو رجال أعمال- يتضامنون من أجل تحقيق ما يسميه بعض العلماء بالمجتمع المدني، أو المجتمع الأهلي، وهو المجتمع الذي يكون أكثر استقلالية من سيطرة الدولة، ولكن هذا يبقى مجرد نظرية، وهناك كثيرون لا يؤمنون بهذه النظرية، ففي منطقة الشرق الأوسط، ولنقل سورية على سبيل المثال، فإذا سلمنا بأن سورية تحث الخطى نحو تحرير اقتصادها، فإنها لم تتخذ خطوات هامة نحو تحرير نظامها السياسي، بل إنها تتخذ خطوات قليلة جدًا في هذا الجانب، ولكن هذه العلاقة ليست تلقائية أو مباشرة، بل إن هناك بعض المحللين ينكرون وجود أية علاقة بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية؛ لأن من الممكن السماح بالحرية الاقتصادية مع عدم السماح بالحرية السياسية، فإذا نظرنا إلى بلد مثل مصر، نجد أنه لم تتضح بعد الرؤية حول ما يجري فيها حاليًا، حيث إن هناك محاولات، ولكن تشوبها بعض الإخفاقات في أن تحرر اقتصادها، ولكن من غير الواضح أنها تعمل شيئًا من أجل تحرير نظامها السياسي، أما في المغرب، فقد تم تحقيق نجاحات اقتصادية رأسمالية، وإلى حد بعض الحريات السياسية.

• ما هي في تصوركم أهم العوائق التي تحول دون التحول الديمقراطي الشامل في العالم العربي؟

- من الناحية النظرية هناك عدة عقبات تقف أمام التحول الديمقراطي في العالم العربي، إحداها هي أن معظم البلدان العربية لم تعرف التجربة الديمقراطية إلا في نهاية هذا القرن، أو على الأقل في نهاية الربع الأخير منه، ورغم أن بعض البلدان العربية قد شهدت بعض الانفتاح الديمقراطي في الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن على سبيل المثال، فقد كانت هناك تجربة ليبرالية محدودة من العشرينيات إلى الأربعينيات، حيث كانت هناك ثورات وطنية وكفاح من أجل نيل الاستقلال من نير الاستعمار المباشر أو غير المباشر، ولكن النموذج الذي قام فيها بعد ذلك كان غير ديمقراطي، وهو نظام الحزب الواحد الذي يسيطر عليه العسكر والقوميون، أو حكم النظام التقليدي، وإن هذين النظامين لم يتيحا الفرصة للشعوب حتى تعيش التجربة الديمقراطية، ولذلك فإن مشكلة عدم خوض الشعوب العربية بصفة عامة للتجربة الديمقراطية يمثل إحدى العقبات في هذا الصدد.

  • وهناك عقبة أخرى تتمثل في طبيعة وطريقة تطور الدول العربية نفسها، وأعتقد أن جزءًا من المشكلة يرجع إلى كون جهاز الدولة وبيروقراطيتها وبنيتها قد أصبحت كبيرة الحجم، وفي كثير من البلدان العربية أصبحت المؤسسات العسكرية والأمنية كبيرة الحجم، والحقيقة أن هذه المؤسسات والهيئات الكبيرة الحجم- سواء البيروقراطية أو الأمنية- لا تساهم في دعم المسيرة الديمقراطية، بل إنها غير ديمقراطية، ولا تعرف عن الديمقراطية شيئًا سوى اسمها، وتعتقد أن واجبها هو مراقبة الناس والشك في نواياهم وآرائهم، وهذه هي المشكلة في هذه المؤسسات الكبيرة في الدولة، ولكن هناك نواحٍ أخرى أبلت فيها بلاًء حسنًا سواء من ناحية توفر الرعاية الاجتماعية، أو التعليم، أو الأمن والأشغال العامة، بل هناك نواح إيجابية عديدة تعتبر من إنجازات الدولة، ولكن إذا كان الأمر يتعلق بالمشاركة السياسية فإنها غير مستعدة لتقديم أية مساعدة أو تنازلات.
  • وهناك مشكلة أخرى تكمن في زعماء الدولة نفسها، حيث إن الزعماء العسكريين- على وجه الخصوص- قبعوا في السلطة لمدة طويلة، ولذلك فإنهم لا يبدون أي تعاطف مع الليبرالية الديمقراطية، ولا يرون أن هناك حاجة إليها، كما أن معظم هؤلاء الزعماء ظلوا في الحكم لمدة تزيد عن عشرين سنة، وهذه المدة طويلة جدًا إذا ما قورنت بفترات الولاية في البلدان الأوروبية وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، حيث يتم تغيير الرئيس كل أربع أو ثماني سنوات، وليس كل20 أو 25سنة.
  • وهناك أيضًا أسباب أخرى من بينها الأسباب الاجتماعية؛ حيث يوجد في العديد من الدول العربية شعوب فقيرة، ولديهم تعليم متدن، رغم محاولات تحسين مستواهم في هذا المجال طوال السنوات الأربعين الماضية، غير أن مشكلة الأمية المتفشية بين الذكور والإناث تلعب دورًا في ضعف تطور العالم العربي ونموه، وهناك مشكلة أخرى تكمن في تدخلات الدولة الأجنبية في السياسات الداخلية للدول العربية والإسلامية، وعلى سبيل المثال كان العالم يعيش إبان الحرب الباردة بين الدولتين العظميين تنافسًا كبيرًا فيما بينهما في كل أنحاء العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط ولأسباب مختلفة، كان كل طرف من طرفي التنافس يساند الأنظمة الصديقة له، بغض النظر عن كونها ديمقراطية أم لا، وقد كان الاتحاد السوفييتي يساند عددًا كبيرًا من الأنظمة القومية، ولأنه لم يكن ديمقراطيًا في حد ذاته، فلم يكن له أية مصلحة في تشجيع نظام تعدد الأحزاب في الدول الموالية له، أما الولايات المتحدة فقد كانت وما انفكت تساند أنظمة غير ديمقراطية، ولو أن سياستها العلنية تتمثل في الدعوة إلى نشر الديمقراطية، فقد عملت في بعض الحالات نحو هذا الاتجاه كما هو الحال في فلسطين، وفي حالات أخرى لم يتضح موقفها بعد كما حدث في الجزائر، حيث كان موقفها غير واضح عندما استولى النظام العسكري على السلطة، وعمل على وقف العملية الديمقراطية.

وبالنسبة لمصر فإن الموقف مشابه لموقفنا في الجزائر، حيث انقسم الساسة الأمريكيون ما بين مندد ومهادن، حيث إن النظام في مصر حليف هام للولايات المتحددة، وعندما قامت الحكومة المصرية بفرض قيود على الحريات السياسية، وقمع التجمعات السياسية، انتقدت شريحة كبيرة من الرأي العام الأمريكي تصرفات الحكومة المصرية، في حين أن البعض الآخر كان يرى بأنه طالما أن الحكومة المصرية ترى بأن هذا الأسلوب يضمن لها البقاء في السلطة، فلا داعي أن نتدخل في شؤونها.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة تدعم أنظمة غير ديمقراطية، أو أنها على الأقل لا تشجع بعض الأنظمة حتى تتحول إلى الديمقراطية، وعلى كل حال فإن القوى الأجنبية لها بعض النفوذ، ومهما قيل عنها فإنها تشجع في الغالب الأنظمة غير الديمقراطية لكى تتحول إلى الديمقراطية، بل إنها تخشى دائمًا من أن يسبب قيام الديمقراطية في بعض البلدان العربية إلى نشوء قوى معادية لهذه القوى الأجنبية، سواء كانت أمريكا أو البلدان أو الغربية بصفة عامة، وهناك في العالم الغربي كما في أمريكا أيضًا من يرى بأن الإسلام السياسي أو الأصولية الإسلامية تمثل عقبة أمام الديمقراطية، وهناك نقاش دائر سواء هنا في أمريكا أو في مصر والبلدان الأخرى بين المحللين من ذوي الاتجاهات العلمانية والدينية؛ حيث يتم التساؤل عما إذا كانت الحركات الإسلامية تعادي الديمقراطية، أم أنها تتمشى مع الديمقراطية؟

وبما أنك التقيت مع البروفيسور جون أسبوزيتو، فمن المؤكد أنه أخبرك عن الحوار الذي دار بينه وبين أشخاص مثل: دانيال بايبس، الذي يرى بأن الإسلام لا يمثل خطرًا كبيرًا على  الديمقراطية فحسب، بل على المصالح الأمريكية أيضًا، وأنا لست بصدد التطرق لتفاصيل هذا الكلام، ولكن هناك بعض المحللين يرون بأن الأيديولوجيات التي تتبناها بعض الحركات الإسلامية لا تشجع الديمقراطية، بل ويؤكدونها بكل صراحة قائلين بأن الديمقراطية تمثل النظام الغربي، ودخيلة علينا وغير صالحة لمجتمعاتنا، ونطالب بإقامة نظام سياسي قائم على أسس وتعاليم الشريعة الإسلامية، حيث تكون السلطة العليا بيد الضالعين في العلوم الإسلامية، وهناك أيضًا نقاش دائر حول نظام الشورى الذي أكده القرآن والسنة، ويثبت أيضًا مبدأ المشاركة.

ولكني أعرف العلماء الاجتماعيين العرب الذين لا يخفون مخاوفهم إزاء بعض الحركات الإسلامية التي تشكل خطرًا في ممارستها وتصوراتها على حقوق الإنسان والممارسات الديمقراطية؛ حتى إن بعض المثقفين الذين ينتمون إلى التيار الليبرالي في مصر قد وقفوا إلى جانب الحكومة ضد الإسلاميين، وذلك ليس حبًا في الحكومة، بل يعتقدون بأن حكم الإسلاميين قد يكون أسوأ من الحكومة، وهذه هي المشكلة. 

• ما مدى التأثير الأمريكي على عملية التحول الديموقراطي بصفة خاصة في العالم العربي خلال فترة ما بعد الحرب الباردة بعدما أصبحت لأمريكا اليد الطولى في النظام العالمي الجديد؟

- كما أسلفت لك، فإن أمن أمريكا ومصالحها الاقتصادية هي في صدارة اهتمامات المسؤولين في واشنطن، بل إنها أهم في نظرهم بكثير من نشر الديموقراطية أو الاهتمام بوجودها، ولذلك فإذا كان هناك أي تعارض بين أمن أمريكا ومصالحها الاقتصادية من جانب، وبين نتائج تشجيعها للديموقراطية من جانب آخر؛ فإن الحكومة تقف دائمًا إلى جوار مصالحها الأمنية ضد تشجيع الديموقراطية.

ولكني أعود لأكرر ما قلته لك في السابق من أن العالم يشهد بصفة عامة تحولات جذرية، وكذلك فإن المنطقة العربية تشهد أيضًا تحولات كبيرة، فهناك ضغوطات خارجية- وإن كانت غير جادة- تمارس على بلدان هذه المنطقة لكي تتبنى النهج الديموقراطي، كما أن هناك ضغوطات تمارسها الشعوب من الداخل من أجل تحقيق مزيد من المشاركة السياسية، وأعتقد أن من مصالح هذه البلدان السماح بمزيد من الانفتاح السياسي والتعددية السياسية أيضًا.

• أرجو أن تسمح لي بالانتقال إلى محور آخر، وهو مشاركة الحركات الإسلامية في التجربة البرلمانية أو الديموقراطية في العالم العربي، فالحركات الإسلامية شاركت في الانتخابات البرلمانية في مصر، والجزائر، والكويت، والأردن، واليمن، ولبنان، فما تقييمك لتجربة مشاركة الحركات الإسلامية في العملية الديموقراطية في العالم العربي؟

- كان من الواجب أن أطرح أنا عليك هذا السؤال، لأنك تعرف الحركات الإسلامية اكثر مني، ولكن المشكلة التي يعاني منها المحللون الغربيون- وأنا واحد منهم- هي أننا حينما نستمع إلى أشخاص مثل المفكر الجزائري علي بلحاج، الذي ذكر في يوم من الأيام بأن «الديموقراطية نظام دخيل ومعاد للإسلام»، نجد أننا أمام مفارقة، فهناك فرق أساسي من الناحية الفلسفية والثقافية بين ما أوهم به نفسه أنه الديموقراطية الغربية، وبين ما يعتقد أنه هو المجتمع الصالح، حيث يسود نظام سياسي وأخلاقي تحكمه المبادئ الإسلامية، ولذلك يبدو لي أنه من الناحية الفلسفية والثقافية علينا أن نعترف بوجود اختلاف في وجهات النظر، وبالتالي ربما يمكن ردم الهوة القائمة من الناحية الفلسفية.

وهذه هي نقطة البداية، ومن ثم علينا أن نتساءل: ماذا يقصد في الحقيقة بـ «الحركات الإسلامية»؟ وهل هي تمثل حركة واحدة منسقة ومنظمة يوجهها مصدر واحد يؤثر في السلوكيات السياسية السائدة من أفغانستان إلى المغرب؟ للأسف هناك في أمريكا وأوروبا من يعتقد بوجود هذا الشيء، وأنه يمثل خطرًا داهمًا لكونه منظمًا، وهؤلاء يتحدثون عن وجود تنظيم إسلامي دولي مثلما كانوا يتحدثون في السابق عن التنظيم الشيوعي الدولي.

وأنا شخصيا أشك في وجود تنظيم من هذا القبيل، ولكن النظرية التي يطرحها بعض الكتاب المحافظين، وبالذات بعض المحللين الإسرائيليين مثل مارتن كرايمر، مفادها أن هناك تنظيمًا إسلاميًّا دوليًّا يتلقى الأوامر من أماكن مختلفة، ربما من طهران، أو «آخن» في ألمانيا، وأن هذا التنظيم معاد للغرب والديموقراطية أيضًا، وإذا نظرنا للأمور على نحو أكثر براغماتية كما صغت سؤالك، فيمكن أن نبحث كل حال على حدة، لنعرف ماذا تفعل كل حركة إسلامية على حدة، فقد شاهدنا تحررًا محدودًا في بعض البلدان، ومشاركة الجماعات الإسلامية في العملية السياسية، سواء في مصر، أو الأردن، أو اليمن، أو لبنان، أو الكويت، وفي بعض الحالات تكون الأحزاب الإسلامية ضمن الأقلية، وتنجح في عملها السياسي، فهي لا تسعى حتى الآن للاستيلاء على السلطة، ولم تبد قط أية رغبة في وأد الديموقراطية.

وعلى سبيل المثال فهناك «حزب الله» وهي حركة في لبنان، فقد صرح بعض زعمائها إبان الحرب الأهلية بأنهم يودون إقامة جمهورية إسلامية في لبنان، وقد لا تكون ديموقراطية على النحو الذي ينظر به معظم الناس إلى الديموقراطية، ولكنهم لم يلبثوا أن غيروا آراءهم، فقد وافقوا فيما بعد على ترشيح بعض أعضائهم في الانتخابات البرلمانية للمشاركة في اللعبة السياسية، ولذلك فأنا أعتقد أنه ينبغي النظر إلى الحركات الإسلامية كما هي، وفحص كل حالة على حدة، وأن هناك نواحي إيجابية كثيرة في الأحزاب من وجهة النظر الليبرالية، حيث أثبتت أنها تستطيع التعايش مع كيانات أكبر منها، وتتقبل التعددية السياسية حتى الآن، بل إنها أخذت تنتهج نهج الأحزاب المسيحية الديموقراطية في أوروبا، حيث تشارك في العملية السياسية، سواء في ألمانيا، أو إيطاليا، وفي بلدان أوروبية أخرى، وهذه نقطة إيجابية تسجل للأحزاب الإسلامية.

ويمكن القول بصفة عامة إن الحركات الإسلامية متنوعة، ومن بينها عناصر غير متسامحة، وتصرفاتها غير مقبولة على الأقل لدى جماعات حقوق الإنسان في الغرب، ولدى أصحاب التوجهات الليبرالية في الغرب، ولكن من ناحية أخرى هناك جماعات إسلامية أبلت بلاء حسنا في ممارساتها وأطروحاتها، ولا أرى أي مبرر في حرمانها من التعبير عن آرائها وبرامجها.

• بالنسبة للتجربة البرلمانية في تركيا على وجه خاص، لعلك تابعت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وفوز حزب الرفاه بأعلى نسبة من الأصوات، فما هو تقييمك لمشاركة حزب الرفاه بشكل خاص في التجربة البرلمانية في تركيا؟

- إن تركيا تشكل حالة هامة جدًا من وجهة النظر التحليلية، ولا أعرف كيف ستغدو الأمور في تركيا في نهاية المطاف، ولكن قبل كل شيء فإن تركيا هي أقرب إلى النظام الديموقراطي من أي بلد آخر في منطقة الشرق الأوسط- على الأقل بالمعايير الغربية- ولا أود التحدث عن حالة إسرائيل لخصوصيتها؛ لأن الديموقراطية الإسرائيلية لا تطبق إلا على اليهود الإسرائيليين، في حين أن العرب محرومون من المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

وللعودة إلى موضوع تركيا مرة ثانية، فإن الثورة التركية بزعامة أتاتورك كانت دون أدنى شك ثورة علمانية، فقد كان كمال أتاتورك يسعى إلى القضاء على التأثيرات الثقافية والدينية، ومن ثم أقدم على حظر المشاركة الإسلامية في السياسة وغيرها، ثم جاء عصمت إينونو بعد أتاتورك وسمح بتحول تركيا من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعدد الأحزاب، أو بالأحرى نظام الحزبين، ولذلك فانطلاقًا من عام 1950م إلى يومنا هذا ظلت تركيا تتمتع بنظام انتخابي جاد، وقد توقف هذا النظام عن العمل عدة مرات في السيتينيات، والسبعينيات، والثمانينيات من هذا القرن بسبب تدخل الجيش، ولذلك فإن النظام الانتخابي التركي قد أصابه الشلل أكثر من مرة في بعض الفترات من جراء وقوع الأزمات، وتدخلات العسكريين، وكان حزب السلامة- الذي أصبح فيما بعد حزب الرفاه- حزبًا صغيرًا في السبعينيات والثمانينيات، ولكن تركيا شأنها شأن بقية البلدان الإسلامية في الشرق الأوسط، شهدت صحوة إسلامية كبيرة، وإحياء للتراث الاجتماعي والثقافي، ولكن الصحوة الإسلامية في تركيا واكبها انفجار أزمات اجتماعية واقتصادية مختلفة، أدت إلى الوضع السائد حاليًا، حيث أصبحت رغبة تركيا هي أن تصبح دولة إسلامية، وقد زرت تركيا قبل بضع سنوات حيث ألقيت بعض المحاضرات على الطلبة الجامعيين هناك، وقد تجاذبت معهم أطراف حوار هام، حيث أكد بعضهم رغبته في أن تصبح تركيا جزءًا من أوروبا، في حين أبدى البعض الآخر تشبثهم بتراثهم الثقافي الإسلامي، ولذلك فأنا أعتقد بأن حزب الرفاه أخذ يستفيد من هذه الصحوة الجديدة وعودة الناس للإسلام، كما أنه أخذ يحرز بعض المكاسب السياسية من خلال التصريح بأن الأحزاب الحاكمة في تركيا منغمسة في الفساد، وتعوزها الكفاءة والفعالية، وها هو حزب الرفاه يسيطر على بلديات اسطنبول وأنقرة وعشرات المدن التركية الأخرى، وذلك على المستوى المحلي، والآن أصبح حزب الرفاه هو أكبر تجمع سياسي في تركيا، حسبما أثبتته نتاج الانتخابات الأخيرة ولو بفارق بسيط عن حزب الوطن الأم وحزب الطريق القويم، إن هذا الفوز يعتبر اختبارًا جديدًا وهامًّا لمعرفة ما إذا كانت الحركة الإسلامية تعرف اللعبة السياسية من خلال التكتيكات والاستراتيجيات التي تتبعها، أم أنها حركة متطرفة وثورية، ولا أدري ما يضمره المستقبل لتركيا على وجه التحديد، لا سيما بعد استبعاد الرفاه من تشكيل الحكومة، وقيام الحزبين الثاني والثالث بتشكيلها، مما يجعل حزب الرفاه يشعر بأنه وقع ضحية للخداع والغش، فكيف تكون له الأغلبية البرلمانية، ولا يكون له أي صوت في الحكومة؟!

وأكرر القول بأنني لا أستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن هذا المستقبل سيحدده الاتجاه الذي ستتبناه الحركة الإسلامية في تركيا.

• هل تعتقد أن الفهم الخاطئ للإسلام لدى الغربيين له دور في عداء الغرب للإسلام لاسيما من الناحية السياسية؟

- صحيح أن هناك عدم فهم، وأحيانا سوء فهم للإسلام لدى الرأي العام الغربي، وحتى لدى النخبة السياسية في الغرب، وهذا أمر يبعث على الأسف، ولذلك فإننا نعمل في جامعاتنا- وعلى وجه التحديد- في مركز الدراسات العربية المعاصرة التابع لجامعة جورج تاون على تنمية الفهم الصحيح للإسلام والحركات الإسلامية لدى طلبتنا.

كما أن هناك فهمًا خاطئًا أيضا في المجال السياسي، ولا شك أنك زرت مجلس النواب أو الكونجرس، واطلعت على ما يدور هناك، وأعتقد أن بعض المواقف العدائية لا تساعد على شيء، فهناك موقفنا العدائي الرسمي تجاه إيران، وهذا قد غرس الانطباع، حيث عايشنا تجارب سيئة بما فيها أزمة الرهائن، وتجربتنا في لبنان، ولكن هذا موضع آخر.

ولكن لا شك أن هناك مشكلة مثلما أن هناك نقاط اختلاف في وجهات النظر والمصالح أيضًا، فلنكن موضوعيين ونعترف بذلك، غير أنني ضد المبالغة في تصعيد هذا الاختلاف إلى مرتبة صراع بين الحضارات كما ذكر صمويل هنتنجتون، وأنا لا أوافق على ما ذهب إليه، ولكن لا بد أن يكون هناك دائمًا اختلاف في وجهات النظر والأطروحات.

وإذا كنا نتحدث عن سوء الفهم أو الفهم الخاطئ لدى الغربيين، فربما يمكننا أيضًا التطرق لسوء الفهم والفهم الخاطئ لدى الإسلاميين في الشرق الأوسط عن الغرب، إننا نسمع أحيانًا اتهامات غريبة تحمل إدانة أيضًا لثقافتنا وطريقة حياتنا، ونعتقد أنها غير عادلة، وهناك بعض الساسة الإسلاميين في البلدان العربية لديهم فهم خاطئ عنا، وعن الثقافة الأمريكية، والمجتمع الأمريكي، والشعب الأمريكي، وحتى عن الحكومة الأمريكية، ولذلك فإن هناك سوء فهم متبادل بين الطرفين، وإننا من جانبنا علينا أن نعمل في مدارسنا وجامعاتنا من أجل تحقيق فهم أفضل للإسلام والإسلاميين، كما أننا نأمل أن يقوم الطرف الآخر بنفس الواجب، وأعتقد أيضًا أنه لو كانت هناك مراكز للدراسات الأمريكية لدى الجامعات في إيران، والكويت، ومصر، والجزائر، وفي مختلف البلدان العربية والإسلامية لكان ذلك في صالح الطرفين.

• هل معنى ذلك أن المسلمين يجب أن يلعبوا دورًا في تفهيم الغرب حقيقة الإسلام السياسي، وأنه لا يشكل خطرًا على الغرب؟

- بصفتي مربيًا أستطيع القول إن أول ما يجب القيام به هو فتح باب التبادل الثقافي بين الطرفين، ونأمل في حالة توفر الإمكانيات أن يقوم طلبتنا في الدراسات العربية بزيارة البلدان الإسلامية والإقامة فيها كجزء من تدريبهم الدراسي للاطلاع على الحياة هناك، كما نتمنى أن يأتينا المثقفون والصحفيون والطلبة والمسؤولون من البلدان الإسلامية للتعرف من قرب على واقعنا، ومن الأشياء الإيجابية التي قامت بها الحكومة الأمريكية، أنها أتاحت الفرصة- ولو على نطاق محدود- لتحقيق قدر من هذا التبادل الثقافي، وقد أتاح لي برنامج «فولبرايت» فرصة السفر إلى اليمن، حيث أقمت في عدن، وأتاح في بنفس الوقت لبعض المثقفين من اليمن المجيء إلى أمريكا لقضاء سنة كاملة هنا، هذا من الناحية التعليمية.

أما من النواحي الأخرى، فأعتقد أن من الأهمية بمكان أن يقوم المسؤولون السياسيون بفتح باب الحوار بين الجانبين، وأن يكون هناك برنامج لتبادل الزيارات بين أعضاء الكونجرس والنواب في مختلف البلدان الإسلامية، وعلى سبيل المثال لو كانت هناك لقاءات بين أعضاء في مجلس الشورى لإيران وأعضاء في الكونجرس الأمريكي، ولقاءات هيئات حكومية في كلا البلدين؛ لكان ذلك في صالح الطرفين، وأدى إلى تفاهم أفضل، ولكننا ما برحنا نسمع عن أخبار سيئة من وسائل الإعلام في كلا البلدين، وفي الواقع فإن انطباع كل طرف عن الآخر يتكون من خلال ما يتلقاه من وسائل الإعلام، ولا أقصد هنا الصحافة فحسب، وإنما أيضا الأفلام والتليفزيون وبرامج التسلية.. إلخ، ولذلك فأنا أعتقد أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الصدد، وكذلك الصحفيون والمسؤولون في وسائل الإعلام ومنتجو الأفلام، لميلهم إلى إعطاء الصور السلبية، وانحيازهم ضد المسلمين في تعميم صفة الإرهاب على المسلمين، كما يتحمل الطرف الآخر مسؤولية كبيرة في هذا الصدد، حيث يتمادى أيضًا في اتهام المسؤولين الأمريكيين بأنهم مجرد لعبة في يد إسرائيل، وهذا ضرب من ضروب المبالغة، وأعتقد بأنه يمكن تحقيق أشياء كثيرة لو كانت هناك لقاءات واتصالات بين القائمين على وسائل الإعلام في كلا الطرفين.

• هل معنى ذلك أن الحوار يمكن أن يحل كثيرًا من الأمور؟

- طبعًا.. فإنه لا يحل كل المشاكل، ولكنه يساعد على حلها، فعلى سبيل المثال فإن لدينا في مركزنا برنامج خاص للمدرسين في المدارس الثانوية، سواء في واشنطن أو فيرجينيا أو مناطق أخرى، وإن هذا البرنامج مبني على تعليم كيفية التعريف بالإسلام، ومواضيع أخرى، وهناك مُدَرِّسة جاءت من أعرق المدارس في واشنطن، وقد ألقت محاضرة حول كيفية التعريف بالإسلام على الطلبة في سن المراهقة، وهذه السيدة الأمريكية قد اعتنقت الإسلام، وقد سمعت فيما بعد أنها تدرس بنت الرئيس كلينتون في نفس المدرسة التي جاءت منها، وعندما عادت بنت الرئيس من جولة- على ما أعتقد إلى الهند- سمعت أنها حكت لوالديها ما رأت وتعرفت على الإسلام والمسلمين، وأنا أرى أن هذا له مدلول هام.

• في الختام.. في ظل الواقع الذي نراه في العالم العربي والإسلامي الآن، ما هي رؤيتك لمستقبل الديموقراطية في العالم العربي ومستقبل مشاركة الحركة الإسلامية في العملية الديموقراطية؟

- قبل الإجابة عن هذين السؤالين أود أن أوضح نقطة أساسية ألا وهي أن مستقبل العالم العربي والإسلامي سيتأثر بالتطورات الاقتصادية التي قد تحدث أو لا تحدث، وكما تعرف فإن البنك الدولي قد أصدر مؤخرًا تقريرًا في اقتصاد بلدان الشرق الأوسط، وأنه تقرير متشائم إلى أبعد الحدود، حيث يفيد بأن اقتصاد بلدان هذه المنطقة يمر بمرحلة حرجة إذا ما قورن باقتصاديات مناطق أخرى في العالم، وينذر هذا التقرير بنشوب اضطرابات على نطاق واسع نظرًا لزيادة نسبة السكان، وظواهر أخرى، ولذلك فإن مستقبل هذه المنطقة يعتمد على الناحية الاقتصادية، وهذه نقطة كنت أود توضيحها.

وعودة إلى النقطة التي تطرقت إليها في البداية، أعود لأكرر بأنه ليس هناك ما يبرر عدم إقبال العالم الإسلامي على مزيد من الديموقراطية، ولا أقول إن ذلك ممكن فحسب، بل أؤكد على أننا بدأنا نشهد بداية التوسع نحو الديموقراطية ولو بخطى حثيثة وبطيئة، وكما أسلفنا فقد عرفت الديموقراطية في هذه المنطقة بعض النكسات، ولكن يجب التشبث بها، والمضي قدمًا نحو توسيع نطاقها، ذلك أن التحول إلى النظام الديموقراطي أو التعددي يتطلب وقتًا طويلًا، وأعتقد أن للديموقراطية أو التعدد السياسي على الأقل مستقبلًا في هذه المنطقة في غضون السنوات القادمة، وذلك على الرغم من المشاكل التي نشاهدها، وهذا ما أستطيع التنبؤ به بصفة عامة.

أما بالنسبة للعلاقة بين الديموقراطية والحركات الإسلامية، فأعتقد أن المسؤولية الكبيرة ملقاة على عاتق زعماء الحركات الإسلامية أنفسهم، حيث إن عليهم المسؤولية السياسية بشأن اتخاذ القرار واختيار النهج الذي يناسب في ظل هذه الظروف، وقد يكون هذا التحول جذريًّا وعنيفًا في بعض البلدان، وعندئذ سنعرف لماذا؟ لأن ذلك هو الأسلوب الوحيد للتعامل مع الأنظمة المستبدة، أو يتم هذا التحول عن طريق اتباع نهج التجاهل مع نية العمل داخل النظام إذا كان هناك أمل في إحداث هذا التحول عن طريق العمل داخل النظام، وهذا النهج أقل عنفًا بكثير، وأكثر ضمانًا أيضًا لحقن الدماء، وتجنبًا لإزهاق أرواح الأبرياء، وهذا طريق يمكن أن يسلكه الإسلاميون إذا رغبوا في العمل داخل نظام أخذ في التوسع نحو الديموقراطية، وقد شاهدنا بعض الزعماء الإسلاميين في بعض الأقطار يبدون استعدادهم للمشاركة في العملية السياسية والتنافس مع التجمعات الأخرى، عندما رأوا أن هناك بوادر للانفتاح الديموقراطي، وأعتقد أن هذا هو الطريق الأمثل لإحداث هذا التحول، ولكن الأمر يعتمد على وجود أمل في الانفتاح، فإذا لم تتحرك الأنظمة القائمة لإيجاد نظام أكثر ديموقراطية، فعندئذ يحق للحركات الإسلامية أن تختار طريق العنف لإحداث هذا التغيير.

ولذلك فإذا رغبت الأنظمة القائمة في تجنيب نفسها ويلات العنف والقتل، فعليها أن تسمح بالتعددية، بما فيها السماح للعناصر الإسلامية بالاضطلاع بدورها المشروع والحيوي في المجال السياسي، فهل ستسمح هذه الأنظمة بذلك؟ حيث إن كل الأنظمة المستبدة تعاف مشاركة السلطة مع أي طرف آخر، وهذا هو لب المشكلة.

الرابط المختصر :