العنوان لبنان بين الخطّة الأمنية والترتيبات الأمنية
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يناير-1985
مشاهدات 67
نشر في العدد 698
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-يناير-1985
«إذا لم تتلق (إسرائيل) ردًّا إيجابيًّا في مدة أقصاها 7 يناير المقبل وهو موعد الجولة التالية من المفاوضات فإنها ستضطر إلى النظر فيما إذا كانت هناك أية جدوى من استمرار المحادثات». هذا ما أعلنه رئيس الوفد الإسرائيلي «أموس غيلبوا» في ختام الجولة الحادية عشرة من مفاوضات الناقورة.
وهذا تهديد واضح من الجانب الإسرائيلي بعدم استئناف المفاوضات المقررة يوم 7/1/85 بعد انتهاء «أعياد الميلاد» ما لم تستجب الحكومة اللبنانية للمطالب الإسرائيلية. فما هي هذه المطالب الإسرائيلية؟
يقول راديو العدو الإسرائيلي على لسان مندوب الكيان اليهودي في الأمم المتحدة «بنيامين غيت إلياهو»: إن «إسرائيل» ستنتظر حتى السابع من الشهر المقبل للحصول على رد إيجابي من لبنان على مقترحات إسرائيلية حول انتشار القوات الدولية بين نهري الأولي والزهراني وحتى الحدود السورية.
أما شمعون بيريز رئيس الحكومة الإسرائيلية فبالإضافة إلى تأكيده على ضرورة انتشار القوات الدولية فإنه يشترط إبقاء جيش العميل «أنطوان لحد» في الجنوب، وربط الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني بتحقيق ما أسماه بترتيبات أمنية لضمان أمن المستوطنات اليهودية في شمال فلسطين المحتلة «منطقة الجليل».
لماذا القوات الدولية؟
ولكن لماذا يصر اليهود على انتشار القوات الدولية في كافة المناطق التي من المفترض أن ينسحبوا منها وعلى إبقاء جيش «لحد» على حاله ويحظرون في الوقت نفسه على جيش لبنان «الشرعي» من «السيطرة» على أراضيه؟
يقول رئيس الوزراء اللبناني رشيد كرامي بهذا الصدد: «إن إسرائيل تحاول الحصول من لبنان على توقيع اتفاق يؤدي إلى بقاء نفوذها في لبنان إذا ما انسحبت منه، نحن نعرف أن العدو الإسرائيلي يحاول أن يحصل منا على توقيع حتى إذا ما خرج من الباب يعود من الشباك، فهو لا يعترف بسلطة جيشنا وقواتنا الشرعية على أرضنا، هو يريد أن يمد سلطة قوات الطوارئ إلى خارج شمالي الليطاني حتى تكون أكثر أراضينا خارجة عن إرادتنا وعن مسئوليتنا، إن إسرائيل تريد للمنطقة الحدودية أن تكون بعهدة لحد وأعوانه من المتعاملين مع العدو».
وهنا تثور عدة تساؤلات: إذا كانت الحكومة اللبنانية بكافة أركانها وجيشها وميليشياتها لم تقاوم الغزو الإسرائيلي ولم تطلق على جيشه المحتل النار؟ وإذا كان أقطابها قد أعلنوا باستمرار عن استعدادهم لمنع أي تسلل فدائي للجنوب اللبناني أو من الجنوب اللبناني إلى الأرض المحتلة «فلسطين» فلماذا يرفض اليهود وصول جيش السلطة إلى الجنوب ويصرون على القوات الدولية وجيش لحد؟
يزعم اليهود أنهم لا يثقون بجيش لبنان في وضعه الحالي، ولا نعلم المقصود بالثقة التي يتحدثون عنها، هل هي الولاء للكيان اليهودي؟ أم هي عدم القدرة على تحقيق الأمن للمستوطنات اليهودية في شمال فلسطين «الجليل».
الحقيقة هي غير ذلك، فإذا كان الجيش اللبناني لم يطلق رصاصة على جنود الاحتلال فإنه قادر على إطلاق الرصاص على «المتسللين» إلى الأرض المحتلة «فلسطين». وإذا كان جيش لبنان عاجزًا عن حماية «إسرائيل» فان جيش لحد ومعه القوات الدولية أكثر عجزًا.
إن القوات الدولية التي وقفت تتفرج على مجازر اليهود في القرى اللبنانية مؤخرًا لن تكون قادرة على منع مقاومة المحتل ومطاردته داخل الأرض المقدسة «فلسطين» وإن قوات لحد التي أنشأها الإسرائيليون لتحميهم هي أعجز من أن تحمي نفسها من الانهيار أمام ضربات المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان.
المشكلة ليست إذا فيمن يخلف القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، ولكن المشكلة تكمن فيمن يوقف تنامي المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني.
الخطّة الأمنية.. لماذا تعثرت؟
على الجانب الآخر تسعى الحكومة اللبنانية حثيثًا لتحقيق خطتها الأمنية التي بدأت في بيروت الغربية؛ حيث المسلمون السنة المسالمون.
فانتشر الجيش اللبناني في بيروت الغربية بسهولة ويسر، وعندما حاول الصعود إلى الجبل والانتشار على الساحل بدأت المشاكل وتبادل حزب الكتائب والحزب «التقدمي الاشتراكي» الذي يرأسه وليد جنبلاط الاتهامات بخصوص تأخير تطبيق الخطة الأمنية، وهنا ثار نبيه بري رئيس حركة «أمل» الحريص على وصول الجيش إلى خطوط التماس مع جيش الاحتلال وقال: «لا تجعلونا نقلب الطاولة رأسًا على عقب. وإنني أعني ذلك ومن له آذان فليسمعني قبل فوات الأوان... أقولها ثانية إذا لم يحدث شيء حول انتشار الجيش من بيروت إلى نهر الأولي خلال 3 أيام فإننا سنتبنى مواقف جديدة ولن يتمكن أحد من النوم في بيته».
وعلى الفور توجه الرئيس اللبناني برًّا إلى دمشق فاستقبله الرئيس السوري معانقًا على أطراف المدينة ثم توجها إلى قصر الرئاسة؛ حيث عقدت مباحثات سورية لبنانية مستعجلة؛ فالحكم اللبناني الذي ما زال الكتائبيون يمثلون عموده الفقري يريد أن يبسط سلطانه على كافة أرجاء لبنان وخاصة الجنوب اللبناني بعد الانسحاب الإسرائيلي المفترض، وحركة أمل التي تمثل جانبًا من الشيعة تحرص على تحرير المدن والقرى الشيعية في الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي ولا مانع لديها من وصول جيش السلطة إلى هناك خاصة وأن هناك جانبًا كبيرًا من هذا الجيش من الشيعة. وأما الدروز بقيادة وليد جنبلاط فإنهم يخشون أن يفقدوا كافة الامتيازات التي حصلوا عليها في ظل عودة سيطرة الجيش على مناطقهم. وأما السنة الذين هالهم هذا الصراع الطائفي الذي يهدد بتفتيت لبنان إلى دويلات وخروجه من الدائرة العربية التي هي بالقطع دائرة إسلامية فإنهم مضطرون للوقوف بجانب السلطة.
وأما السوريون فهم لا يريدون أن تفلت الورقة اللبنانية من أيديهم وبالتالي الورقة الفلسطينية بوضع قوات دولية في الجنوب تحجب سوريا عن لعب دورها المرسوم في المرحلة الراهنة واللاحقة؛ ولذلك كان الاستقبال السوري الحار للوفد اللبناني، وتناولت المباحثات كما ذكرت الأنباء نقاطًا خمسة هي:
- مفاوضات الناقورة مع الإسرائيليين وما آلت إليه حتى الآن.
- موضوع القوات الدولية في الجنوب اللبناني وإصرار الاسرائيليين على توسيع دور هذه القوات.
- الوضع في إقليم الخروب؛ حيث يجد الجيش صعوبة في دخوله.
- جولات ريتشارد مورفي في المنطقة والمساعي الأمريكية لتسوية المشكلة اللبنانية.
الدور الأمريكي
ويبدو أن الأمريكان قد نصحوا الإسرائيليين بعدم التسرع في موضوع الانسحاب الجزئي من جانب واحد والانتظار لما بعد 7/1/85؛ حيث تبدأ جولة أخرى من المباحثات في الناقورة على أمل أن تظهر مستجدات في الموقف اللبناني والسوري.
والروس أيضًا
الروس عبر سوريا يريدون أن يكون لهم دور فيما يجري في المنطقة وهناك اجتماع مقرر بين جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي وآندريه غروميكو وزير الخارجية السوفيتي في جنيف في 8/1/85 وهو اليوم التالي لاستئناف مباحثات الناقورة فإذا توصل الطرفان الأمريكي والسوفيتي إلى اتفاق ما أو إلى صفقة ما فلا شك أن ذلك سينعكس على موقف كل من الإسرائيليين والسوريين وبالتالي على مباحثات الناقورة، بل ومستقبل القضية الفلسطينية ذاتها. وإذا كان الروس يعارضون انتشار القوات الدولية على ما يبدو حتى لا يخرجوا من دائرة الفعل فيما يجري في الشرق الأوسط، فإن الأمريكان لا يستطيعون تجاهل الدور السوري وبالتالي الدور الروسي حتى وإن كانوا هم الذين يملكون معظم أوراق اللعبة في الشرق الأوسط.
ومن العبث فصل القضية اللبنانية عن القضية الفلسطينية، كما أنه من الصواب القول إن حل إحدى القضيتين يستتبع حل القضية الأخرى بالمعايير الإسرائيلية الأمريكية الروسية أو الرسمية العربية.
ذلك أن هنالك عاملًا جديدًا متناميًا أخذ يبرز وسط هذه اللعبة الدولية وهو المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان. وإذا كان هنالك أطراف ذات تأثير على مجريات الأمور في لبنان وفي فلسطين تستفيد مرحليًّا من وجود هذه المقاومة إلا أنه مما لا شك فيه أنه -باستثناء الجماهير العربية والإسلامية- ليس هناك طرف من الأطراف يرغب في تنامي هذه المقاومة إلى الحد الذي تصبح فيه حركة جهادية إسلامية شاملة تقلب كافة المعادلات وتعيد القضية الفلسطينية واللبنانية معها إلى وضعها الصحيح باعتبار الكيان اليهودي في فلسطين كيانًا غير شرعي يجب أن يزول، وباعتبار الهيمنة الكتائبية في لبنان أو مشروع الكيانات الطائفية الهزيلة مؤامرة تستهدف مصير هذه الأمة ومستقبلها.