العنوان تونس الجديدة.. تحديات وآمال تغذيها البدائل
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 61
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 22
الجمعة 23-ديسمبر-2011
- بجانب ٤٠ محجبة تولت محرزية العبيدي منصب النائب الأول لرئيس المجلس التأسيسي.. وهي أستاذة جامعية وتحمل شهادات أكاديمية في الترجمة والأدب الإنجليزي إضافة إلى أنها مربية وداعية
- راشد الغنوشي: تونس تستشرف هذه المحطة المهمة التي سيعاد فيها بناء الدولة بحكومة ائتلافية تقودها حركة «النهضة»
كان لحادثة رفض ممثلي حزب «حركة النهضة» «٨٩ عضوا في المجلس التأسيسي بتونس)» النزول بفندق ٥ نجوم، على حساب الدولة نظرا لارتفاع تكلفة الإقامة فيه، إشارة ذات دلالة بالنسبة للشعب التونسي الذي أكبر في نواب «النهضة» الروح الوطنية العالية، التي لم يعهدوها في النماذج السلطوية، سواء في تونس أو خارجها، حيث طلب نواب الحركة من المسؤول عن ترتيب إقامة أعضاء المجلس التأسيسي «٢١٧ عضوا» توضيحات عن سبب اختيار ذلك الفندق، والذي قيل إن تكلفة الإقامة فيه تصل إلى ٤٠٠ دينار تونسي.
كانت تلك بداية موفقة، تؤكد أن الأيادي المتوضئة هي التي يمكن أن تُستأمن على مقدرات شعوب الأمة، وهي الوحيدة التي يمكنها أن ترسي دعائم العدل في المجال الاجتماعي، وفي تقسيم الثروة، وإشاعة الطمأنينة بين الناس.
وقد استطاعت «النهضة» أن تمكن ما يزيد على ٤٠ نائبة محجبة من دخول المجلس التأسيسي، تولت إحداهن «حرزية العبيدي» منصب النائب الأول لرئيس المجلس التأسيسي، وهي أستاذة جامعية، وتحمل شهادات أكاديمية في الترجمة والأدب الإنجليزي، إضافة لكونها مربية وداعية.
وقد فشلت المعارضة داخل المجلس في اختبار حظوظها بالمنافسة على رئاسة المجلس، ولم تحصل مرشحتها مية الجريبى سوى على ٦٨ صوتا، في حين حصل مصطفى بن جعفر، المدعوم بنواب الائتلاف الحاكم، على أغلبية تؤيده.
ومع سقوط مرشحة الحداثيين سلمى بكار، تم إنهاء أي خطة للمعارضة داخل المجلس التأسيسي، وإنهاء هيمنة أقلية معزولة شعبيا ومنعزلة عن ثقافة البلاد على الشأن العام رغم احتكارها لأكثر من نصف قرن.
وجدير بالاهتمام هنا هو الدعوات الصادرة من المنهزمين في الانتخابات، والتي تدعو إلى التوافق وعدم الركون إلى نتائج الانتخابات في حسم الخيارات الدستورية وتوجهات الحكومة في المرحلة المقبلة، وهي نفس الأصوات التي استولت على الشرعية الثورية بعد ١٤ يناير واحتكرتها لنفسها، ولم تعمل بالتوافق الذي تدعو إليه الآن، وأدى الأمر إلى خروج عدد من الفعاليات الحزبية، في مقدمتها حزب «حركة النهضة»، مما كان يسمى زوراً «مجلس حماية أهداف الثورة».
تحديات وعقبات
لا يعني ذلك أن الطريق مفروشة بالورد للإسلاميين، بل هناك تحديات داخلية وخارجية، فالأخيرة تمثلت في سياسات بعض القوى الغربية التي لن تقبل بسيادة إسلامية أو حكومات تمثل التيار الإسلامي، خاصة إن كانت المؤشرات تؤكد أن هذه القوى تريد أن تفعل شيئا لمستقبل بلادها، وقد برز ذلك واضحا في تصريح الرئيس الفرنسي «ساركوزي» الذي لا يزال يسعى لاستمرار الاحتلال الفرنسي لتونس، سياسيا ولغويا وثقافيا، بقوله: «إن فرنسا ستكون متيقظة لجهة احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية في تونس وليبيا».
ورشح«ساركوزي» بلاده وأوروبا لممارسة دور حاسم - حسب زعمه - «من أجل توجيه تونس وليبيا نحو الديمقراطية»، وأنهما «ستضطلعان بمسؤولياتهما في هذا المجال».
تسونامي داخلي
التحدي الأول أمام الائتلاف الذي تقوده «النهضة» هو الوصول إلى توافق حول توسيع السلطات بين الرئاسات الثلاث؛ رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة المجلس التأسيسي، وهذه الخطوة على وشك الانتهاء منها دون أي عراقيل تذكر.
والتحدي الثاني هو الانتهاء من تشكيل الحكومة التي يرتقب أن تكون خلال هذا الأسبوع أو الأيام الخمسة عشر الأولى من ديسمبر الجاري.. ويبدو أن حقائب وزارات السيادة قد احتفظ بها حزب حركة النهضة.. وفق التسريبات التي تواترت في الأيام الأخيرة بل منذ انعقاد أول اجتماع للمجلس التأسيسي في ٢٢ نوفمبر ٢٠١١م، ومن بينها وزارات الداخلية والخارجية والعدل والدفاع، و مشكلات هذه الوزارات كثيرة ومعقدة، ليس في طبيعة كوادرها الإدارية والميدانية فحسب، ولا في التكوين الذي تلقاه عناصرها والذي هو امتداد لحقيقة الاحتلال الفرنسي، ولا سيما كوادر وزارة الداخلية، الذين بدأوا يتحسسون رؤوسهم ويحاولون الدفاع عن أنفسهم من خلال نقابات لم تتورع عن التهديد بالإضراب، في حال عدم الاستجابة لمطالب عناصر الأمن.
أما وزارة العدل، فهي مثقلة بالمظالم وحتى الفساد، أو بتعبير أحد رموز الائتلاف الحاكم في حديثه عن القضايا المطروحة على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية «نواجه تسونامي من الملفات»، ولن تتسلم الحكومة الجديدة السلطة على طبق من ذهب ولا حتى من فضة، وإنما على صفيح ساخن، وهناك من يتربص بالحكومة وقد عقد العزم على وضع العصى في عجلة نمو البلاد، من خلال إثارة دواعي التوتر والاحتقان السياسي والثقافي والاجتماعي، ومن خلال رفض قبول المنتقبات في بعض الجامعات، واستمرار الكثير من النصوص في مناهج التدريس والتي تستهدف إهانة المقدسات والتعاليم الإسلامية، وهي نصوص لمرتدين اختيرت بكل خبث في الفترة السابقة، لتوجية النشء والشباب بعيدا عن تعاليم الإسلام.
ومن محاولات تعكير الأجواء، ما شهدته الساحة القريبة من مدخل المجلس التأسيسي «البرلمان» من مظاهرات تعبر عن رفضها لإرادة الشعب من خلال مهاجمة ممثليه الشرعيين، والمناداة بشعارات هزمتها الانتخابات، ويكفي أن الشيخ راشد الغنوشي قد وصف تلك المحاولات بأنها «رياح سموم تهب على المجلس».
آمال بلا حدود
بعيدا عن الغبار الذي يثيره البعض، تعيش تونس وضعا جديدا، فالغبار محفز على تعبيد الطريق، فلأول مرة - كما قال أحد المعلقين - تعيش تونس ديمقراطية حقيقية بعد أن عاشت أكثر من نصف قرن تحت حكم استبدادي، قمعي، منحاز جهويا، حيث أخذت الجهويات مكان القبائل... فبينما كانت السياسات السابقة تتحدث عن اللامركزية وعن العدالة وعن المساواة، كان الواقع في وادٍ آخر، فكانت ديمقراطية مزيفة يصادق عليها بالإجماع ولا تتخلف ولو مرة واحدة،كانت حقبة من النفاق والخداع والكذب بلا حدود.
ولأول مرة يعيش البرلمان تنوعا حقيقيا، فهناك ائتلاف حاكم ومعارضة حقيقية، معارضة منتخبة وليست معارضة منتقاة على المقياس، ولأول مرة يعيش الشعب ويتابع بشغف جلسة عامة علنية حقيقية مباشرة على التلفزة وليست مجرد جلسة دعائية للنظام غير الشرعي، ولأول مرة يرى المواطن والعالم أجمع نوابا حقيقيين منتخبين يمثلون كافة أبناء الشعب ولا يمثلون عليه، يتكلمون باسمه ولا يكذبون عليه، ويبلغون صوته ولا يعتمون عليه، سواء كانوا في المعارضة أو الحكم.
إذًا، لأول مرة نتابع ديمقراطية حقيقية ملموسة داخل البرلمان بين أبناء تونس المنتخبين في انتخابات حقيقية لمجلس وطني تأسيسي حقيقي يؤسس لديمقراطية حقيقية لأول مرة في تاريخ تونس الديمقراطية.
بناء الدولة
واليوم تشهد تونس ديناميكية على مستوى الإعداد لمعالجة جروح الشعب وتقديم الخدمات التي حرم منها دهرا طويلا، وهناك مساعٍ لتهيئة الأجواء المغاربية للانتقال نحو مشروع للتكامل وبعث الهوية التي توحد الجميع، والذي عبر عنه الشيخ الغنوشي بأن تونس «تستشرف هذه المحطة المهمة التي سيعاد فيها بناء الدولة بحيث ستنبثق حكومة ائتلافية تقودها حركة «النهضة» بتحالف حزبين مهمين مناضلين؛ «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» برئاسة د. منصف بن المرزوقي، وحزب «التكتل من أجل العمل والحريات»، برئاسة مصطفى بن جعفر.
كما أكد أن حمادي الجبالي سيكون رئيس أول حكومة ائتلاف وطني تنتهجها الثورة التونسية، ولم يغفل الحديث عن أولويات المرحلة والتي تتطلب بذل المزيد من الجهود، مثل القضاء على البطالة «٧٠٠ ألف عاطل»، ورد الاعتبار لعائلات الشهداء، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء حمادي الجبالي من أن أول القرارات التي ستتخذها حكومته في المرحلة المقبلة ستكون إجراءات على مستوى الاهتمام بالفئات الضعيفة «كفالة المعاقين ومنحهم تراخيص تجارية، وبناء مساكن بدل أحياء الصفيح، وإقامة بنية تحتية لدفع عجلة التنمية"، وتحسين المعيشة، إلى جانب المشاريع المحلية كالاستثمارات دون حرمان أي جهة من جهات تونس.
وبيَّن أن الحكومة ستبذل أقصى الجهود لفتح مجالات التشغيل في كل الجهات.
وبالنسبة للتمويل، كشف الجبالي عن أن تمويل المشاريع سيكون متنوعا، مع إعطاء دور رئيس للرأسمال المحلي، وهو واثق من عون الله والنجاح، «لست خائفا من خيبة الأمل أو الفشل»
لمحة عن حياة نائبة رئيس المجلس التأسيسي
ولدت السيدة محرزية العبيدي في ١٧ ديسمبر عام ١٩٦٣م، وهي خريجة دار المعلمين العليا بسوسة، والمعهد الأعلى للترجمة والمترجمين بالسربون بباريس، اختصاص ترجمة اقتصادية وقانونية، كما أنها حاصلة على ماجستير في الترجمة الاقتصادية، وشهادة دراسات معمقة في كل من الأدب الإنجليزي والدراسات المسرحية.
وتدرس السيدة العبيدي الترجمة في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية سان دوني باريس، وهي كاتبة ومحاضرة في الشأن التربوي في المجتمعات متعددة الثقافات، وكذلك في شأن المرأة والدين والمجتمع.
وترأس السيدة العبيدي الشبكة العالمية «نساء مؤمنات من أجل الإسلام»، وهي منظمة لها صفة استشارية لدى مؤسسات الأمم المتحدة المعنية بالمرأة والتنمية والسلام.
كما أنها عضو بالمجلس الأوروبي للشخصيات المدنية والدينية للسلام، ونائبة للتونسيين بالخارج «دائرة فرنسا ١» «حزب حركة النهضة».
والسيدة محرزية العبيدي أم لثلاثة أطفال.