العنوان قرار بسيط يطلبه العرب من مؤتمر القمة
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004
مشاهدات 127
نشر في العدد 1593
نشر في الصفحة 40
السبت 20-مارس-2004
يمتلك الرئيس اليمني العقيد علي عبد الله صالح.. نخوة براجماتية تضعه في دائرة العمل الطيب والمفيد على مستوى عام يخص جموعا غفيرة من الناس، فهو مثلا يتيح هامشًا لا بأس به للقوى السياسية المختلفة في اليمن. وقد عفا عن خصومه السياسيين الذين قادوا الحرب ضده في اليمن الجنوبي... لقد توافق مع معظم القوى إن لم يكن كلها، في مجال العمل السياسي، وهو يعترف أحيانا بإمكاناته وقدراته ولا يجد غضاضة في الإعلان عن عجز أو قصور هنا وهناك.
الذي يعنينا في الموضوع هو ما قام به أخيرًا في إصلاح ذات البين بين قبائل منطقة مأرب التي استمرت الخصومات والعداوات فيما بينها المدد طويلة، تصل أحيانًا إلى مائة عام، والتهمت في جحيمها مئات القتلى والجرحى فضلا عن خسائر ضخمة في الثروات والأموال، لقد ذهب بنفسه إلى مارب وجلس مع المتخاصمين، مستخدمًا أساليب الترغيب والترهيب حتى خضع الجميع للمصالحة وزالت العداوات وتوقف شلال الدم الذي كان يصنعه الصراع والثارات بين القبائل.
«براجماتية» الرئيس اليمني، تمثل حالة نادرة في العالم العربي، ويتمنى كثير من الناس أن يحذو آخرون حذوه، فيحلوا مشكلات بلادهم بطريقة عملية، تقوم على النصائح والتوافق لإزالة الاحتقان الذي تصنعه أجهزة القمع والاستبداد، وهي أجهزة بلا قلب لا تعرف الرحمة، ولا تؤمن بحقوق الإنسان، ولا تسمع عن شيء اسمه كرامة المواطن.
وقد تمنيت وأعتقد أن جمهورًا عريضًا يشاركني هذه الأمنية، أن يتخذ مؤتمر القمة العربية المنعقد في تونس أواخر هذا الشهر مارس ٢٠٠٤م، قرارًا واحدًا بسيطًا، لا يتكلم عن فلسطين أو العراق أو الوحدة الاقتصادية، أو الجامعة العربية أو المبادرات الأجنبية أو مبادرات الإصلاح العربية.. إنه قرار يدعو إلى المصالحة الوطنية بين الحكومات والشعوب المصالحة غير الإصلاح الذي يدعو إليه المستعمرون، وأيضًا غير الإصلاح الذي يدعو إليه بعض الحكام العرب.
إن أكثر الحكومات العربية يملك رصيدًا ضخمًا من المتاعب السياسية والاقتصادية وأكثرها ليس على وفاق نام مع شعبه، فهي من هذه الوجهة لا تعبر عن أماني شعبها وتطلعاته بل إن بعض هذه الحكومات مشكوك في شرعيته الدستورية والقانونية والشعبية وبعض هذه الحكومات منهم من الجمهور بالفساد والإفساد ويرى فيه المواطنون نموذجا للصوصية المقننة التي لا تريد أن تتخلى عن مواقعها، حرصًا على ما تسرقه من أموال وما تمتصه من دماء الناس ممثلا في الضرائب والإتاوات والرشاوى والامتيازات. مما جعل قطاعات من جمهور الأمة ترحب بعودة الاستعمار مرة أخرى والرضا باحتلال بلادهم حتى يخلصهم المستعمرون من الاحتلال الوطني الذي أطبق على الأرض ومن عليها، ولا يستطيع أن يقاومه أحد أو يناضل ضده أحد.
القرار البسيط المطلوب أسهل كثيرًا من فرض الإصلاح الذي تطالب به الدول الاستعمارية الغربية، لأن هذا القرار سيعيد الوئام بين الحكومات والشعوب من خلال التفاهم المشترك والاتفاق على عناصر تعني الجميع وتستقطب توحدهم وراءها.
حين تتفق الحكومات والشعوب، فإن كثيرًا من المتاعب سيزول وسيختفي الاحتقان الذي أصاب العلاقة بين المواطنين والسلطات وسيتوجه الناس إلى العمل والإنتاج والمشاركة بكل طاقاتهم في تعزيز الوحدة الوطنية والوحدة القومية بل الوحدة الإسلامية، لأن الصوت الذي يتكلم عنده هو صوت الأمة كلها، وهو صوت حقيقي يعني يقول لا صوت الإنشاء أو الطنطنة الفارغة التي تلقى في المؤتمرات والمهرجانات.
إن المصالحة أفضل من الإصلاح المفروض الذي يأتي استجابة لضغوط أجنبية، فالمصالحة تقوم على التراضي والقبول، وتفهم الظروف والمواصفات التي تجعل التوافق أمرًا طبيعيًا تحبذه كل الأطراف، أما الإصلاح المفروض فله مضاعفاته التي لا تتوقف عند حد، بل قد تطال الاستقلال الوطني ذاته، فضلا عن الاستقلال القومي.
نشرت بعض الصحف العربية في2004/3/11م، تقارير تفيد بأن دول الاتحاد الأوروبي، أخذت تتراجع عن فكرة المبادرات الإصلاحية التي تقدمها إلى دول الشرق الأوسط الكبير، وأعلنت أنها لن تسهم ماليًا في هذه المبادرات لأنها أدركت أن بقاء الوضع على ما هو عليه أفضل بالنسبة لها، حيث إن الإصلاح الذي تفرضه مبادراتها، سيجعل التيار الإسلامي في سبع أو ثماني دول عربية يفوز في الانتخابات الحرة مما يهدد دول الاتحاد الأوروبي عامة وهو ما ترفضه هذه الدول، وتفضل عليه بقاء الاحتقان قائمًا بين الحكومات العربية وشعوبها ولا شك أن هذا الوضع يتيح لها فرصة ابتزاز الحكومات العربية وتأديبها عند اللزوم، ولو باستخدام القوات المسلحة، والعراق، ومن قبله أفغانستان، نموذج واضح لكل ذي عينين.
إن المصالحة تشد أزر الحكومات إذا صدقت نواياها، وتجعل القوى السياسية المختلفة تعمل من أجل غاية واحدة تحقق الخير للوطن الصغير والوطن العربي الكبير، والأمة الإسلامية بأسرها.