; أزمة المناخ- أزمة في البنيان الهيكلي للاقتصاد الكويتي | مجلة المجتمع

العنوان أزمة المناخ- أزمة في البنيان الهيكلي للاقتصاد الكويتي

الكاتب عبد العزيز الحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-1983

مشاهدات 113

نشر في العدد 606

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 01-فبراير-1983

أزمة المناخ ليست أزمة ممارسات بل أزمة نظام اقتصادي.

من أهم سلبيات النظام الرأسمالي قيامه على أساس ربوي.

المناخ الأزمة المستمرة.

  • لا زالت أزمة المناخ تلقى بظلها على الاقتصاد الكويتي، ويبدو أنه سيمضي وقت طويل حتى يتمكن الاقتصاد الكويتي من معالجة السلبيات التي ستتركها هذه الأزمة سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي. هذا إذا لم يتعرض إلى أزمات أخرى مماثلة. 

وقد أسهم كثير من المحللين في تشخيص هذه الأزمة ومحاولة إيجاد الحلول لها، ولكن كثيرًا من التحليلات ابتعدت عن لمس الجانب المهم في هذه الأزمة أن نظرت إليها كممارسات خاطئة دون أن تنظر إليها على أنها أزمة في البنيان الهيكلي للاقتصاد الكويتي، فأزمة المناخ ليست أزمة ممارسات، بل هي أزمة نظام اقتصادي. فالاقتصاد الكويتي، اقتصاد رأسمالي، ومن الطبيعي أن يعاني من مشاكل الاقتصاد الرأسمالي، فإذا كانت أمريكا -وهي رائدة الاقتصاد الرأسمالي في هذا العصر- يعاني اقتصادها من أزمات لا يكاد الاقتصاديون يجدون لها حلًا، فكيف باقتصاد مثل اقتصاد الكويت الذي لا يدعمه سوى واردات النفط.

ومن أهم سلبيات النظام الرأسمالي قيامه على أساس ربوي وهو عامل هدم في الاقتصاد. قد لا تبدو آثاره إلا في المدى البعيد من خلال الأزمات التي تهز الاقتصاد بين فترة وأخرى.

  • وقد عانى النظام الرأسمالي من مشكلة كبيرة في الثلاثينيات من هذا القرن، حيث أصيب الاقتصاد بكساد شامل شل الاقتصاد الرأسمالي حتى أطلق عليه وصف الكساد العظيم، وظن كثير من الناس أن هذا أوان نهاية الرأسمالية، وقد اطلعت على أحد الكتب الاقتصادية التي تشخص أسباب هذا الكساد، وتربط بين ما حل بالاقتصاد الرأسمالي وبين سوق الأوراق المالية البورصة، ووجدت فيه ما يكاد ينطبق على أزمة سوق المناخ في الاقتصاد الكويتي. وهذا ما يؤكد على أن الأزمة هي في حقيقتها أزمة في بنيان النظام الرأسمالي وليست أزمة ممارسات الكتاب هو الاقتصاد في خدمة المجتمع ومؤلفه «روبرت هيلبرونر» ويتحدث هذا الكاتب عن حالة الاقتصاد الأمريكي قبل الأزمة والتفاؤل الكبير الذي كان يعيشه الناس.

وهذا أيضًا ما حدث قبل أزمة سوق المناخ، حيث كان الناس يعيشون في جو كبير من التفاؤل لم يجعل لديهم استعدادًا لسماع أي صيحات تحذيرية، يقول الكاتب: «كان معظم الناس مشغولين تمامًا بمنظر آخر للاقتصاد الرأسمالي هو منظر جذاب إلى حد كبير، ذلك هو الرواج العظيم لسوق الأوراق المالية، الرواج الذي جذب إلى السوق في عام 1929م نحو 10 ملايين من الأفراد الذين أسعدهم أن يراقبوا أموالهم تنمو بغير تعب أو مجهود، وكما قال «فردريك لويس ألن» المؤرخ الاجتماعي للسنوات العشرين وهو يصف ذلك في كتابه «بالأمس فقط» «كان سائق سيارة الثري يقودها وأذناه متجهتان إلى الخلف لالتقاط أنباء الحركة الوشيكة في أسعار أسهم شركة «بتلهيم» للصلب، فهو نفسه يحتفظ بخمسين سهمًا بارتفاع عشرين بنسًا، وكان العامل المشتغل بتنظيف النوافذ في مكتب سمسار البورصة يتوقف ليتابع المبرقة الكاتبة «التيكر» فهو يفكر في تحويل مدخراته التي اجتهد في جمعها إلى أسهم في شركة سيمونز. وقد تحدث «أدوين ليفيفر» «وكان محررًا معاصرًا يتمتع بالوضوح في تعليقه على السوق وله خبرة شخصية لا يستهان بها» فذكر قصة خادم خاص لأحد السماسرة جمع من السوق ما يقرب من ربع مليون دولار، وقصة ممرضة ربحت ثلاثين ألفًا من المعلومات التي كان يسر بها إليها مرضاها المقدرون لفضلها، وقصة أحد تجار الماشية في «ويومنج» الذي كان يبيع أو يشتري آلاف الأسهم في اليوم وهو على بعد ثلاثين ميلًا من أقرب سكة حديد.. وبدا كما لو كان الأمر لا يحتاج من أي إنسان إلا أن يستجدي المال أو يقترضه لكي يشتري أسهما ثم يصبح ثريًا...

  • وما حدث في أمريكا في ذلك الوقت. يشابه تقريبًا ما حدث في الكويت من إقبال الناس على الربح السريع وتهافتهم على شراء الأسهم والاقتراض أو رهن البيت لأجل اغتنام فرصة الربح الخيالي. ولكن هل استمر هذا الوضع؟ الإجابة بالنفي... كيف! يقول المؤلف «إن الحماس الذي امتد طوال عامين ليرفع أسعار الأسهم، تركز بأكمله في أسابيع لا تكاد تصدق ليدفع تلك الأسعار إلى أسفل، ففي 29 أكتوبر 1929م صدمت البورصات بموجات من البيع أشبه بانهيار جبلي، لم تكن هناك أوامر شراء على الإطلاق، كانت كلها أوامر بيع... وعندما انتهت جلسة السوق كان الهبوط قد حاق بأسهم عدتها 16410000، وفي يوم واحد كان ارتفاع الأسعار الذي حققه العام السابق بأكمله قد ذاب، وبعد أسابيع قليلة تبين أن ما قيمته 30 بليونًا من الدولارات قد اختفى في الهواء، أما الملايين الذين قدروا مكاسبهم على الورق وظنوا أنهم قد أصبحوا في حالة من اليسر فقد اكتشفوا أنهم فقراء».

ولا أرى داعيًا للتعليق على العبارات السابقة، فهي أوضح من أن تحتاج إلى ذلك ولكن هل أيقظت بوادر الأزمة المسؤولين؟! الإجابة طبعًا بالنفي.. بل خرجت التصريحات بأن الأوضاع الاقتصادية سليمة، وأن الثقة بالسوق لا زالت موجودة، يقول المؤلف: والواقع أن الأسابيع الأولى بعد الانهيار كانت متميزة بمشاعر الثقة، وكان الشعار السائد حينذاك أن الأمور «سليمة في أساسها، بيد أن الأمور لم تكن سليمة في أساسها، فالانهيار المروع تمخض عن كساد أشد هولاً». 

ثم يستعرض الكاتب بعد ذلك مظاهر الكساد العظيم الذي حل بالاقتصاد الأمريكي وأثر على الاقتصاد العالمي، ثم يبين سبب ما حدث فيقول: «مما لا شك فيه أن حمى المضاربة التي اجتاحت الاقتصاد في عام 1929م كانت سببًا مباشرًا عجل بها، ولم يقتصر الجنون على وول ستريت وحدها، ففي كافة أجزاء الأمة شاعت فلسفة الاغتناء السريع لتحطم قواعد الحرص المألوفة في التجارة والأعمال المصرفية».

ولم يخل الاقتصاد الأمريكي من شركات يتم تداول أسهمها، مع أنه ليس لها نشاطات إنتاجية كما هو حال بعض الشركات الخليجية والشركات المقفلة، فيقول المؤلف: «وفضلًا عن ذلك فإن مشيدات هرمية هائلة من هيئات أمناء الاستثمار والشركات القابضة قد صفت بيتًا من الورق فوق قاعدة من المشروعات الاقتصادية العاملة، فمثلًا نجد شركة جوريا للقوى المحركة تسيطر عليها شركة الساحل للخدمة العامة، وهذه تسيطر عليها شركة شيكاغو للأوراق المالية، وهذه بدورها تسيطر عليها شركة أنسول لاستثمارات المنافع، والمفروض أنها هي المسيطرة عليها، ومن بين هذه الشركات شركة واحدة فقط وهي شركة جورجيا للقوى المحركة كانت تنتج الكهرباء فعلًا أما الشركات الأخرى فلم تكن تنتج سوى الأرباح وفرص المضاربات... 

  • ونتيجة ذلك كله خراب في الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، وكانت نتيجة أزمة المناخ اهتزاز في الوضع الاقتصادي، وتشابك وتعقد في المشكلة وصعوبة في اتخاذ القرار. وبعد فليس المقصود من تلك الإسقاطات أن ما حدث في أزمة الثلاثينيات في العالم هو نفسه ما حدث في الاقتصاد الكويتي، وإنما أردنا تقريرين حقيقين: 

الأول: أن الأزمة هي في الأصل أزمة نظام اقتصادي وهو النظام الرأسمالي الذي يقوم بنيانه على الربا، والنظام الاقتصادي الكويتي نظام رأسمالي حر فلا بد أن تنتابه أزمات الرأسمالية. 

الثاني: أن سوق الأوراق المالية له خطورة كبيرة على الاقتصاد، إذا كان بعيدًا عن المراقبة والقيود والضوابط. 

ولن نطالب بأن تجعل هذه القيود والضوابط شرعية، بل المطلوب أن يكون النظام الاقتصادي، بل وجميع أنظمة الدولة شرعية في إطار الإسلام.

والحمد لله رب العالمين...

الرابط المختصر :