; متى يكفر المتلفظ بالشهادة أو يخرج عن الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يكفر المتلفظ بالشهادة أو يخرج عن الإسلام؟

الكاتب عبدالملك الكليب

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981

مشاهدات 68

نشر في العدد 536

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 14-يوليو-1981

وهذه المسألة من أخطر المسائل التي عرفتها في أمور الإيمان والاعتقاد، ولم أكتب فيها حتى اطمأننت تمامًا إلى موقفي منها، وأنه ولله الحمد والمنة موقف سلف هذه الأمة المتمسكين بكتاب ربهم عز وجل وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقد أخطأ في هذه المسالة بعض من ينتسب إلى العلم والفقه من أصحابنا وأرجو أن يكون خطؤهم المذكور ناتجًا عن عدم اطلاعهم عما كتبه السلف في هذه المسألة، فانتصبوا للمدافعة عن تلك الطواغيت وقضاة السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، بحجة أنهم يتلفظون بالشهادة ويصلون، وتصدوا لمن أفتى بتكفيرهم وإلحاقهم بالمرتدين، وأنكروا عليه وعلى من وافقه من المسلمين إنكارًا شديدًا، أعيذهم بالله أن يدفعهم إلى ذلك حب دنيا فانية، أو متاع زائل، أو خوف من لا يضر ولا ينفع، إلا بإذن ربه سبحانه وتعالى﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:175)، ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (النساء:109).

نواقض الدين

  • ذكر العلماء أمورًا اعتقادية وأمورًا عملية إذا ارتكبها المسلم فإنه ينتقض إسلامه ويخرج من التوحيد إلى الشرك بالله تعالى، وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب تغمده الله برحمته الواسعة عشرة نواقض لهذا الدين وهي:

الأول: الشرك في عبادة الله، قال الله تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ (النساء: 116)، و ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (المائدة: 72)، ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم كفر إجماعًا.

الثالث: من لم يكفر المشركين، أو يشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعمل به كفر.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى﴿قل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ (التوبة:65-66).

السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضی به کفر، والدليل قوله تعالى﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ (البقرة:102).

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (المائدة:51).

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر «الخروج» عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

 العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به والدليل قوله تعالى﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (السجدة:22).

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. (مجموعة التوحيد:٣٧-٣٩).

·       نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» عن الإمام إسحق بن راهويه قوله: «أجمع المسلمون أن من سب الله أو رسوله أو دفع شيئًا مما أنزل الله أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله». وعلق الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله على ذلك في كتابه: «الأجوبة النافعة في المكفرات الواقعة» بقوله: «ومعنى قول إسحق رحمه الله تعالى: أو دفع شيئا مما أنزل الله أن يدفع ويرد شيئا أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفرائض أو الواجبات والمسنونات أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابه أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه، ثم دفعه بعد ذلك، فهو كافر مرتد وإن كان مقرًا بكل ما أنزل الله من الشرع، إلا ما دفعه وأنكره لمخالفته لهواه أو عادته أو عادة أهل بلدها». انتهى.

مما يدخل في حكم المرتد

·    ونقل الشيخ حمد بن علي بن عتيق النجدي رحمه الله في كتابه «بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك» عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قوله: «ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من اتباع ما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون عاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكانوا الأمراء المطاعين ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار». انتهى. من «منهاج السنة النبوية» ذكره عند قوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة: 47) فرحمه الله وعفا عنه.

ثم قال الشيخ ابن عتيق النجدي رحمه الله تعالى: وأما كلام العلماء رحمهم الله تعالى فكثير جدًا. وقد ذكر صاحب «الإقناع» أشياء كثيرة في باب حكم المرتد وهو الذي يكفر بعد إسلامه، وقد لخصت منه مواضع يسيرة، فمن ذلك قوله: قال الشيخ أو كان مبغضا لرسوله  صلى الله عليه وسلم أو لما جاء به كفر اتفاقًا، ومنها قوله: أو جعل له بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويسألهم كفر إجماعًا، ومنه قوله: أو وُجد منه امتهان للقرآن، أي فيكفر بذلك، ومنها قوله: أو سخر بوعد الله أو وعيده أي فيكفر بذلك، ومنها قوله: أو لم يكفر من دان بغير الإسلام أو شك في كفرهم، أي فيكفر بذلك، ومنها قوله: قال الشيخ: ومن استحل الحشيشة كفر بلا نزاع، قلت: ومن استحل موالاة المشركين ومظاهرتهم وإعانتهم على المسلمين فكفره أعظم من كفر هذا، لأن تحريم ذلك أكبر وأشد من تحريم الحشيشة.

وفيها قوله: ومن سب الصحابة أو أحدًا منهم واقترن سبه بدعوى أن عليا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، ولا شك في كفر من توقف في تكفيره وقتها. وقوله: أو زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعة عشر أو أنهم فسقوا، فلا ريب أيضا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر. انتهى ملخصًا وعزاه لـ«الصارم المسلول».

ومنها قوله: ومن أنكر أن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر لقوله تعالى﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ (التوبة:40).

قلت (أي ابن عتيق): فإذا كان من جحد مدلول آية كفر ولم تنفعه الشهادتان ولا الانتساب إلى الإسلام، فما الظن بمن جحد مدلول ثلاثين آية أو أربعين، أفلا يكون كافرًا لا تنفعه الشهادتان ولا ادعاء الإسلام؟ بلى والله بلى والله ولكن نعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه.

ثم قال: وكلام العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب لا يمكن حصره حتى إن بعضهم ذكر أشياء أسهل من هذه الأمور، وحكموا على مرتكبها بالارتداد عن الإسلام، وأنه يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل مرتدًا، ولم يغسل ولم يصل عليه، ولم يدفن مع المسلمين، وهو مع ذلك يقول: لا إله إلا الله، ويفعل الأركان الخمسة، ومن له أدنى نظر واطلاع على كلام أهل العلم فلابد من أن يكون قد بلغه بعض ذلك. انتهى ملخصًا من (مجموعة التوحيد: ٤١٣-٤١٦).

وقال الحافظ ابن حجر الهيثمي رحمه الله في كتابه: «الزواجر عن اقتراف الكبائر»: «فمن أنواع الكفر والشرك أن يعزم الإنسان عليه في زمن بعيد أو قريب، أو يعلقه باللسان أو القلب على شيء، ولو كان محالًا عقليًا فيما يظهر فيكفر حالاً، أو يعتقد ما يوجبه أو يفعل أو يتلفظ بما يدل عليه، سواء أصدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء».

وفي معنى ذلك كل من فعل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان مصرح بالإسلام كالمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها، أو يلقي ورقة فيها شيء من القرآن أو فيها اسم الله تعالى في نجاسة.. أو يشك في نبوة نبي أجمع عليها، أو في إنزال كتاب كذلك كالتوراة أو الإنجيل أو زبور داود أو صحف إبراهيم عليه السلام، أو في آية من القرآن مجمع عليها، أو في تكفير كل قائل قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة، أو استحل محرمًا كذلك، كالصلاة بغير وضوء أو استحل إيذاء مسلم أو کافر ذمي بلا مسوغ شرعي بالنسبة لاعتقاده، أو حرم حلالاً كالبيع والنكاح، أو يقول: النبوة مكتسبة، أو أن رتبتها يوصل إليها بصفاء القلب، أو يقول: الولي أفضل من النبي وأنه يوحي إليه وإن لم يدع نبوة، أو يدخل الجنة قبل موته أو يعيب نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، ومثله غيره من الأنبياء بل والملائكة، أو يلعنه أو يسبه أو يستخف أو يستهزئ به، أو يلحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو فعله، أو يعرض بذلك أو يسبه بشيء عن طريق الإزراء أو التصغير لشأنه أو الغض منه، أو تمنى له معرة، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عير بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، فيكفر بواحد مما ذكر إجماعًا فيقتل ولا تقبل توبته عند أكثر العلماء، وقد قتل خالد بن الوليد رضي الله عنه من قال «عن صاحبكم»، وعد هذه الكلمة تنقيصًا له صلى الله عليه وسلم.

أو يرضى بالكفر ولو ضمنًا، كأن يشير على كافر بأن لا يسلم وإن لم يستشره، أو سؤال الكفر لغيره لأنه رضي به، أو يسخر بأمر الله أو نبيه أو وعيده، كأن يقول: لو أمرني بكذا لم أفعل، أو لو جعل القبلة هنا ما صليت إليها، أو لو أعطاني الجنة ما دخلتها استخفافًا أو عنادًا، أو يقول: لو أخذني بترك الصلاة مع ما فيّ من الشدة والمرض ظلمني، أو قال ظالم لمظلومه القائل «هذا الظلم بتقدير الله» أنا أفعل بغير تقدير الله، أو قال: لو شهد عندي ملَك أو نبي ما صدقته، أو لو كان فلان نبيًا ما آمنت به، أو قال: إن كان ما قاله النبي صدقًا نجونا، أو قيل له: قلّم أظافرك فإنه سنة قال: لا أفعل وإن كان سنة، استهزاءً، أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله لا تغني من جوع، ومثلها في سائر الأذكار كما هو ظاهر، أو قال المؤذن يكذب، أو شبه صوته بناقوس الكفر، أو استخف بالأذان أو سمى الله على محرم استهزاء، أو قال: لا أخاف القيامة، استهزاءً، أو قال عن الله إنه لا يتبع السارق ناسبًا العجز إليه، أو نسب الله تعالى إلى جو من التحريم، أو لبس زي كافر ميلاً إلى دينه. أو قال: اليهود خير من المسلمين، أو قيل له: ما الإيمان فقال لا أدري استخفافا، أو أنكر صحبة أبي بكر، أو قذف عائشة رضي الله عنها، لأنه مكذب للقرآن بخلاف غيرهما، أو قال: استخفافا: شبعت من القرآن أو الصلاة أو الذكر أو نحو ذلك، أو قال: أي شيء المحشر أو جهنم؟ أو قال: لعنة الله على كل عالم، إذا قصد الاستغراق لشموله الأنبياء والملائكة، أو قال: أي شيء هذا الشرع؟ وقصد الاستخفاف، أو قال: إذا ظهرت الربوبية زالت العبودية وعنى بذلك رفع الأحكام، أو أنه فني من صفاته الناسوتية إلى اللاهوتية، أو أنه يرى الله عياناً في الدنيا أو يكلمه شفاها، أو أنه يحل في صورة حسنة أو أنه أسقط عنه التكليف، أو قال: العبد يصل إلى الله تعالى من غير طريق العبودية، أو قال: الروح من نور الله فإذا اتصل النور بالنور اتحد. انتهى ملخصًا (الزواجر عن اقتراف الكبائر: 1/ 28-30).

  • وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن مقاتلة التتار مع تمسكهم بالشهادتين وما زعموا من اتباع أصل الإسلام فقال: «كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء، فاتفق الصحابة على القتال على «حقوق الإسلام» عملاً بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم» فعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. ثم قال في آخر الفتوى: وهؤلاء عند المحققين العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، بل هم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة.

حكم من يقنن أو يأمر بالتقنين أو يحكم بغير ما أنزل الله

·         وسئل الشيخ محمود شلتوت رحمه الله عن رجل يحكم في قضية ما حكمًا غير إسلامي هل يعتبر مرتدًا عن الدين؟ فقال

هذا السؤال لا يختص بالقاضي الذي يحكم حكمًا غير إسلامي، إنما يتناول الحكام المسلمين الذين يأمرون بتقنين أحكام غير إسلامية، والمتقننين المسلمين الذين يتولون وضع هذه الأحكام، والمتخاصمين المسلمين الذين يتحاكمون إليها ويرضون بها، بل إن حاجة هؤلاء إلى حكم الإسلام فيهم أشد من حاجة القضاة الذين يحكمون بتلك الأحكام، وخاصة من يكونون منهم في بلد إسلامي ليس لغيره عليه سلطان في تشريعه وأحكامه، وقد شاع على ألسنة كثير من المسلمين المتدينين أن القضاة الذين يحكمون بالقانون الوضعي -الذي تخالف أحكامه أحكام الإسلام- كفار مرتدون عن الإسلام، معتمدين في ذلك على ظاهر قوله تعالى من سورة المائدة﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة:47)، ويلزمهم أن يحكموا بكفر المتقننين والآمرين بالتقنين، فإن هؤلاء وإن لم يكونوا يحكمون بها، قد وضعوها بأنفسهم أو أمروا بوضعها، ولا شك أن واضعيها والآمرين بوضعها تبعتهم أشد من تبعة الحاكمين بها... ثم قال في آخر الفتوى:

وأما قوله تعالى﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(المائدة:47)، فقد جاء في قوم يملكون أنفسهم وتشريعهم ويعرفون حكم الله ويرفضونه مؤثرين عليه حكم الهوى والشهوة.

ومن جورهم يقول الله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ (المائدة:41) ويقول ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ (المائدة:49). انتهى ملخصًا من (الفتاوى: ص37-39).

  • أيجوز أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس من تشريعات أوربا الملحدة؟

وقال شارح العقيدة الطحاوية، وهو الشيخ على بن محمد بن أبي العز الحنفي: «إن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملة، وربط ذلك باعتقاد الحاكم حيث يقول: «فإنه -أي الحاكم- إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر» ذكره في (شرح العقيدة الطحاوية: ص ٣٦٣).

قلت: فهل بعد هذا من شك في كفر هذه الطواغيت وقضاة السوء الذين استهانوا بوعيد الله جل وعلا، وتركوا الحكم بما أنزل الله عمدًا، وضادوا الله عز وجل في أمره، وأشاعوا الفاحشة والخوف بين المسلمين باستبدال العقوبات الشرعية الفورية الرادعة بالعقوبات الوضعية المتراخية التنفيذ، التي لا يرتدع بلينها المجرمون، ومنعوا عن الناس حقًا عظيمًا من حقوق الإسلام وهو الحكم بالكتاب والسنة الذي هو حق خطير للمسلمين على ولاتهم؟

وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعليقًا على قول ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ﴾ (المائدة: 50): أقول: أفيجوز -مع هذا - في شرع الله أن يحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟

إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط -فيما نعلم من تاريخهم- إلا في ذلك العهد -عهد التتار- وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له بل غلب الإسلام التتار ثم مزجهم فأدخلهم في شرعه، وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبما أن هذا الحكم السيئ الجائز كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم فما أسرع مازال أثره.

أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذلك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر من القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا، أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتي عليها الزمن سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا وظلامًا منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه بذاك «الياسق» الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر.. هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا «الياسق العصري»، ويعقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم «رجعيًّا» و«جامدًا» وإلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة.

بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي يريدون تحويله إلى «ياسقهم» الجديد بالهوينى واللين تارة، وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون ولا يستحون بأنهم يعملون على فصل الدولة من الدين!

أفيجوز إذن -مع هذا- لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد أعني التشريع الجديد؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا «الياسق العصري» وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟ ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة.

القوانين الوضعية كفر بواح

  • إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر نفسه لنفسه، وكل أمرئ حسيب نفسه (انتهى من عمدة التفسير: ج ع، ص ۱۷۱-۱۷۲).

قلت: فهذا الذي تقدم عرض لما استفاض عن السلف رحمهم الله تعالى في تكفيرهم، إن دفع ما أنزل الله جل وعلا على رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كان شيئا يسيرًا، أو تركه عملًا وهو يعلم ما عليه من الوعيد، أو كم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو استحل أن يحكم بما يراه هو عدلاً، وإن كان مخالفًا لما أنزل الله تعالى، أو اعتقد أن الحكم بما أنزل الله تعالى لا يناسب هذا العصر، فكل هؤلاء كفار خارجون عن الإسلام، وإن كانوا مقرين بجميع شرائع الإسلام الباقية.

توعد الله لمن نبذ شريعته أو بعضها

وكما كفّر -بتشديد الفاء- الله عز وجل من نبذ شريعته ولم يحكم بها جملة، فقد توعد من عمل ببعضها وأهمل أو تثاقل عن العمل بالبعض الآخر بخزي الدنيا وأشد عذاب الآخرة، قال الله جل وعلا﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (البقرة –٨٥-٨٦).

ففي الآيتين الكريمتين توعد وإنكار شديدان من الله جلت قدرته من يخالف أوامره، فيؤمن ببعض الشريعة ويعمل به، ويكفر ببعضها الآخر فيعطله ويهمله، فتوعده ربنا تبارك وتعال بخزي في الحياة الدنيا وبعذاب غليظ يوم القيامة، وما ذلك إلا لأنهم استحبوا الحياة الدنيا، واستهانوا بالله الواحد القهار ومضادته ودفع ما أنزل سبحانه.

فإن كان هذا الوعيد الشديد فيمن عطل بعض الشريعة ولم يعمل به، فما بالك بمن عطل الشريعة كلها ونبذها وراء ظهره، وآثر ضلالات العباد وأهواءهم على شرعة رب العباد الذي إليه المرد سبحانه وإلى ناره أو جنته.

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (النساء:41-42).

الرابط المختصر :