; من الحياة: من صور الوفاء في حياة الناس | مجلة المجتمع

العنوان من الحياة: من صور الوفاء في حياة الناس

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009

مشاهدات 71

نشر في العدد 1870

نشر في الصفحة 56

السبت 19-سبتمبر-2009

حقيقة يجب أن يعلمها الجميع، مفادها أنه لن يصل المسلم إلى الإيمان ولن يترقى في هذه درجاته إلا إذا كان وفيا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أَحلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحلَى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (المائدة:1)، لذا فقد أثنى رب العزة سبحانه على هؤلاء المؤمنين فقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رجَالَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23).

وما أكثر التوجيهات القرآنية، مثل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (البقرة: ٤٠). كما روي عن رسول الله أنه قال: «ولا دين لمن لا عهد له» (رواه أحمد).

أجل، إن الوفاء من أعظم صفات الكرام، وهي سمة من سمات العظماء، وبه تأتلف القلوب ولا تتنافر، فهو - فوق أنه من أسس الدين – صفة إنسانية عظيمة، من فقدها فقد إنسانيته.

وفي المقال الماضي حاولت أن ألتقط صورًا من وفاء سيد الأوفياء محمد صلى الله عليه وسلم، ولرُبَّ قارئ يقول: هذا هو الرسول ، فكيف بنا أن نبلغ درجات الرسل والأنبياء في الوفاء؟! لذا أردت أن التقط في المقال الحالي بعض صور الوفاء لبشر ليسوا بأنبياء، عسى أن تتحرك القلوب، وتقوى العزائم، ونجدد العهد على الوفاء مع الله ثم مع أنفسنا، ومع الآخرين وفيما يلي بعض صور الوفاء في حياة البشر من عصور شتى وأزمنة متباينة.

 أولًا- وفاء السموال مع امرئ القيس:

فقد عظم حال السموال من كثرة ما التزم به من الوفاء بدروع امرئ القيس، وهذا يؤكد أن الوفاء قيمة عربية عظيمة، شاعت في الجاهلية، ثم جاء الإسلام فأقرها وأكدها وقواها ونماها. بيد أن الوفاء قليل في الناس وقد ذم رب العزة سبحانه ذلك وأخبر به، قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ (الأعراف: ۱۰۲)

بل إن العرب ضربوا به المثل في العزة، واستدلوا على عزة الرجل وعلو هامته بوفائه، فمن أقوال العرب في وصف شخص ما: «فلان أعز من الوفاء».

ثانيًا- وفاء أنس بن النضر رضي الله عنه:

من رواية أنس بن مالك قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن قتال «بدر» فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين!! لئن أشهدني الله مع النبي قتال المشركين لَيَرَيَنَّ ما أصنع!!

فلما كان يوم «أحد» انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر!! إني لأجد ريحها من دون أحد!!

قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، ثم تقدم، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ما بين ضربة بالسيف، وطعنة بالرمح، ورمية بسهم، ووجدناه وقد مثل به المشركون، فما عرفه إلا أخته، بشامة فيه أو ببنانه.

قال أنس: كنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رجَالَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23).

ثالثًا- وفاء الأنصار:

إن وفاء الأنصار رضي الله عنهم لعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم من أعظم صور الوفاء في تاريخ البشرية، ومن الأدلة الساطعة القاطعة على تجردهم لله عز وجل، والتضحية من أجل الحق.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في هذا عن عهد الأنصار: «وقد تم في ليلة رائعة من موسم الحج، وعاد الناس بعدها يعالجون شؤونهم المختلفة، غير أن تبعات هذا العهد لزمت أصحابه، فقبلوها عن سماحة وطواعية، وقدموا دماءهم سهلة في معركة «بدر» وما أعقبها من قتال بين الإسلام والوثنية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأزمات العضوض - يعتمد على هذا الإرث بعد الله سبحانه وتعالى - لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله، فلما انكشف المسلمون في الجولة الأولى من معركة «حنين».. أهمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجموع الكثيرة التي دخلت بعد في الإسلام، وصاح بالأوفياء الذين بايعوه في العقبة ليلة الموسم، لينقذوا الموقف» (الغزالي: خلق المسلم، ص ٥٢).

عن أنس قال: «لما كان يوم حنين أقبلت «هوازن» و«غطفان» وغيرهم بذراريهم ونعمهم، ومع رسول الله يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده..!!

فنادى يومئذ نداءين، لم يخلط بينهما شيئًا، التفت عن يمينه وقال: «يا معشر الأنصار فقالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل، فقال: أنا عبد الله ورسوله»، فانهزم المشركون، وأصاب غنائم كثيرة، فقسمها بين المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار منها شيئًا، فقالوا: إذا كانت الشدة فنحن نُدعى ويُغطى الغنائم غيرنا؟! فبلغه ذلك فجمعهم، وقال: «يا معشر الأنصار، ما من شيء بلغني عنكم؟» فسكتوا. فقال: «يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم تحوزونه إلى بيوتكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله رضينا، فقال رسول الله : «لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار» (رواه البخاري).

هكذا كان الأنصار أوفياء، يفتدون عهدهم برقابهم وأرواحهم ودمائهم، لا تشغلهم مارب أخرى زائلة، وقد وزع الغنائم حينذاك على أساس تقديره لإيمان الأنصار وإخلاصهم، وتأليف قلوب الأعراب وتعويض المهاجرين الفقراء، وقد قال في مثل هذه الحالات: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله في النار» (رواه البخاري).

 رابعًا- وفاء المسلمين مع أهل حمص:

هل تعرف عزيزي القارئ كيف دخل أهل حمص ببلاد الشام الإسلام؟ إنها قصة وفاء!! لقد فتح المسلمون كثيرًا من بلاد الشام، ودعوا أهل حمص - وكانوا نصارى آنذاك - إلى دخول الإسلام، فرفضوا وقبلوا دفع الجزية للمسلمين مقابل أن يدافع المسلمون عنهم وعن مدينتهم، ولكن الرومان أعادوا ترتيب صفوفهم، وتقوية عتادهم لحرب المسلمين، فرأى المسلمون بمدينة حمص أن يتركوا المدينة وينضموا إلى بقية الجيش الإسلامي في غيرها من بلاد الشام، ولما هموا بذلك وعزموا ردوا على أهل حمص أموال الجزية، فتعجب أهل حمص وسألوهم: لماذا رددتم الأموال؟ فأجابهم المسلمون بأنهم غير قادرين على حمايتهم، وما داموا كذلك - وقد أخذوا هذه الأموال مقابل حمايتهم - لذا يجب رد أموالهم، فاستشعر أهل حمص وفاء المسلمين، وسمو أخلاقهم، وعظمة دينهم، فدخلوا في دين الله، وبقيت قوات المسلمين معهم، تدافع عنهم، وتمنع عنهم أذى الرومان!!

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد 

الرابط المختصر :