العنوان الإدارة وخلق التقوى في ضوء القرآن والسنة (٢)- التقوى في السنة النبوية
الكاتب د. نورالله كورت
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2012
مشاهدات 54
نشر في العدد 2033
نشر في الصفحة 50
السبت 29-ديسمبر-2012
- الطريق إلى التقوى يصلح القلب وصلاح القلب تتحقق به الأعمال.
- لماذا نرى اليوم أمة المتقين هي الأمة المتخلفة خاصة في العمل الإداري بينما نرى أمة المستكبرين والفاسقين هي القوية المتقدمة والناجحة في مختلف المجالات ؟!
- هؤلاء الذين يعرفون عند الناس بالمتقين هل استكملوا صفات المتقين؟ وهل يتقون الله حق تقاته ؟
- سردار ديميرل
في السيرة النبوية الكثير من الأحاديث التي تتحدث عن التقوى نذكر منها: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قَالَ: «قَالَ رَسُول الله المسلم أخو المسلم لا يُظْلَمُهُ وَلَا يخذله وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثلاث مرات - «بِحَسْبِ امْرِي مِنَ الشَّرِّ أَنْ يحقر أخاه المسلم كل المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه» (1)
(أخرج الترمذي عن أبي هريرة) قال: قال رسول الله: «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه التقوى هاهنا بحسب امرئ من الشر أن يحتقر أخاه المسلم(2)»
قال الإمام النووي شارحًا قوله صلى الله عليه وسلم التَّقْوَى هَاهُنَا: «أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته» (3)
ومن هنا يفهم أن التقوى ملكة ينبع منها سلوك، وطريق يحصل بهما صلاح القلب لأن الطريق إلى التقوى يصلح القلب، وصلاح القلب تحصل به الأعمال، وكلما ازداد صلاح الأعمال، ازداد صلاح القلب، لأن الأعمال جنود مطاعون للقلب.
ويقول د. مصطفى محمد السيد أبي عمارة، شارحًا الحديث السابق: ولما كان صلاح القلب واستقامته من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها المرء، فقد ذكر العلماء أن ما به صلاح القلب سبعة أشياء وهي:
- الإيمان بالله وأسمائه وصفاته.
- تصديق رسله بما جاؤوا به.
- تدبر القرآن الكريم عند قراءته.
- خلو الجوف عدم امتلاء البطن.
- التضرع عند وقت السحر، وقيام الليل.
- مجالسة الصالحين.
- تحري أكل الحلال واجتناب الحرام والشبهات (4).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه: «لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانَهُ، وَلَا يَدْخُلُ رَجُل الجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»
وإذا كانت هذه هي التقوى، وهذه حال المتقين، وهذه صفاتهم، وهذه هي الأهمية الكبرى للتقوى في مجال نجاح كل عمل لوجه الله، ومن ضمنها العمل الإداري فقد يسأل سائل لماذا نرى اليوم أمة المتقين هي الأمة المتخلفة خاصة في العمل الإداري بوجه عام، بينما نرى أمة الظالمين والطواغيت المستكبرين والفاسقين هي الغالبة العالية القوية المتقدمة والناجحة في مختلف المجالات بما فيها المجال الإداري فما السبب وراء ذلك؟ وما الحكمة؟ وقبل أن نجيب عن السؤال يجب أن نعترف بأنه سؤال حق وواقعي، وإذا أردنا أن نجيب عنه نقول:
أولًا: إن الفترة التي يعيشها المتقون اليوم على وجه الأرض، إنما هي فترة امتحان بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد: 31)، ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3).
ثانيًا: هؤلاء الذين يعرفون بالمتقين هل استكملوا صفات المتقين؟ هل يتقون الله حق تقاته؟
ثالثًا: هؤلاء المتقون، أو الذين يسميهم الناس متقين هل أدوا واجبهم نحو كتاب الله. ونحو سنة رسوله، ونحو المجتمع الإنساني فضلًا عن المجتمع الإسلامي؟ فلننظر بالمنظار القرآني، ومن ثم لنحكم عليهم بالصفة اللائقة بهم، فلا عبرة لما يقوله الناس، ولكن العبرة لما يقوله رب الناس.
رابعًا: يجب أن يعلم هؤلاء المتقون، أن هذه الفترة الامتحانية هي بذاتها ستقرر مصيرهم. ومصير الطغاة، وستأتي بالوعد الذي قطعه الله على نفسه لعباده المؤمنين المستضعفين في الأرض، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5)، وليعلموا جيداً أنهم هم المنصورون، وأنهم هم الغالبون في نهاية المطاف إن كانوا فعلا عبادا لله لا لأي شيء آخر فقط لأنهم أخلصوا العمل لوجه الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ (الصافات:172) وأخيراً، فليعلم كل من له أدنى إنصاف وأدنى معرفة بسنن الله سبحانه وتعالى في الكون، وفي جريان الأمور أن هذه المرحلة. مرحلة تمييز، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 179)
ومن ناحية أخرى، هناك شروط أخرى بالإضافة إلى ما سبق لانتصار الأمة الإسلامية والوصول إلى مدارج الإدارة المنشودة في ظلال الحياة الإسلامية، يجب توافرها كاملا في العاملين في حقل الإدارة إدارة شؤون الأمة الإسلامية، إدارة قيادة الجيش الإسلامي إدارة تنفيذ الأحكام الشرعية إدارة كل ما من شأنه الحاجة إلى إدارة وتدبير، وهذه الشروط هي:
الاتحاد: قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46 ).
الاعتماد على الله وحده قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5).
الالتفاف حول القائد، وطاعته في الخير: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59)، أي منكم أيها المؤمنون، لا من غيركم وإلا فلا طاعة له، لقوله: «السمع وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أَمر بمعصية فَلا سَمْعَ وَلا طاعة(6) وقوله: إنما الطاعة في المعروف» (7) .
الإخلاص في العمل: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ (محمد:7).
تحقيق الأمة الإسلامية - حال انتصارها إن شاء الله الأهداف العامة للإسلام.
أن يتصف كل فرد بصفات شخصية معينة مذكورة في كثير من الآيات القرآنية ومن هنا يجب أن تدرك الأمة جيدًا أنه لا يمكن انتصارها على أعدائها إداريًا وسياسيًا واقتصادًيا وحربيًا وأخلاقيًا طالمًا أنها لم تستكمل أسباب النصر، ووسائله وشروطه، ولعل ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من ضعف، وهوان على الناس إن هو إلا النتيجة الطبيعية لعدم وفائها بما هو مطلوب منها في حقل العمل الإسلامي بكل أشكاله وأبعاده، وإلا فما معنى قوله في الحديث الذي أخرجه (أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس) أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ الصَّحَابَة أربعة، وخير السرايا أربع مائة وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قَلَّة(8)».
وواضح أن كون اثنا عشر ألفًا من الجنود لن يغلب من قلة، إنما يتطلب أن يكونوا على أتم استعداد للطريق، وأتم استكمال للشروط والوسائل والأسباب، وإلا فليس من المعقول أن يقف اثنا عشر ألفا من المسلمين ضد ملايين الكفار والمنافقين غير آخذين بالأسباب اللازمة، ثم ينتصرون عليهم بسهولة، أما إذا أخذ المسلمون بالأسباب اللازمة، ووقوا بالشروط المطلوبة فإن غلبتهم على أعدائهم أمر لا ريب فيه، ولعله من هذا المنطلق، كما يقول الدكتور يوسف القرضاوي كان الإمام الشهيد حسن البنا يقول لتلاميذه: ائتوني باثني عشر ألف مؤمن، وأنا أقتحم بهم الجبال وأخوض بهم لجج البحار، وأفتح بهم الأقطار(9).
الهوامش:
- صحيح مسلم، كتاب البر والصلة جزء: ۸، ص: ۱۰.
- سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون كتاب البر والصلة، باب شفقة المسلم على المسلم، ج: ٤، ص: ٣٢٥.
- شرح النووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية ۱۳۹۲، جزء ١٦، ص ۱۲۱
- مصطفى محمد السيد أبي عمارة الإنارة في أحاديث مختارة من صحيح الإمام مسلم مكتبة وهبة، الطبعة الأولى القاهرة ۱۹۹۰، ص: ۳۹.
- مسند أحمد كتاب باقي مسند المكثرين، مسند أنس بن مالك جزء، ص ۱۹۸
- ابن بطال شرح صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير باب السمع والطاعة للإمام ما لم يأمر بمعصية، ج ۵، ص: ١٣٦. (۷) ابن بطال المرجع السابق كتاب الأحكام، باب عزم الإمام على الناس فيما يطيقون، ج ۵، ص: ۱۳۳
- سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد دار الفكر بيروت دت كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، ج: ۲، ص: ٢٦. - الحاكم أبي عبدالله، المستدرك على الصحيحين دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ كتاب الجهاد، ج: ۲.ص: ۱۰۱.
- يوسف القرضاوي، أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، مكتبة وهبة الطبعة الثانية، القاهرة، ۱۹۹۱، ص ٧٤.
(*) أستاذ مشارك بالجامعة التكنولوجية الماليزية.
(**) أستاذ مساعد بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.