العنوان قربات.. قبل رمضان
الكاتب نبيل جلهوم
تاريخ النشر السبت 23-يوليو-2011
مشاهدات 76
نشر في العدد 1962
نشر في الصفحة 46
السبت 23-يوليو-2011
إنه من كرم الله تعالى على أمة المصطفى حبيبه وحبيبنا محمد أنه يفتح دائمًا وباستمرار، وعلى مدار الأيام والشهور والأزمان بفواتح كلها خير، ومعها الخير وفي جملتها السعادة والقرب من رب كريم لا يرضى لعباده إلا أن يتفضل عليهم دائمًا يكرم منه وزيادة.. فالحمد لله الذي جعل لنا نفحات نتعرض لها من الجود والمكرمات من رب العطاء والخيرات.
فصلوات خمس على مدار اليوم كفارة لما بينهن.. ونوافل ثنتي عشرة نبني بها في الجنة قصرًا.. وصيام نوافل من الأسبوع تقي حرارة جهنم وظمأها.. وحج ليس له جزاء إلا الجنة.. وصيام رمضان شهرًا.. وقد أخبر أن من صامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ولم لا؟ وهو الذي خلق فسوى وقدر فهدي وأعطى ورزق وشرقنًا بأن جعلنا له عبادًا ولجلاله عبادًا.. فالحمد لله الذي به وبنعمته تتم الصالحات، والذي تفضل علينا بكثير النفحات.
اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان، اللهم بلغنا رمضان.
استعداد يليق بالمقام
ولعل شهرًا كرمضان بعظمته وخيراته الفرصة كبيرة تتطلب من العاقل أن يستعد له قبل هلاله وتشريفه فنعم الضيف هو.. يستحق من الآن شهدًا للهمم فهو الذي خصصه المولى بقوله في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أجزي به.
التعرف على الله
ومن مظاهر الاستعداد للشهر الكريم حسن التعرف على الله ومعرفته حق المعرفة، وعقد النية وتجديدها باستمرار لله وحده لا شريك له في كل الأعمال صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها.
فالقلب الذي يعرف صاحبه الله هو قلب يحمل نورًا يشع به عليه، ويدفعه لكل خير وفائدة.. فصلاح قلب العبد يجعل الصلاح العام ثمرة حتمية لسائر جسده، فتتجمل الأخلاق وتنهض السلوكيات فيكون المرء مميزًا متميزًا.
فتجده في مطعمه ومشربه لا يأكل ولا يشرب إلا الحلال الطيب، ويده لا تعتد إلى الرشوة والاختلاس ولا السرقة والنهب لإيمانه بأنه من ثبت لحمه من حرام فالنار أولى به كما أن الرجله خاصية الصالحين فلا يمشي بها لمنكر، ولا يسعى بها لشر ولا يحركها إلا لإرضاء خالقه ومولاه، فمعرفته لله معرفة حقة جعلته ربانيًا الله ينتسب ولله يعمل والمرضاته يسعى ولوجهته وحده يولي.
كتابة الوصية.. مدونة بتفاصيل وأخبار دقيقة عن حقوق العباد وحقوقنا لديهم نتعاهد مع ربنا على بذل كل جهد في الذكر وقراءة القرآن والإحسان.
اتباع الرسول ومحبته
وإتباع الرسول ﷺ ومحبته أيضًا هي من وسائل الاستعداد لرمضان الخير.. وذلك بمذاكرة ما كان يفعله في رمضان وقبل رمضان.. فتتخلق بخلقه، ونتأدب بأدبه وتتعلم بعلمه وتنتهج نهجه وتعمل لدينه ودعوته، وتبذل الخير للناس كما كان يبذله بنفسه، ونحب الأوطان كما كان يحب ويحن لوطنه، وتكثر من الصلاة عليه طمعًا في شفاعته صلى عليه ربي.. محمد وآله وصحية.
المحاسبة
فرمضان الخير يتطلب من الآن جلسات للمحاسبة قبل أن يأتي ويرحل، فالمسلم إذا أراد أن يحيا حياة الصالحين الربانيين، وجب عليه دائمًا محاسبة نفسه حسابًا شديدًا، ليجعل من المحاسبة الدواء من كل داء، والشفاء من كل سقم وبلاء، ويطهر بها بدنه، ويرفع بها قدره وشأنه، ويسعد بها نفسه وغيره.
فليكن كلنا محاسبًا لنفسه نهاية يومه، ولتكن لنا ساعة نحاسب أنفسنا فيها على ما أحسنت فيه طوال يومها وعلى ما فرطت فيه، فإن وجدناها أحسنت سجدنا لربنا شاكرين حسنًا وإحسانًا زائدا منه طالبين.
وإن وجدناها قصرت انينا لربنا بذل وسؤال مستغفرين منيبين راجعين وراجين روى الإمام أحمد في كتاب الزهد، عن عمر بن الخطاب يرى أنه قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتجهزوا للعرض ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ﴿١٨﴾﴾ (الحاقة).
ونقل ابن القيم عن الحسن أنه قال: المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، وقال وهب فيما ذكره الإمام أحمد -يرحمه الله-: مكتوب في حكمة آل داود حق على العاقل ان لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات وإجمامًا للقلوب.. وهناك بعض الثمار العظيمة التي يقطفها المحاسب نفسه منها:
- التعرف على عيوب النفس مما يساعد المساعدة على الخوف والمراقبة لله في تلافيها بصدق، الوصول الحي إلى الله بذل وإنكار وإنكسارالفوز بجنات الله.
لزوم الاستقامة
فاستقامة النفس تثمر سمو الروح، قال تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ﴿١١٢﴾﴾ (هود).
وقال: «قل أمنت بالله ثم استقم» (رواهم سلم).
طهارة القلب
فلا ينام أحدنا وفي قلبه شيء من بغض أو حقد أو حسد لأحد من إخوانه المسلمين، فذلك كفيل بدخول الجنة.. وكلنا يعلم قصة عبد الله بن عمرو بن العاص مع سعد بن أبي وقاص، وسبب تبشير النبي محمد ﷺ له بالجنة من أنه كان لا ينام وفي قلبه ضغينة على أحد من المسلمين.
كتابة الوصية
فلتكن وصيتنا دائمًا مدونة ومسجلة بتفاصيل وأخبار دقيقة، ولنحرص على تسجيل حقوق العباد فيها من التزامات مالية أو غيرها وكذلك تسجيل حقوقنًا لدى العباد ولا تنسى أن تدون في وصيتنا أن ندفن مع الصالحين، وألا يقام حال وفاتنا ما يغضب الله رب العالمين كما يجب أن تدرب زوجاتنا وأبنائنا على مثل ذلك السلوك، ولتكن الوصية في مكان بالدار معروف لأهلنا من الزوجة والأولاد أو الأم والوالد والأشقاء، والحرص على عدم نسيان شيء في الوصية.
تذكر الموت
من تذكر باستمرار لحظات الاحتضار وخروج الروح إلى بارئها العزيز الغفار وأنه قد لا يأتي علينا رمضان القادم، فكثير ممن كنا نحبهم فقدناهم في رمضان وقبل رمضان فلحظات الرحيل عن الدنيا هي لحظات من وقتها يتحدد للمرء المصير إما إلى جنة - لاحرمنا الله والمسلمين منها -أو إلى نار- أعاذنا الله والمسلمين منها. استعداد بأخذ العهد بأن تتعاهد مع أنفسنا وربنا بأن نبذل في رمضان - إذا بلغنا ربنا إياه - كل جهد في الذكر وقراءة القرآن والإحسان وتغيير النفس إلى الأحسن مما هي عليه الآن، وتنمية وتطوير العلاقة بيننا وبين ربنا، وبيننا وبين رسولنا وحبيبنا، وبيننا وبين زوجاتنا وأبنائنا، وبيننا وبين الدنيا كلها.
كثرة الذكر
فرمضان الخير يتطلب أن تتدرب من الآن على كثرة الذكر، وأن تتذكر دائمًا أن مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر، كمثل الحي والميت، وأن الذكر يزيل الوحشة بين العبد وربه قال رسول الله إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن أفلا يحب أحدكم أن يكون له مما يذكر به.. وأن الجميل في الذكر أن الإكثار منه والدوام عليه ينوب عن التطوعات الكثيرة التي تستغرق الجهد والوقت، كما أن الذكر يعطي قوة في القلب وقوة في البدن ومن أجمل الأمور في الذكر والإكثار منه هو أن شواهد الله في أرضه تشهد له، فالذي يذكر الله في قمة الجبل أو في الطريق أو في السيارة أو في البيت أو على الكرسي أو على الأرض قائمًا كان أو قاعدًا أو مضطجعًا على جنبه.. كل هذه البقاع والأماكن تشهد له عند الله.
جاء في الحديث أن رسول الله : قرأ هذه الآيه ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا ﴿٤﴾﴾ (الزلزلة).
قال: أتدرون ما أخبارها، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول عملت على كذا يوم كذا وكذا.
التدرب على التقوى
بأن نسلك كل السبل والوسائل لتنمية وتقوية التقوى في نفوسنا وأعمالنا وذواتنا فهي دعوة الله للأنبياء جميعًا، وقد قال فيها أمير المؤمنين على بن أبي طالب عندما سئل عن التقوى ما التقوى يا إمام؟ فقال هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.
التوبة
بأن تسارع إلى الثوية وطلب المغفرة من الله ونسأله أن يتوب علينا توبة نصوحًا، وأن يلحقنا بركب أصحاب الهمم المخلصين المعتدلين.. العاملين لدينه المحبين لأوليائه المتعاونين على البر والتقوى ونشر الخير للناس كافة الشرفاء المخلصين لدينهم والمحبين لأوطانهم حبًا هو في حقيقته أحب إليهم من أنفسهم.
وأسوتنا في ذلك نبينا وقدوتنا سيدنا محمد الذي كان يستغفر ويتوب إلى ربه وخالقه سبعين أو مائة مرة في يومه.. وهو من هو؟ وقد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر.
بقيت أيام من شعبان.. فهل نغتنمها؟
«عصمت عمر»
أيام قلائل ويودعنا شهر شعبان المستقبل شهر القرآن شهر رمضان، فهل نفتنم تلك الأيام في الطاعات استعدادًا للشهر الكريم، وطوبي لمن اتبع الهدي النبوي وأكثر من الصيام في هذا الشهر الكريم فكما هو معلوم كان رسول الله يكثر من الصوم في شهر شعبان، فقد حدث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه قال: «قُلْتُ: يَا رَسُول الله لم أرك تصُومُ شَهْرًا من الشهور ما تصوم الناس من شعبان قال ذلك شهر عنه بين يغفل رجب ورمضان، وَهُوَ وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين: فاحب أن يُرفع عملي وأنا صائم» (رواه النسائي وحسنه الألباني) فاشتمل الحديث على سببين لإكثارالنبي الصوم في شعبان:
السبب الأول: أنه شهر يغفل عن الصوم في والشاهد هنا أن العبادة في وقت الغفلة لها مكانتها ويزداد أجرهًا إذا عظمت غفلة الناس عنها، وهذا أمر مشاهد فأكثر الناس على صنفين صنف انصرفوا إلى شهر رجب وأحدثوا فيه من البدع والخرافات ما جعلهم يعظمونه أكثر من شعبان الصنف الآخر لا يعرفون العبادة إلا في رمضان.
السبب الثاني
أنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، والأعمال ترفع كل يوم وكل عام، ففي شعبان ترفع الأعمال كل يوم كما أخبر نبينا، ولله در القائل: مضى رجب وما أحسنت فيه وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلًا بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسرًا ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم فخير ذوي الجرائم من تدارك ونشير هنا إلى تلك البدعة التي دأب عدد من المسلمين على سلوكها مع منتصف شعبان من كل عام، وهي تخصيص تلك الليلة بأدعية وصلاة، وتلك بدعة والواجب هو الإكثار من الطاعات في هذا الشهر الكريم وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -يرحمه الله- عن ليلة النصف من شعبان، وهل لها صلاة خاصة؟ فأجاب ليلة النصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح.. كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة وضعيفة لا أصل لها.
وهي ليلة ليس لها خصوصية لا قراءة ولا صلاة خاصة ولا جماعة.. وما قاله بعض العلماء أن لها خصوصية فهو قول ضعيف فلا يجوز أن تخص بشيء.. هذا هو الصواب وبالله التوفيق ومن الأحكام التي تحتاج إلى التعرف عليها إذا أوشك شعبان على الانتهاء، أن النبي نهى عن صوم يوم الشك، وهو الثلاثين من شعبان، قال عمار من: «من صَامَ يَوْمَ الشَّكَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» (رواه البخاري).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل