العنوان الموهبة في العمل الجماعي بين مكاسب الجماعة وفتنة اأافراد (2-2).. تقدير المواهب
الكاتب حامد محمد إدريس
تاريخ النشر السبت 30-يونيو-2012
مشاهدات 70
نشر في العدد 2009
نشر في الصفحة 42
السبت 30-يونيو-2012
الموهوبون أفادوا الأمة بإبداعاتهم العلمية المفيدة وابتكاراتهم المقدرة .. فعلت منزلتهم وذاع صيتهم
الجماعات تحتفي بـ موهوبيها» مثلما كانت تفعل قبائل العرب في الجاهلية حين يولد فيها شاعر نابغ
يجب أن يعلم أصحاب المواهب أن النشاط الفردي يعد جزءا غير قادر على إحداث تغيير في المجتمع دون مساندة العمل الجماعي
التاريخ الإسلامي خلد أصحاب المواهب النافعة من أئمة الدين والفكر وأعطاهم منزلة لم يعطيها للحكام
هناك إسلاميون ذوو مواهب كانوا دعاة مهديين وإداريين مقتدرين وكتابا مرموقين وشعراء وأدباء أصحاب شأن عظيم .. ثم فتنتهم الموهبة فانعزلوا عن الجماعة وشكلوا لأنفسهم دوائر ضيقة
إن أول ميدان تظهر فيه مواهب الموهوبين هو محيط التنظيم من خلال آليات التعبير عن الفكر والإبداع وتنمية الثقافة كالاجتماعات والمناسبات الثقافية والأمسيات والمهرجانات وتبادل الخبرات والمعارف، فالموهبة تستجيب لتحريض الجمهور المتلقي فتبدع إبداعا يرضي رغبته ويخدم رسالته، فقصائد المجاهدين وأناشيدهم التي تمجد الشهداء ووقائع المجاهدين وبطولاتهم، كما تحرض على الجهاد اقتداء بالشهداء وحملاً لرايتهم؛ عوامل ناجعة في إثارة المواهب وتحريضها.
وإن ظهور موهبة الشخص في العمل الإداري تخطيطا وتنفيذا ورقابة في العمل التنظيمي يجعله مؤهلا للقيام بالمهام الإدارية في أي موقع قيادي.. والحركة الإسلامية ليست عقيمة، فقد أنجبت كثيراً من القادة المؤهلين الإداريين والعسكريين، وكثير من المواهب المدعومة والمحفزة التي تحولت إلى مهن ذات نفع مجد كالأطباء والمهندسين والدعاة والشعراء والكتاب والصحفيين والمعلمين والإداريين والفنيين.
تحفيز وتشجيع
يعمل التنظيم - أراد أو لم يرد على تحفيز الموهوب، وإن هذا التحفيز يأخذ صورا عديدة حسب نوع الموهبة لدى الشخص المعني، فقد يتقلد موقعا إداريا، أو يمنح فرص مخاطبة الجمهور بصورة دائمة، أو يعين ممثلا للتنظيم في وظائف ذات طابع كسبي مادي أو معنوي، أو تعقد ندوات لمناقشة إبداعاته والإشادة بها.. فإن مثل هذه العوامل تعد محفزا للموهوب، تدفع به نحو الإبداع الأعظم، وكل ذلك كان - ومازال - معمولا به في العمل الإسلامي الجماعي بصورة مقدرة ربما لم تبلغ الدرجة القصوى لكنها موجودة على كل حال.
مكانة الموهوب
وإن ذلك يدل على علو مكانة الموهوب لدى الجماعة، كما يدل على الاحترام العميق الذي تكنه الجماعة للشخص الموهوب، والتقدير الذي تعطيه لما لديه من مواهب خادمة لأهداف التنظيم خاصة أو مصالح المجتمع عامة.
لقد حضرت مناسبات عديدة للعمل الإسلامي احتشدت لها الجماهير وتابعت فقراتها برضا وانشراح، وما ذلك إلا لوجود مواهب مبدعة شعراً وإنشاداً ونثراً وخطاباً وفكرا وتحليلا، وكم رأيت الأعناق تشرئب لسماع محاضرة من شيخ أو قصيدة من شاعر أو نشيد من فرقة أو تحليلا من مفكر وكاتب، وكم هيج الموهوبون مشاعر الجماعة بشعارات حماسية وعواطف فياضة وتحليل منطقي، وكم أفادوا الأمة بإبداعاتهم العلمية المفيدة وابتكاراتهم المقدرة فعلت منزلة ذوي المواهب لدى الجماعة، وسمت مكانتهم وذاع صيتهم لاحتفاء الجماعة بهم وبمواهبهم.
مثل ما كانت تفعل قبائل العرب في الجاهلية حين يولد فيها شاعر نابغ، ومثل ما كان يفعله المسلمون عبر تاريخهم إجلالاً لأصحاب المواهب النافعة.. فقد أعطى هذا التاريخ المجيد مراتب عالية لأئمة الدين والفكر والمواهب، لم يعطها لأهل السلطان والولاية فقد تبوأ أصحاب المواهب المختلفة مكانا في قلوب المسلمين فخلد ذكرهم الطيب بخلاف غيرهم من الخاملين العاطلين عن المواهب.
فتنة الموهبة
ما لي أرى - بين فترة وأخرى - أفراداً إسلاميين ذوي مواهب كانوا في عمل عام دعاة مهديين وقادة ربانيين وإداريين مقتدرين وكتابا مرموقين وشعراء وأدباء أصحاب شأن عظيم.. ثم تذهب بهم مواهبهم - مفتونين بها - بعيدا عن الجماعة، مشكلين لأنفسهم دوائر ضيقة تظهر على شكل مؤسسات خيرية أو جمعيات خدمية أو مدارس تعليمية أو مواقع - إعلامية أو تكتلات قبلية متناطحة، أو على أفضل الفروض أنها نبات غير طبيعي وغير متعاون.. تأخذهم هذه المواهب الفتنة بعيدا عن الجماعة العامة، وتزين لهم ما هم فيه من مكاسب «خيرية مادية ومعنوية، ويعادون العمل العام الذي كانوا جزءا منه تنكرا لفضل الجماعة عليهم، أو حرصاً على هذه المكاسب الفردية، متناسين أنها ما أنت إليهم إلا من بركات الجماعة وما وجدوا من نصيب داعم إلا كان تقليصاً من خزينة الجماعة، لكونهم لا يتحركون إلا في ميدانها وليسوا على قدرة لاكتشاف غيره.
والعاقل لا يتجاهل حقيقة ساطعة أن الفرد يظل مغمورا ثم ينتظم في الجماعة فيصبح رائدا أو شاعرا أو مديرا أو كاتبا أو عالماً أو فقيها.. فأي بركة فيك يا جماعة؟! وأي موتور هذا الذي رضع من ثديك ثم كافأك بالتنكر والعقوق؟!
لم يكن للفرد قيمة ولا لموهبته مكانة إلا عندما ينضم للجماعة فيولد من جديد لأنها تكتشف موهبته وتنمي قدراته وتنبهر لإبداعاته وتتأسى بإنجازاته، وتتخذه مثلاً يحتذى به ونورا يستضاء به، فمتى تخلى عن الجماعة وانزوى ذهبت البركة عنه وانطمس الضياء فيه، وأصبحت حركته في محيط خاص وظلت مواهبه محصورة في دائرة ضيقة، وظل عرضة لحديث الناس سلبا بعد أن كان قدوة لهم في الخير مبجلا، وكثيرة هي النماذج التي يذكرها العمل الإسلامي الجماعي التي تعالت على الجماعة، وفتنت بمواهبها، وما تحقق لها من مكاسب فتشبثت بما هو ضيق على ما هو واسع، وبما هو خاص على ما هو عام، وما يجلب المصلحة الفردية على ما يفيد الجماعة الخاصة والوطن العام، فبناء على هذا أنشئت كيانات تحت راية قبائل أو عشائر أو ظاهرة الفرد المتعاظم (المستقل)، وكلهم جعل غايته الانتفاع من الموهبة والقدرات الخاصة به، وإن ذلك مما يوهن الجماعة العامة والعمل العام ومما يقتل الموهبة نفسها لدى صاحبها، وهو أمر مخالف لسنة الإسلام التي تفرض تجميع المواهب في صف واحد - حقيقة أو مجازا وتوجهها وتسخرها، لتحقيق الأهداف العامة التي يكون لكل فرد من المجتمع نصيب منها نافع وكاف.
مشهد ختامي
من المفيد في العمل الإسلامي الخدمي والمدني أن تتعدد أوعيته على شكل مؤسسات وجمعيات ومدارس، وأن يكون لهذه الأوعية منابر تعبير من مجلات وجرائد ومواقع الإنترنت ومن المفيد كذلك أن يكون بينها تنافس إيجابي سلمي خدمة وفكرا وأدوات تعبير، ومن الواجب أن يكون لها خيوط إيجابية تربطها بالتنظيم، فهي تنوعت لتغذيه لا لتعاديه وتعددت لتؤازره لا لتنافسه، ومن غير المفيد أن تكون هذه التشكيلات متصارعة، ومتكايدة وأن يكون لبعضها حضور على حساب غياب الآخرين أو الإضرار بهم، ومن أسوء الصور أن تدعو الموهبة العاصية صاحبها إلى إنكار حقيقة أن النشاط الفردي يعد جزءا غير قادر على إحداث تغيير في المجتمع دون مساندة العمل الجماعي، وأن تتعالى بمسؤوليها وهي في الأساس من بركات الجماعة - على العمل الجماعي وأن يكون تسويق مناشطها مزاحما في آبار الجماعة المعدودة، لا تقوى أن توجد لنفسها أسواقا جديدة غير ما ساقتها إليه الجماعة تزكية وتعريفاً، عندما كانت تتقلد مهاما قيادية في الجماعة معافاة راشدة، وإن هذا مما تقود إليه المواهب الفتانة التي توحي على صاحبها وحيا شيطانيا بأنه أعظم شأنا من الجماعة، وأقدر على العمل لو تحرر من قيود التنظيم، واغترارا بهذه الثقة كم هي المواهب التي تخلت عن العمل الجماعي التنظيمي، بعضهم يبقى في التنظيم مواليا جهرا وباحثا عن البديل باطنا فإذا وجد البديل أسرع إليه دون تحية وداع لمن كان يتقاسم معهم حلاوة الإيمان في مرارة الابتلاء، وبعضهم يتعالى على العمل التنظيمي بداية وتتعاظم نفسه عليه فيبقى مقدسا لها مستقلا.
إن الشعور بالتعاظم نتاج لتربية عليلة أدت إلى تضخيم الذات أمام صاحبها، فقذفت به إلى الركن القصي عن الجماعة، فانحشر فيه وما زال الشيطان يريه من محاسن نفسه وتعدد مواهبه ما يقنعه لاحتقار جهود الجماعة وجهادها، فيبتعد ويبتعد حتى يكون لنفسه ظلا صغيرا يقتات منه، وبهذا تنكمش الموهبة التي صقلتها الجماعة، وجعلت من صاحبها رائد أمة تنكمش على نفسها حتى تصبح في نهاية المطاف ضيقة على صاحبها ذابلة، وعندئذ يصحو بعضهم من الغرور ليعالجها بالعودة التائبة إلى إخوان أمسه، لكن بعد أن ذهب كثير من حياته، وأضر كثيرا بسمعته ومكانته ويعالجها بعضهم بتكثير سواد الأعداء، وأمثال هذا في الساحة كثير، كل ذلك تجر إليه المواهب الفتانة وأشهرها عند الإسلاميين موهبة الخطابة والكتابة، وشيء من موهبة الإدارة قليل ملخصة في سلطة الأمر والنهي - وتلقي واجب السمع والطاعة من رعية جاهزة للانقضاض عند ظهور الابتلاء وانعدام الانتفاع وشيء من العلاقات الداعمة قليل كذلك مدعوما بحظوظ نفسية وقبلية وهوى محرض، التي لا يسخرها صاحبها لخدمة الجماعة ولا يتخذها وسيلة تقربه إلى الله تعالى والدار الآخرة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل