العنوان هل ماتت روح التحدي؟
الكاتب د.طارق سويدان
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
مشاهدات 97
نشر في العدد 463
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
* كيف ننسى.. أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى؟!
من أهم ما يميز الشباب عن غيرهم تلك الروح المشتعلة الفوارة التي تأبى الخنوع والذلة، كما تأبى الخوف والتردد.
ولذا نجد أن الشباب هم أكثر من يقبل على الدعوات ذات المبادئ والأفكار. وقد رأينا ذلك في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أكثر صحابته الكرام من الشباب، ولكنهم كما وصفهم ذلك الأديب البليغ بأنهم شباب والله مكتهلون. ثم وصفهم بقوله: بأنهم سريعة إلى الحق أرجلهم. وكذلك الشباب دومًا جذوة لا تنطفئ، متى عرفت الحق باعت في سبيله كل غال ونفيس؛ بخلاف الشيوخ الذين يبالغون في الحكمة والروية وتقليب الآراء حتى يضطرون معها إلى التنازل عن بعض الحق، أو يفوتهم خير كثير، إلا من رحم ربي.
لمسنا هذه الروح في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هنا أبو ذر لا يكتفي بأن يسلم إسلامًا خفيًّا بل يأبى إلا أن يرفع عقيرته مناديًا عند ندوة ملأ مكة بكلمة التوحيد، فيضربه أهل مكة حتى يسيل منه الدم الغزير ولا ينج لمسنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فها هنا أبو ذر لا يكتفي بأن يسلم إسلامًا خفيًّا؛ بل يأبى إلا أن يرفع عقيرته مناديًا عند ندوة ملأ مكة بكلمة التوحيد، فيضربه أهل مكة حتى يسيل منه الدم الغزير ولا ينجيه منهم إلا تذكير العباس لهم بأنه من غفار قبيلة قطاعي الطرق على طريق الشام. ولا يندم أبو ذر على فعله في اليوم الأول. وذاك حمزة يشج رأس أبي جهل حين علم بسبه للنبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «أتسب محمدًا وأنا على دينه؟!». وفي هذه الناحية أبو مسعود يتحدى الكفار بتلاوة القرآن عند الكعبة غير عابئ بما يصيبه من أذى وما يسيل منه من دم، وفي ذلك المنزل المنعزل نسمع صوتًا جهوريًّا لبطل عظيم وقد أسلم توًّا، ثم يتعجب كيف يخص المسلمون دينهم وهم على حق، فيلبي النبي صلى الله عليه وسلم دعوة عمر هذه ويجهر بالدعوة، وفي هذا الطريق نرى مشركًا يتلوى من الألم فقد كسر الزبير بن العوام يده حين سمعه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، والزبير آنذاك لا يتجاوز ١٦ سنة.
وفي مكان آخر شاب مؤمن يتلوى من الألم، وأمه تساومه بالرجوع عن دينه بامتناعها عن الطعام، فيرد عليها مصعب بن عمير بأنه لو كانت لها مائة نفس فتخرج نفسًا تلو نفس، فكل ذاك لن يرده عن دينه. ويطل علينا الفاروق مرة أخرى وقد أعد للهجرة، فيتحدى ملأ قريش بالويل لمن يلقاه خلف ذلك الوادي.
وهي نماذج لا تنتهي في بداية البعثة وفي حال انتصارها كذلك، فقد أشعل الإسلام هذه الروح العالية، وأنار القلوب بالإيمان؛ فتعالت واستكبرت على كل موقف فيه لين أو خوف أو تنازل، كما أحيا القلوب كذلك بالتحدي لكل شهوة وإغراء وطلب لمنصب، فتعالت عن كل حظ للنفس واحتسبت كل ضرر وضيق يصيبها فخلصت لله تعالى، فها هو كعب بن مالك وقد اعتزله المسلمون عندما تخلف عن تبوك، وفي هذا أعظم البلاء، فضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فتحدى وساوس الشيطان وارتفع عن حظ نفسه، واحتسب مصيبته عند الله، وجاءه الإغراء في رسالة ملك الروم بدعوة إليه، فألقى بها في التنور وأحرق معها هواه وشهوته. وذاك عبد الله بن أبي حذافة السهمي يقع أسيرًا بيد الروم فيساومه ملكهم عن دينه ويعرض عليه نصف ملكه وتزويجه ابنته، كل هذا وعبد الله رافض شامخ، وكما لا ينفع الإغراء لا ينفع التهديد أمام هذا التحدي الصارخ، ويضطر ملك الروم للتنازل ويكتفي بأن يقبل عبد الله رأسه ليطلق سراحه، ولكن هيهات، فذاك الشاب لا يقبل من الذل درهمًا، ويفضل الموت على تقبيل رأس مشرك. وهنا يعرض عليه ملكهم أطرق سراح ثمانين أسيرًا مسلمًا إن قبل رأسه، وعندها فقط يقبل عبد الله، فيكرمه الفاروق بتقبيل رأسه، ويأمر المسلمين بتقبيل رأس ذاك الشاب القدوة.
وهنا ابن الوليد حين عزله عمر يردد بأنه لا يجاهد من أجل عمر؛ بل لله تعالى، فلا تأخذه الحمية.
ولو أردنا استعراض الأمثلة على هذه الروح العالية في التمسك بالإسلام ورفض ما سواه، والصمود أمام كل إغراء، والارتفاع عن كل حظ للنفس، والصبر على تحصيل العلم، وإرهاق النفس في سبيل ذلك، لو أردنا استعراض ذلك لما وسعتنا المجلدات، وإنما هي أمثلة لعلها تشعل هذه الروح من جديد.
وألتفت اليوم إلى شباب الإسلام فأرى خوفًا قد ملأ القلوب باسم الحذر، وأرى استحياء من الجهر بالإسلام باسم التدرج في الدعوة، وأرى خنوعًا أمام حكومات تحارب الإسلام وتكيد له وتطبق غير شرع الله، ولا أجد من يردد: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47)، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85) بلا خوف ولا وجل، مرددين مع السحرة الذين آمنوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: 72).
وخبت هذه الروح حتى في تربية الشباب المسلم، فها أنا أرى تهاونًا في تطبيق السنة باسم مراعاة الناس والأعراف، هذا إذا أحسنا الظن، وها أنا أجد تكاسلًا وتخاذلًا عن طريق الدعوة لأسباب واهية هزيلة كمضايقة حدثت للأخ، أو تصرفات لم يستسيغها، أو موقف لم يعجبه، أو عمل لم يلائمه، وها أنا أجد ميلًا للترف والتسلية واللهو على حساب الدعوة والثقافة والمطالعة.
يا شباب الإسلام، يا حملة الراية، أحيوا هذه الروح من جديد، وذروا الخوف والوجل واللين والكسل واللهو واللعب، وسيروا على أولئك الذين تحدوا الكفر فهزموه وصمدوا أمامه فدحروه.
نعم لا تهملوا حكمة الشيوخ، ولا تنسوا الحذر، ودعوا التهور، وعليكم بالرفق والروية، وكل هذا لا ينافي الجرأة والتحدي والصبر والصمود، وإياكم إياكم أن يصل الخوف إلى قلوبكم، فأنتم أمل هذه الدعوة، وعلى أكتافكم تقوم، وبجذوة قلوبكم ينتشر نور الحق، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35).