العنوان صفحات من دفتر الذكريات (73).. رياح من الشرق
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 82
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
● العالم العربي لا يعرف دولة المؤسسات التي تتخذ القرارات وترعاها ويلتزم بها القادة مهما اختلفوا.
يظهر أن العالم العربي فوجئ بما حدث من تنافس وصراع على السلطة بين جماعة بن بيلا والحكومة المؤتقة، وعندما ظهرت الخصومات في ميادين الإعلام بين أنصار الفريقين وزاد التوتر حتى صار يهدد بحرب أهلية بين الطرفين، وخشي الجميع أنه يمكن أن تبرر تدخلًا فرنسيًّا يضع الاستقلال الذي ضحى في سبيله شعب الجزائر بآلاف الشهداء سمعت من بعض إخواننا العرب قولهم أن الجزائريين أبو إلا أن يثبتوا «عروبتهم»، لأنهم أكدوا للعالم أنهم مصابون بداء الفرقة والانقسام الذي يمزق صفوف العرب في المشرق في كثير من أقطاره.
وقد جاء دليل آخر ليؤكد عروبة زعماء الجزائر، وهو الخلاف في داخل جماعة بن بيلا ذاتها، بدأت بالتنافس بينه وبين محمد خيضر. وأحس بها البعض أثناء احتفالات «الجبهة» بعيد الاستقلال، وكان خيضر يعتبرها احتفال الجبهة، لأنه ينفق عليها من أموالها لا من أموال الحكومة ولا الدولة.
دور ناصر في تغذية الخلاف
في اعتقادي أن بعض عرب المشرق من أعوان عبد الناصر الذين تسببوا في هذا الخلاف، وقد لاحظت أن السفارة المصرية كانت من وراء ستار تغذي هذا الخلاف بين بن بيلا وخيضر، كما غذت هذا الخلاف بين بن بيلا وخيضر، كما غذت الخلاف الذي سبقه بين بن بيلا والحكومة المؤقتة، وإن كان ذلك كله يتم من وراء ستار وبخطى متلاحقة، وقد تأكد لي ذلك بعد رحلتي إلى «المشرق» مع محمد خيضر لأنني لاحظت أن الذي رتب لها ورسم خطتها هو سفير مصر علي خشبة، الذي سبقنا إلى مصر بعد أن نجحت الخطة وتحمس خيضر للسفر دون أن يدرك أهدافها البعيدة، غادرنا السفير المصري ليعد خطة لإطالة الرحلة حتى يتمكن من بن بيلا من إتمام سيطرته على الحزب عد أن سيطر على الحكومة.
لقد كان عندنا مثل شعبي يقول: «لا يأتينا من الغرب ريح تسر القلب» إشارة إلى أن الرياح الخماسينية تهب من الصحراء الغربية تحمل الرمال والأتربة، وعواصف الصحراء، إن رحلتي مع محمد خيضر في الشرق في أوائل عام 1963م، أضافت إلى ذلك القول قولًا يعارضه، وهي أن رياح الشرق هي أسوأ ما يهب على بلاد المغرب، لأن ما يسمى في مصر رياح الخماسين الحارة التي تهب على مصر من الصحراء الغربية حاملة الغبار والأتربة لها نظير يهب على المغرب، لكنها تأتي من جهة الشرق، حيث توجد الصحراء الكبرى، وهي تحمل للمغرب مثل ما تحمله الخماسين لمصر من رمال وأتربة وعواصف، ولكن العواصف التي أتكلم عنها في ذلك الوقت هي متاعب سياسية، وليس مجرد تقلبات جوية.
جولة خيضر العربية
عندما عدت إلى الجزائر بعد انتهاء عطلة الصيف، فجأة جائني بن بيلا، وقال: إنني اقترحت على محمد خيضر بأن يقوم بجولة في البلاد العربية، وأريد أن تذهب معه لتساعده في الاتصالات هناك، ووجدت محمد خيضر متحمسًا لذلك، وقال بن بيلا: إنني أقنعت «محمد» بأن تذهب معه؛ فوافقت على ذلك، وبدأنا نستعد لهذه الرحلة، وطبعًا أنا أخذت كلام بن بيلًا، بحسن نية، وكذلك محمد خيضر أخذه بحسن نية، وسافرنا فيما أظن في شهر ديسمبر 1963م أولًا إلى القاهرة، ومنها ذهبنا إلى الكويت، والسعودية، ثم إلى لبنان، وسوريا، وإلى الأردن، وفي كل هذه البلاد كان هدف خيضر أن يقابل الجميع ويشكر الشعوب والحكومات على تأييدها للحكومة والثورة الجزائرية، ويطلب منها معونات للدولة أو الجمهورية الجزائرية لتبني اقتصادها وتسترد هويتها الإسلامية الأصيلة، وتبني لها اقتصادًا وطنيًّا بعد هذه الحرب التي دامت مدة طويلة، والذي يحتاج إلى تجديد كبير ليتخلص من التبعية للاقتصاد الفرنسي.
لاحظت أول ما وصلت إلى مصر أنه قد سلطت علي الأضواء من المباحث والمخابرات، وإن كانوا في نظري من المباحث والمخابرات، وإن كانوا في نظري- كما عرفت فيما بعد- كان لهم صيد آخر وهو محمد خيضر نفسه، وطبعًا كان السفير علي خشبة قد عرفهم بكل شيء كما فهمت من دلائل عديدة.
كانت هذه رحلة مرتبة بين الحكومة المصرية وبن بيلا، وكان الغرض الأساسي منها هو إبعاد محمد خيضر عن المسرح داخل الجزائر، وفي الحزب الذي يمثله بصفته الأمين العام بعض الوقت، لتمكين بن بيلا من تثبيت قواعده في الحزب استعدادًا لعقد أول مؤتمر للحزب، ولم أشعر بأن محمد خيضر يعارض في ذلك أو يفكر فيه، لقد كان مشغولًا برؤية أصدقائه الذي عرفهم في مصر والمشرق، وكان دائمًا يتكلم عن أخيه بن بيلا، وأذكر أنه حتى بعد أن ذهبنا في الجولة العربية، ورجعنا إلى القاهرة ثانية لم يكن متعجلًا في العودة رغم علمه بأنباء إعداد أول مؤتمر للجبهة بعد الاستقلال، وعندما قررنا العودة قال لي محمد خيضر بأنه التقي بعبد الناصر، وأنه رحب به ترحيبًا كبيرًا، ودهشت عندما ذكر لي بكل بساطة أن عبد الناصر قال لي: كيف تطمئن إلى أن تترك الجزائر طوال هذه الفترة وتغيب عن المسرح هناك، وهذا قد يكون فيه ضرر؟ وقال لي محمد خيضر أنه واثق من أنه ما دام هناك بن بيلا وإخوانه، فإن الأمور ستسير سيرًا حسنًا، وكان هذا منتهى حسن النية والسذاجة السياسية من محمد خيضر، لأنه لم يفهم المقصود من هذا، وتأكدت مرة أخرى عندما قال إنه ودع عبد الناصر ليعود إلى الجزائر، ثم قال لي بمنتهى السذاجة: إن عبد الناصر كلمني كلامًا طيبًا، وقال لي: سأعطيك رقم تليفوني السري والشخصي لتتصل بي في أي وقت من الأوقات مباشرة، ومن أي بلد في العالم، وتطلب مني أي طلب شخصي، فأنا تحت أمرك ومصر دائمًا هي بلدك الذي يرحب بك، وكان محمد خيضر مسرورًا جدًّا من هذا، وغاب عنه التلميح إلى أنه معرض للخروج من الجزائر، أو أنه قد يخسر موقعه هناك، والتالي فإنه يستطيع أن يلجأ إلى مصر وإلى عبد الناصر، وأن عبد الناصر سوف يكون تحت تصرفه ليؤويه في مصر، هذا ما فهمته أنا فيما بعد، ولكن طبعًا لم أقله لمحمد خيضر إلا بعد أن أدرك كل شيء.
زيارة كوبا
هناك ناحية أخرى لاحظتها عندما كنا في القاهرة، وجاءت الأخبار بأن بن بيلا قرر وأعلن أنه سيسافر لزيارة كوبا، وكوبا هذه دولة شيوعية معروفة، وقيل: إنه كان سيذهب ترانزيت من نيويورك دون أن يزور الولايات المتحدة، وأحسست بأن المصريين «الحكومة المصرية ورجال المخابرات»، لم يكونوا متحمسين لذلك، بل كانوا يريدون بكل وسيلة إقناع بن بيلا بعدم مناسبة هذا العمل، بل جاء السفير علي خشبة وطلب أمامي من محمد خيضر أن يحاول إقناعة بالعدول عن هذه الزيارة إلى كوبا، أو تأجيلها، وكنت جالسًا مع محمد خيضر في قصر الضيافة في روكسي في مصر الجديدة عندما طلب بن بيلا تليفونيًّا بحضوري وحضور السفير علي خشبة، وقال له: أرجوك أن تؤجل هذا الموضوع حتى نعود ونتكلم، وليس من المناسب أن تكون أول زيارة لك في الخارج لدول شيوعية، وأن تكون كوبا أول دولة تزورها، وأنك تمر على نيويورك ولا تزور الولايات المتحدة ولا ألأمم المتحدة، وزيارة كوبا هذه استفزاز لأمريكا لسنا في حاجة إليه في هذا الوقت على الأقل، وأرجوك أن تؤجل هذا حتى نعود ونلتقي، ولكني فهمت من محمد خير أن بن بيلا أصر على رأيه، وأنه التزم بالرحلة ومصر عليها، وكنا نسمع في الإعلام أنباء سفره فعلًا إلى كوبا وسأتكلم عن نتائج هذه الرحلة فيما بعد.
مستنقع من الفتن والخصومات
والناحية الثانية منذ دخلنا إلى مصر، وفي أثناء الجولة وجدت أن المنطقة العربية تحولت إلى مستنقع من الفتن والحزازات والخصومات، فمثلًا كانت هناك خصومة بين مصر وسوريا بسبب الانفصال، وعندما وصلنا إلى سوريا أخبرني محمد خيضر أن بعض المسؤولين السوريين احتجوا على وجودي ضمن الوفد، وقالوا: كيف يكون مصري في وفد جزائري؟، وقال لهم: إنني منهم وأن ولائي لهم، وإن بيني وبين مصر على العموم أشياء تبعدني كثيرًا وتبعدهم عني، ومع ذلك في أثناء هذه الزيارة تعمدت أن أتركه يتصرف ولا أقوم بشيء لإزعاج السوريين، وكذلك لما ذهبنا إلى الكويت كانت الكويت في معركة حامية مع العراق، لأن العراق كانت تعترض على استقلال الكويت، وتقول إن الكويت جزء منها، وأن عبد الكريم قاسم كان يريد احتلال الكويت، ولكن الجامعة العربية ومصر أرسلت جيشًا، والإنجليز والدول الغربية عارضت ذلك، واضطرت العراق للتراجع، وأظن حصل انقلاب، وجاءت حكومة بعد عبد الكريم قاسم وأعلنت اعترافها باستقلال الكويت مرغمة مضطرة، ومع ذلك بقيت هناك في النفوس أشياء كثيرة، وأذكر أننا عندما وصلنا إلى الكويت ومحمد خيضر عقد مؤتمرًا صحفيًّا، سأله البعض عن رأيه بالنسبة للنظام في العراق، ولماذا لم تذهبوا للعراق، وما إلى ذلك؟ فقال محمد خيضر بكل بساطة وحسن نية، إذا كنتم تريدون مني أن أقول شيئًا ضد العراق فهذا لن يكون، لأن العراقيين كانوا من أكثر الدول تشجيعًا وتأييدًا للثورة الجزائرية وبعبارة واضحة أن الطعام الذي أكلناه من يد العراقيين مازال في بطوننا، فلا يمكن أبدًا أن نقول شيئًا ضدهم، وإذا كان بينكم وبينهم أشياء فهذه تصفونها أنتم فيما بينكم.
أما الثالثة: فإنه لما وصلنا إلى المملكة العربية كان الملك سعود في الخارج في علاج، وكان نائب الملك في هذا الوقت هو الأمير فيصل، وهو الذي استقبلنا في جدة، وقال لي محمد خيضر ونحن في الطائرة، هناك مشكلة أريد رأيك فيها، وهي أنه عندما كنت في مصر قال لي السفير الجزائري: إن الحكومة المصرية بعد أن استولت على أملاك السعوديين في مصر أعطتهم قصرًا للسفارة في جاردن سيتي، وأن هذا القصر كان مملوكًا للأمير فيصل، ومن الأملاك السعودية التي صادروها، والأمير فيصل في ذلك ولي العهد ورئيس الوزراء، وقال إن السفير يخشى أن يكون هذا سببًا في إفساد العلاقات بين الجزائر المستقلة والمملكة العربية السعودية، وهم لا يريدون ذلك فطلب منه السفير أن يتكلم في هذا الموضع ويصفيه مع السعوديين فقال لي محمد خيضر: ما رأيك في هذا الموضوع، فقلت له لا بأس من أن تتكلم مع الأمير فيصل نفسه، وتقول له: إننا حريصون على حسن العلاقات مع السعودية، ومعك بصفة خاصة، ونحن مستعدون أن ندفع الإيجار حتى نحصل على مكان آخر للسفارة نشتريه أو نستأجره.
وكان هناك أكثر من ذلك حرب اليمن قائمة على حدود السعودية وتوجه لها تهديدات ممن يتكلمون باسم مصر، ويروجها من يعارضون مصر ويحرضون على زيادة الخصومة بينها وبين السعودية، ولذلك فإننا عندما وصلنا إلى السعودية وجدنا أن الجو كان قاتمًا بسبب الحرب الأهلية في اليمن، وكان الجيش المصري يؤيد الجمهوريين، والسعودية تمول وتساعد الملكيين، وكانت في الواقع حربًا بين مصر والسعودية تقريبًا، وكان كثير من السعوديين يعتبرون أن حكومة الجزائر خصوصًا بن بيلا وأصحابه هم حلفاء لمصر ومنحازون لها، وبالتالي لم يكن هناك ترحيب كبير بزيارتنا هناك، ولكن الأمير فيصل كان رجلًا حكيمًا، ودبلوماسيًّا عريقًا، واستقبلنا عدة مرات، وحضرت جميع المقابلات بينه وبين محمد خيضر، وكان الكلام عموميًّا، وطبعًا محمد خيضر شكره على مساعدات السعودية لهم، وطلب المزيد من هذه المساعدة وما إلى ذلك، وعرض عليه محمد خيضر أيضًا موضوع القصر الذي يملكه سموه في القاهرة، والذي سملته الحكومة المصرية للسفارة الجزائرية، واقترح أن تدفع الجزائر إيجاره إلى أن تجد مكانًا آخر، حتى لا ندخل في الخلاف بينه وبين الحكومة المصرية، فقال له الأمير بكل بساطة: إن وكيلي هناك يمكنكم أن تتفاهموا معه على هذا الموضوع، وليس هناك أبدًا أي مانع من أي اتفاق تصلون إليه.
كان هناك معركة بين مصر وسوريا ومعركة بين الكويت والعراق، ومعركة بين مصر والسعودية بخصوص اليمن، والواحة الوحيدة التي شعرنا فيها ببعض الراحة هي الأردن، لأننا استطعنا أن نزور القدس، وهذه زيارة لن أنساها، لأننا زرنا الحدود الفاصلة بين فلسطين أي الضفة الغربية التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من الأردن، ودعينا إلى معسكرات الجيش الأردني والجميع احتفوا بنا ومررنا على قرى الحدود، وبعضها كان مقسومًا نصفين أحدهما تحت الاحتلال الإسرائيلي، كما كنا نشاهد القرى الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، هذه الزيارة لا يمكن أن أنساها وذكرتني بزياراتي للأندلس سنة 1949م.