; تركيا أوزال: هل تشهد بريسترويكا ضد العلمانية؟ | مجلة المجتمع

العنوان تركيا أوزال: هل تشهد بريسترويكا ضد العلمانية؟

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990

مشاهدات 80

نشر في العدد 949

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 09-يناير-1990

فعلتها الصحف التركية إذن مرة.. وها هي تحاول الثانية.. الأولى كانت في الثامن من سبتمبر عام ألف وتسعمائة وثمانين حين صدرت صفحاتها الأولى وبطريقة استفزازية صور الاجتماع الحاشد الذي انعقد قبلها بيوم بدعوة من حزب الخلاص الوطني بزعامة نجم الدین أربکان تحت عنوان «إسلامية القدس وشجب القرار "الإسرائيلي" بضمها» حيث ارتدت الجموع الملابس التركية التاريخية التي ارتبطت بالدولة العثمانية الإسلامية وقد رفعت شعارات كتبت بالعربية تقول «عاشت تركيا إسلامية» و«الحكم للقرآن» مما أثار العسكر- على حد قول رويتر في التقرير الذي طيرته من أنقرة- وسببت لهم قلقًا بالغًا وهم الذين تربوا وساروا على مبادئ وتقاليد أتاتورك مما عجل من انقلابهم العسكري الذي دفعوا فيه جنرالهم «كنعان آفرين» إلى سدة الحكم بعد خمسة أيام من هذا الحدث ليكون تنامي التيار الإسلامي بشدة أحد الأسباب الرئيسية لهذا الانقلاب كما ذكرت رويتر.. ما يقرب من عقد كامل يمر.. وتعاود الصحف التركية حلتها «الإنذارية» هذه المرة كان الأمر من نصیب «أوزال» رئيس الوزراء ورئيس حزب الوطن الأم والمرشح لرئاسة الجمهورية والذي بدا في سلوكياته وتصريحاته ما أثار قلقها على مستقبل العلمانية في تركيا مما حدا بها إلى القول: «إن أوزال سيكون أول رئيس جمهورية منذ إلغاء الخلافة يصلى صلاة الجمعة وسيكون كذلك أول رئيس قام بتأدية فريضة الحج مما يخالف النظام العلماني في تركيا».. بل إنها أضافت «أن عدم قيام أوزال بالهجوم على الأتاتوركية حتى الآن يعتبر نوعًا من التقية فقط وأن أصحاب العمامات والمشايخ و«القباقيب» سيديرون قصر شنقايا من خلال أوزال» فهل هي رسالة إنذار إلى الجيش الأتاتوركي.. وما هي حقيقة توجهات أوزال؟؟

موقف المعارضة

انتهت انتخابات رئاسة الجمهورية ونجح أوزال في الوصول إلى قصر شنقايا لإدارة حكم البلاد بعد حصوله على ٢٦٤ صوتًا في الدورة الثالثة لتصويت مجلس الشعب التركي مقابل أربعة عشر صوتًا لمنافسه وبطلان ثمانية أصوات وامتناع مائة وستين نائبًا من «المعارضة» عن التصويت بعد أن كانوا قد هددوا بالاستقالة من مجلس الشعب إذا صمم أوزال على ترشيح نفسه.. إلا أن المعارضة عادت وتراجعت عن تهديدها خاصة بعد أن ازدادت شعبية أوزال إثر قيامه بمضاعفة المرتبات وتخفيض قيمة الجمارك بنسبة ثلاثين في المائة بالإضافة إلى الحملة الشعواء التي أثارتها الصحف عليه لبعض سلوكياته الإسلامية مما ضاعف من شعبيته.

 إينونو زعيم الحزب الاشتراكي الشعبي صرح بأن عملية الانتخاب جرت على أسس قانونية سليمة إلا أن أوزال استغل بعض الثغرات القانونية والتي لم تؤخذ في الحسبان إذ نجح من خلالها في تحقيق مأربه إلا أن «خطأ» انتخاب رئيس الجمهورية لا يمنعنا من مواصلة الجهد نحو مهمتنا الأصلية وهي تحقيق الديمقراطية في كافة مرافق الدولة.. إلا أن سليمان ديميريل زعيم حزب الطريق المستقيم كان أكثر حدة إذ صرح بأنه في حالة فوز حزبه في الانتخابات المقبلة فلن يقبل بتشكيل حكومة من صنع أوزال وسيطالب بتعديل الدستور لإبطال انتخاب رئيس الجمهورية والتي كانت سيناريو منظمة وإن الذي حدث ليس انتخاب رئيس للجمهورية وإنما رئيس وزراء أصبح رئيسًا للجمهورية مما يعني أن هناك نزعة تبشر بتحويل النظام الوزاري إلى نظام رئاسي وأضاف بأن عقلية مثل أوزال لن تغير في الأمر شيئًا حتى لو دخلت إلى قصر شنقايا فتركيا تحتاج إلى رئيس «محايد».

أما كنعان إيفرين الرئيس «العسكري» السابق والذي كان يرى بأن الخطر الأول على تركيا ليس الخطر السوفياتي ولا حشودات الحلف الأطلسي على أرض بلاده بل هو تفشي الحركة الإسلامية التي اتهمها مرارًا بأنها وراء زعزعة الأمن والاستقرار وأن السكوت عليها سيؤدي إلى انهيار الدولة والنظام والعودة بتركيا إلى عهد سابق وعصور غابرة.. لم ير هو الآخر وقبل عشرة أيام من تركه لمنصب الرئاسة بدأ من توجيه رسالة تحذيرية إلى من يهمهم الأمر حين قال «يجب ألا ننسى أن هناك مخاطر جمة تحيط بالجمهورية التركية وتريد إرجاعها إلى التاريخ القديم».. لم لا وهو الذي كان یری دائمًا أن تركيا «دولة أوروبية» وسعى بكل الوسائل إلى ضمها إلى السوق الأوروبية المشتركة لأنه كان يرى في ذلك خلاصًا من الحل الإسلامي.. وقد وعى ذلك وزير خارجية إيطاليا الذي صرح بأنه إذا لم يتم قبول تركيا في السوق الأوروبية المشتركة فلن يكون لها بديل سوى سوق إسلامية مشتركة.. كما أكد أحد أعضاء البرلمان الألماني لجريدة ألمانية وهو خبير في شؤون تركيا على ضرورة قبول تركيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة في أسرع وقت لأن التأخر في ذلك سيؤدي إلى ازدياد قوة حزب الرفاه والذي سيكون عائقًا لدخول تركيا للسوق لأنه يطرح فكرة انضمام تركيا في سوق مشتركة للدول الإسلامية.

أربكان.. مع من؟

البروفيسور نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه الإسلامي صرح بأن عملية انتخاب أوزال رئيسًا للجمهورية معارضة أصلًا للقانون وأنه بالإمكان الطعن في دستوريتها في حالة إصدار رئيس الجمهورية أول قراراته..

وأربكان يتهم حزب أوزال «الوطن الأم» كما صرح لمجلة المختار الإسلامي القاهرية بأنه خلال السنوات الست الماضية لحكمه عمل على تنفيذ ما تريده الصهيونية العالمية في تركيا فقد حصل على القروض الكبيرة من الخارج مما أدى إلى ارتفاع حجم ديون تركيا الخارجية من ۱۳٫٥ مليار دولار إلى ٥٠ مليار دولار وأصبح على تركيا أن تسدد الفائدة عن هذه الديون بمعدل ٥,٨ مليار دولار سنويًا الأمر الذي انعكس سلبيًا على الحالة المعيشية للمواطن التركي وأدى إلى الغلاء الفاحش في تركيا علمًا بأن هذه القروض لم تستثمر لخدمة البلد -على حد قول أربكان- وإنما استثمرت في فتح الفنادق السياحية على سواحل البحار كما قام أوزال ببيع المصانع الثقيلة التي أقمناها نحن.. كما أنه غيّر قوانين الانتخابات من أجل الحصول على الحكومة بمفرده علمًا بأنه كان قد حصل على ٤٦% من أصوات الناخبين عام ١٩٨٣ ولكنه حصل على ۲۱% فقط في انتخابات ٢٦/٣/٨٩ وهذه هي نقطة التحول المهمة بالنسبة لتركيا.

إلى أين يتجه أوزال؟

توغورت أوزال.. اثنان وستون عامًا ولد في «ملاطيا» شرق تركيا وينحدر من أسرة محافظة حاز على شهادة الكيمياء من جامعة إسطنبول وعمل مستشارًا في البنك الدولي في الولايات المتحدة عام ١٩٧١ ثم أصبح وزيرًا للتخطيط تحت إدارة رئيس الوزراء حينذاك سليمان ديميريل، بدأ حياته السياسية عضوًا في حزب السلامة الذي ترأسه أربكان ثم عين بعد انقلاب ۱۹۸۰ نائبًا لرئيس الوزراء لكنه استقال لتأسيس حزبه الوطن الأم ثم عين رئيسًا للوزراء في نوفمبر ۱۹۸۳ وهو على علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة مع دول الخليج العربي.. انتشرت في عهده الكتاتيب الإسلامية وسمح بقيام صحافة إسلامية قوية وأقيمت في عهده العديد من المساجد في أنحاء تركيا واعترفت حكومته بشهادات جامعة الأزهر التي كانت غير معترف بها في تركيا كما أنه سجل بعض المواقف في عهده لجانب «الإسلام» فقد صرح في اجتماع لمجلس الوزراء وأمام الرئيس السابق «نحن ندعى بأننا في تركيا دولة علمانية في نفس الوقت الذي تتدخل فيه الدولة بتعيين أئمة وخطباء المساجد ورئيس الشؤون الدينية وإنما في أوروبا توجد أوقاف خاصة أو مؤسسات مختلفة منفصلة عن الدولة تقوم بتعيين المسؤولين الدينيين وليس من حق الدولة التدخل في هذه الأمور وعلينا نحن أيضًا أن نصبح مثلهم في المستقبل».

وهذا يعني في مفهوم أوزال ألا تتدخل الدولة في تعيين أئمة وخطباء المساجد وألا تلزمهم بخطبة محددة لصلاة الجمعة مما يعني حرية تناول الشؤون الإسلامية بشكل كامل وصحيح.. كما أنه صرح في خطبته التي ألقاها في اجتماعه بأعضاء حزبه «الوطن الأم» بمناسبة تقديمه لاستقالته من رئاسة الحزب كشرط للترشيح لرئاسة الجمهورية «قال لا تنشقوا ولا تنقسموا كما أمرنا الله تعالى في القرآن الكريم عندما قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ (آل عمران: 103) واهتموا بالدين والضمير والتفكير وافتحوا أبوابكم للجميع مثل مولانا جلال الدين الرومي الذي قال لو كنت مجوسيًا أو مسيحيًا تعال إلينا فأبوابنا مفتوحة للجميع والحقيقة أن مثل هذه اللهجة أمر مستغرب صدوره من واحد ممن يقفون على سدة الحكم في تركيا التي بذل من أجل علمنتها على مدى ست وستين عامًا الماضية الكثير.

تساؤلات

لكن هل يعني ذلك أن أوزال سيعتنق الحل الإسلامي بديلًا لإخراج تركيا من أزمتها وإعادتها إلى مجدها وإلى دورها الطبيعي.. هل سيتحمل أوزال غضبة العسكر الذين يعتبرون أنفسهم حماة الفكر الأتاتوركي؟ هل سيعمد إلى تنشيط الحركة الإسلامية وتأييدها لتكون ساعده الأيمن في مواجهة أحزاب المعارضة.. وهل سيستخدم حقه الدستوري في إباحة ما حرمه كنعان آيفرين ويطالب بإباحة ارتداء الحجاب في الجامعة.. هل سيلجأ إلى تنشيط المنظمة الاقتصادية المشتركة فيها إيران وتركيا وباكستان.. ويعتنق قناعات أربكان بالسوق الإسلامية المشتركة.. وهل أوزال سيسلك نفس المسلك إذا كانت أوروبا قد قبلته في سوقها المشتركة؟ بمعنى.. هل توجهاته هذه إيمانًا بالفكرة الإسلامية أم رد فعل وتنفيذ لتهديده في مواجهة تعنت أوروبا ورفضها إشراكه في سوقها الاقتصادية.. فقد صرح يومًا «بأن على تركيا النظر في احتمالات بديلة إذا رفضت المطالب التركية بعضوية كاملة في المجموعة الأوروبية عام ١٩٩٢».. الأيام وحدها هي التي ستحدد الإجابة.

الرابط المختصر :