العنوان مفكرة الدعاة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1976
مشاهدات 67
نشر في العدد 291
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-مارس-1976
الأخلاق
إن للأخلاق في الإسلام قاعدة مهمة... إنها ليست قاعدة المنفعة والمصلحة، وليست قاعدة الاصطلاح والعرف المتغيرين أبدًا... إنها يتخلق بما يحبه الله منه ويرضاه له قاعدة العبادة لله وتقواه. فالمسلم وهو يخشى الله في هذا ويتطلب رضاه ومن هنا سلطان الأخلاق في الإسلام كما أنه من هنا مبعثها الوجداني الأصيل.. ثم هي في الطريق تحقق منافع العباد، وتؤمن مصالحهم، وتنشئ مجتمعًا تقل فيه الاحتكاكات والتناقضات إلى أقصى حد ممكن، وترتفع بالنفس البشرية صعدًا في الطريق الصاعد إلى الله.
﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [ التوبة: 4]بالعهد من الأخلاق.
العقيدة وتأليف القلوب
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [ الحجرات: 10]إن هذه العقيدة عجيبة فعلًا، إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق... رفيق فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، رفضه القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب...
القوة لهذا الدين
إن طبيعة هذا المنهج يجب أن تستقر صورتها بوضوح في قلوب العصبة المؤمنة. إن هذا الدين لا بد له من هيبة، ولا بد له من قوة، ولا بد له من سطوة ولا بد له من الرعب الذي يزلزل الطواغيت حتى لا تقف للمد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير الإنسان في الأرض من كل طاغوت.
والذين يتصورون أن منهج هذا الدين هو مجرد الدعوة والتبليغ، في وجه العقبات المادية من قوى الطاغوت، هم ناس لا يعرفون شيئًا عن طبيعة هذا الدين.
العبودية ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [ سورة الأنفال: 57]
إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان، وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم الله له، وأنه لكذلك في واقع الحياة، إنه لكذلك مقام كريم.. أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان..
إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى، والعاصم من العبودية للعباد.. وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له، إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما لا يعتصم من العبودية لسواه.
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدًا لله وحده يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى.. يقعون من فورهم عبيدًا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم، فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع الإنسان من بين سائر الأنواع، وينحدرون من سلم الدواب فإذا هم شر الدواب، وإذا هم كالأنعام، بل هم أضل، وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا- كما خلقهم الله في أحسن تقويم.
كذلك يقع الذين يستنكرون أن يكونوا عبيداً لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها.. يقعون في عبودية العبيد أمثالهم، يصرفون حياتهم وفق أهوائهم، ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر، مشوبة بحب الاستعلاء، كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى.
ويقعون في عبودية الحتميات التي يقال لهم: أنه لا قبل لهم بها، وأنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها... حتمية التاريخ... وحتمية الاقتصاد وحتمية التطور.. وسائر الحتميات التي تمرغ جبين الإنسان في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه، ولا أن يناقش -في عبوديته البائسة الذليلة- هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل