; باكستان بانتظار الجيش أم الديمقراطية؟ | مجلة المجتمع

العنوان باكستان بانتظار الجيش أم الديمقراطية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 635

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 30-أغسطس-1983

كان يوم الجمعة الماضي «26\8\1983» يومًا حاسمًا بالنسبة للسلطة والمعارضة معًا في الباكستان، إذ إن الاضطرابات الإقليمية التي سادت بعض أجزائها لم يكن يرجى نجاحها إلا إذا انتقلت إلى مناطق الكثافة الكبرى، فمع الانتشار المتفرق لهذه الاضطرابات في قلات من الولايات الأربع إلا أن عدم تأثر ولاية البنجاب بها جعل أثرها هامشيًا أو محدودًا ذلك أن هذه الولاية يسكن فيها 56% من مجموع سكان الباكستان.

وقد كان يوم الجمعة مناسبة منتظرة تود المعارضة استغلالها إذ بعد أن شاع انضمام أحد التجمعات الإسلامية لحركة استعادة الديمقراطية حسب المعارضون أن ذلك سيشعل فتيل الثورة الشاملة وذلك من خلال تجمعات الجمعة، وكان الأمل مركزًا في كبرى المدن كراتشي والتي يقطنها 8 ملايين نسمة على أن صلاة الجمعة مرت مرورًا عاديًا فيها وفي حيدر آباد ولم يعد بعد ذلك لحركة استعادة الديمقراطية كبير أمل إلا في مثول سبب وجيه آخر تحاول به إشعال الثورة من جديد.

ما بين المعارضة وضياء الحق:

أعلن الرئيس ضياء الحق في الثامن عشر من أغسطس الجاري عن تمديده للتاريخ المعلن لإجراء الانتخابات في الباكستان بحيث تعقد بعد ثمانية عشر شهرًا أي في مارس سنة 1985م وساق بعض الأسباب التي حدت به لهذا التأخير على أن المعارضة نسبت ذلك إلى المماطلة والتسويف وإلى العادة العسكرية السائدة من وعد بتسليم الحكم إلى المدنيين وفي أقرب وقت حتى إذا ذاق العسكر حلاوة السلطة غيروا آراءهم السابقة واختلقوا أسبابًا داعية لبقائهم لأطول فترة ممكنة.

وهنا وجدت المعارضة فرصة للانتحاب والتباكي على «الديمقراطية» المخنوقة في الباكستان وإذا رأت أن المسألة لا تختص بها فقد أثرت أن تنزل بها إلى الشارع احتكامًا للجماهير، ومع استمرار تحركات المعارضة لما يقارب الأسبوعين إلا أن الاستجابة كانت محدودة جدًا بحيث يلاحظ المراقب أنها كانت في عددها أقل من جماهير المعارضة نفسها ناهيك عن أن تكسب قواعد جديدة من عامة الجمهور الباكستاني.

لو غير هؤلاء:

ما زال سوق «الديمقراطية» قائمًا في أرجاء الوطن المسلم وما زال رفع شعارها ذريعة كبرى للتقرب يتوسل بها كل والج للميدان السياسي مع الشك في مدى استيعاب الجمع الغالب من الناس لحقيقة فحواها ومعناها.

وركوب هذا الشعار في منطقة حط الاستعمار الإنجليزي فيها ركابه لعقود متطاولة من الزمان وأشرف فيها على تخريج ثلاثة أجيال على الأقل وسور فيها مناهجه وحزب الناس فيها بين الولاء له والولاء للمنبع الأصيل والانتهاء الأول، في بلاد كهذه حرى بالشعار الديمقراطي أن تروج بضاعته وإلا تجابه كسادًا ولو في أقل المستويات.

ولكن كل ذلك الرصيد السابق لم يعد حركة استعادة الديمقراطية شيئًا ولذلك أسبابه المتصلة بها هي في المقام الأول إضافة إلى الأسباب الخارجية، ويبدو أن أول عامل من عوامل الخسران كان يكمن في الفئات التي يتكون منها مجموع ما يسمى بحركة استعادة الديمقراطية، ففضلًا عن العلل الأصيلة التي تشكو منها الديمقراطية الغربية كانت هناك علل خاصة بالسلوك والممارسة أصابتها من هؤلاء الذين يتغنون بشعارها وفي أولهم بقية أنصار بوتو «حزب الشعب» ومع تعاطف الإعلام الغربي الشديد مع حركة استعادة الديمقراطية إلا أنه لم يفته الإشارة بطريقة ما إلى البناء المتنافر الذي تتكون منه هذه القوى، فقد ضمت مجموعة من كبار الإقطاعيين إضافة إلى المجموع التقليدي من حزب الشعب واجتمع هؤلاء مع الشيوعيين «الماويين» إضافة إلى بعض الأحزاب الإقليمية الأخرى التي ما زال جزء منها يراهن على شعارات صدئة تنتمي إلى العنصر والعرق والإقليم وما يشبه هذه النعرات.

ولعل هذا التكوين في ذاته غني عن أي إشارة أو مزيد عبارة فهو يفسر العلة الأولى للديمقراطية الغربية في الباكستان ومعاناتها مع متبنيها! ويكفي أن نذكر بممارسات حزب الشعب نفسه في الانتخابات الأخيرة التي عقدت في الباكستان قبل مجيء ضياء الحق، فقد ثبت بعشرات الأدلة لجوء بوتو وأنصاره إلى التزييف الشديد لنتائج الانتخابات حين تشعروا بأن كفتهم غير راجحة بل أثبت القضاء لاحقًا تورط بوتو في اغتيال خصومه السياسيين!

ويكاد السياق الإعلامي الخبيث الذي تستخدمه وسائط الإعلام الغربية وتابعتها العربية يبدد معالم التاريخ القريب إذ يوحي من خلال المقابلة بين بوتو «المدني» وضياء الحق «العسكري» وكأن بوتو قديسًا من قديسي ديمقراطيتهم هذه ولا جدال في «عسكرية» ضياء الحق ولكن الريب كل الريب في ديمقراطية ذلك «المدني» وقد كان تمرير هذا الإيهام والإقناع به ممكنًا لولا ثبوت تلك الحقائق في سجل بوتو وحزبه التاريخي، ولا ينسى العالم تلك المواكب الهادرة الصاخبة التي مادت بها أرض الباكستان في ذلك الوقت من أقصاها إلى أقصاها وبصورة لا تمثل الاضطرابات الحالية بالنسبة إليها إلا النزر اليسير!

وشبهة الهند:

ثم إن الهند المتربصة بالباكستان دومًا تعجلت الصيد في الماء العكر وقاست الأمر فيما يبدو على حركة حزب عوامي وزعيمه الشيخ مجيب الرحمن والتي أدت إلى انفصال أحد شطري باكستان فيما يسمى الآن بجمهورية «بنغلاديش». أرادت الهند استغلال ذلك وبدأت وسائط إعلامها في الترويج لهذه الاضطرابات، ولم تنس رئاسة الوزراء بل حتى الهيئات السياسية الرسمية الأخرى أن تشارك الجمهور الباكستاني في محنته في «ديمقراطيته المسلوبة».

ولو غير «هند آسام» بادرت بهذا لكان الأمر مستساغًا نوعًا ما ولكنها الهند التي لم تجف دماء المذابح الرهيبة فيها بعد، ونسيت مسز غاندي ما كانت تتذرع به إبان تلك الأحداث من رفضها المطلق لحديث أي طرف عنها بزعم أن ذلك مسألة داخلية بحتة، والعجيب أن الفئات التي اقتنعت بهذه الحجة فيما قبل فصمتت عن آثام آسام غاب عن ذاكرتها هذا الأمر الآن، ويبدو أن هذا التصنيف للمسائل والأحداث من «داخلي» و«خارجي» قاصر على غير بلاد الإسلام فقط!

الشاهد معنا أن هذه المبادرة الهندية كانت شبه كافية لإفساد المعاني التي نادت بها حركة استعادة الديمقراطية فضلًا عن ديمقراطية ينادي بها حزب الشعب والإقطاعيون والشيوعيون الماويون في تجمع واحد!! وإلا فلو تجردت الحركة من هذه العناصر والشبهات لربما وجدت كثيرًا من الآذان الصاغية ولحققت نجاحًا منقطع النظير، ولكن مرارة التجربة السابقة والتاريخ القريب جعل الجمهور الغالب في الباكستان أكثر تحفظًا إزاء مستقبل يكاد يستحضر تفاصيله وللجماهير خبراتها وفطنتها التي تدفعها للمفاوضات الدقيقة بين الخيارات المطروحة أو هذا ما بدا لنا الآن!

هو الداعي الديمقراطي وحده:

وبالنظر ثانية في الفئات التي تكونت منها حركة استعادة الديمقراطية وبالتفرس في ملامحها وقسمات وجهها يجد الرائي أن داعي الديمقراطية هو أضعف الدواعي التي تجمع بين هذا النقيض المتنافر، أما حزب الشعب فقد حفر مقدار التزامه بالنهج الديمقراطي في ذاكرة الناس والتاريخ من خلال ممارسات وسلوكيات زعيمه السابق -بوتو- وأما الشيوعيون الماويون فمعلوم هو حظهم من الفهم والممارسة للديمقراطية إذ هي لديهم ذات بعد واحد يبدأ وينتهي إليهم فإذا نالوها هم فقد نابوا عن المجموع وكفوه هذا الغرض، وأما ديمقراطية الإقطاعيين فهي تلك التي تتيح لهم أكل الضعفاء واستعبادهم وإهلاك الحرث والنسل والإكثار في الأرض من الفساد.

فلا تعدو الديمقراطية عند هذه الفئات سوى هذه المعاني الدائرة حول فلك الذات والأنا، وواضح أن هذا بناء يحطم بعضه بعضًا وإلا فما الجامع بين إقطاعي وشيوعي ولو في ظروف مرحلية؟

هل هي حركة الإسلام:

نقول هذا ولا نجزم به  ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: 32)، ولكن الشواهد كثيرة على رجحانه فبغض النظر عن الأسلوب المتبنى لدى ضياء الحق في أسلمته لباكستان ومدى فعاليته إلا أن التجربة الباكستانية تكاد تكون من أكثر المحاولات جدية في المنطقة الإسلامية والأساس اللاديني الذي يشكل القاعدة المشتركة لحل الأحزاب المعارضة الآن والتي تتبنى ما يسمى بحركة استعادة الديمقراطية، هو الحافز والمحرك الحقيقي للدعوة للثورة في الباكستان إذ أن هذه الفئات تخشى من أن تمضي حركة الأسلمة وتقنن فيصعب عليها تغييرها فيما بعد إذا ما استطاعت تسلم كرسي السلطة من جديد، ومن هنا تبين أنه ليس الذي بحركة المعارضة الآن هو أمر الديمقراطية بقدر ما أنه رعب العلمانيين من الإسلام وبأي حجم وشكل كان.

حقيقة لا تفوت:

هذا وأن الظروف والملابسات المحيطة بمحاولة تطبيق الشريعة في الباكستان قد توحي لبعض المتعجلين في الأحكام بأنه لولا ضياء الحق وجهاده العسكري لكان الشك كبيرًا في إمكانية الخطو في أسلمة باكستان من جديد.

والذي لا يستطيع مراقب أن يشكك فيه أن موجة المد الإسلامي في الباكستان من أقوى الموجات في المنطقة وهي ذات أبعاد وجذور في مختلف المستويات والفئات، وقبل مجيء ضياء الحق إلى السلطة كانت كل المؤشرات تؤكد التنامي المتضاعف للوجود الإسلامي، بل أن تلك الانتخابات التي لجأ بوتو لتزييفها كانت تنبي باكتساح التحالف الإسلامي لها وكسبه لجولتها.

ومن الدلائل التي تقوم على صحة ما نسوقه الآن أن بوتو نفسه -مع عراقته في علمانيته- لم يجد ما يتوسل به لتهدئة الثورة في الباكستان في ذلك الوقت سوى الشعارات الإسلامية فقد بادر حينها إلى إغلاق البارات والمراقص ومنع الخمر وقد كانت مساومة مكشوفة لم تغن عنه شيئًا فروح الاستغلال وركوب الموجة وإنقاذ الذات كان عاليًا على ما عداه ولم يجده ذلك في استغباء جماهير المؤمنين أو استغفالهم فأطيح به.

وقد شهد جمهور المراقبين وقتها أن ذلك تنازل ما بعده من بوتو لمن يعرفونه وما الجأه لذلك لولا شعوره بقوة التيار الذي لا يمكن مقاومته.

وإذ كان ضياء الحق هو التالي له فلم يكن في إمكانه إغفال ما أغفله بوتو أو تجاهله.

وسواء كانت رغبة ضياء الحق صادقة في تطبيق الإسلام أم كان راكبًا للموجة إلا أنه وعى درسًا ليس في إمكان أي قادم للسلطة هناك تجاهله، والممارسة السياسية قائمة أساسًا على التزام الأمر الغالب المحرك لجمهور الناس، والظروف التي أتت بضياء الحق أعلمته جيدًا أین يكمن ذلك الأمر فتبنيه للموجة الإسلامية اختيار يشبه القسر أو قسر يشبه الاختيار وبه أو بغيره كان لا بد من التزام ذلك الخط والطريق.

وأخيرًا:

وقد نتساءل مع القارئ الكريم بعد هذا السرد والتفصيل هل صار حكم الجيش قدرًا محتومًا في حق باكستان؟ أم هل تستطيع الديمقراطية الدبيب من جديد؟

وهل تستطيع حركة استعادة الديمقراطية إجبار ضياء الحق على التنازل وإجراء الانتخابات في الوقت الذي تريد أم تكون هزيمة المعارضة في هذه الجولة دليلًا جديدًا على ضعفها يغري ضياء الحق ببقاء أطول على كرسي الحكم حتى يبرز تيار يستوعب تجربة الطرفين ويقود الباكستان في طريق جديد؟

متي يطلق سراح المجاهد  أحمد مفتي زاده؟

الرابط المختصر :