; ميثاق العمل الوطني في سورية: استجابات ومتطلبات | مجلة المجتمع

العنوان ميثاق العمل الوطني في سورية: استجابات ومتطلبات

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001

مشاهدات 55

نشر في العدد 1455

نشر في الصفحة 42

السبت 16-يونيو-2001

على إثر إعلان مشروع ميثاق شرف وطني للعمل السياسي -الصادر عن جماعة الإخوان في سورية- بدأت التداعيات تترى صدى له وتعليقًا عليه بعضها على صفحات الصحف والإنترنت وبعضها بالاتصالات المباشرة من الأطراف السياسية السورية بخاصة مع الجهة المعنية التي أصدرته.

 لعل أهم الأطراف السياسية في الساحة السورية جبهتا المعارضة التحالف الوطني لإنقاذ سورية، و«التجمع الوطني الديموقراطي»، وكل من هاتين الجبهتين قد بادر إلى إبداء القبول والإشادة الإيجابية بمضمون الميثاق، والشروع بدراسته جديًا وبشكل تفصيلي للتعاطي معه، يضاف إلى ذلك شخصيات سياسية وثقافية مستقلة، وأطراف شعبية عربية أعربت عن تثمينها لهذه الخطوة حتى ذهب بعضهم في تقدير لمحتواها الإيجابي، إلى وصف الوثيقة بمثابة «الهجوم الإيجابي»؛ لأن هذه الوثيقة تؤكد على التعددية السياسية، وعلى التداولية، بل هي تضع فقرة كاملة للكلام على الدولة الحديثة كدولة تعاقدية ومؤسسية، تعلو فيها سيادة القانون، بحيث تكون صناديق الاقتراع الحر والنزيه أساسًا لتداول السلطة بين أبناء الوطن، كما أن الوثيقة في الهدف الثاني من سلسلة الأهداف العامة التي تضعها، تشدد على بناء مؤسسات المجتمع المدني في وحداتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتأخذ دورها في حماية المجتمع وترشيده وتمضي الوثيقة نحو الهدف الثالث وهو التصدي للمشروع الصهيوني والهدف الرابع وهو بناء الوحدة العربية، وتؤكد في أسس الميثاق الذي تقترحه على الاعتراف بالآخر الوطني «العقائدي والسياسي والفكري والثقافي»، وكذلك التمييز المطلق بين مصطلح الدولة «أرض شعب سلطات قانون» ومصطلح الحكومة «السلطة التنفيذية»، ويختم جهاد الزين تعليقه على وثيقة العمل الوطني: هكذا يصبح الهجوم هجومًا حواريًا مع النظام السياسي، كحصيلة لما يبدو أنه قناعة تولدت لدى أخصام النظام السياسي السوري أنه نظام لا يمكن الكلام معه إلا إيجابيًا، وخصوصًا مع العهد الجديد برئاسة الرئيس بشار الأسد.. الذي دعا في خطاب القسم إلى افتتاح مرحلة جديدة «الحياة ٥/٥/٢٠٠١م».

مع تقديرنا لوجهة النظر تلك نتحفظ على كلمة «الهجوم»، لأن الوثيقة لم تستثن في خطابها طرفًا وطنيًا سواء الأطراف المعارضة أو التي في الحكم، تقول الوثيقة مثلًا «ومن هنا تأتي دعوتنا إلى المشاركة في الحوار حول مشروع هذا الميثاق مفتوحة لجميع القوى السياسية والشخصيات العامة «الفكرية والثقافية» فتحت خيمة الحوار الوطني، ليس لأحد أن يكون أولى بالوجود من أحد، ولهذا السبب أشار الكاتب إلى اختيار الإخوان المسلمين لغة إيجابيات تطمئن النظام السياسي في سورية إلى رغبة حوارية، بل التمسك بثوابته «أي النظام» الوطنية والقومية نفسها».

ولهذا السبب أيضًا استجاب عبد الله الأحمد «عضو سابق في القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم» في مقالته لجريدة السفير، بقوله ولا اكتم القارئ أني عند القراءة الأولى «لميثاق العمل الوطني السياسي» كدت أفتح القلم، وأن أوقع عليه من دون معرفة بالجهة التي سأعيده إليها».١٤/٥/٢٠٠١م.

التشدد.. مرحلة تاريخية

ولما عرف الأحمد الجهة الإخوانية، تداعت إلى ذاكرته وقائع تختلط فيها الطرائف والمفارقات، لكن ذلك كله لم يمنعه من قول الحق سواء دهشته «بسبب وفرة المفردات السياسية الراقية والمعاصرة، بل المستقبلية في تلك «الأفكار الأولية» التي يكاد القارئ يجهد نفسه بالتصديق أن هذا بيان صادر عن الإخوان المسلمين»، أو تصريحه بالخلافات الداخلية في حزب «البعث السوري»، «إبان انعقاد المؤتمر القطري السابع، وخرجت منه وفيه من قيادة الحزب القطرية أنا وثلاثة عشر رفيقًا من أعضائها دفعة واحدة، وانتصر الرفيق رفعت الأسد المتشدد، وكان وقتها قد طرح توصية على المؤتمر السابع القطري يطلب فيها افتتاح معسكرات لتأديبنا»، أو نقده الذاتي لبعض الطروح الحزبية في الوحدة العربية أو وطنية الآخرين «وبقي شكري القوتلي سيد القوميين العرب على مدى القرن العشرين الماضي الجانب تغليب الموضوع على الذات، نحن كبعثيين تحتاج لنقد ذاتي عقائدي، محوره إقامة وحدة عربية قائمة على التكامل، وكل وحدة مطلوبة على التماثل مستحيلة، وأما رسالتنا الخالدة، فهي ذلك المجتمع المدني أو الأهلي الذي يرسمه شعبنا، ولا يستورده من الغرب، كما استوردنا أملاح الماركسية لمياهنا بحجة تعقيمها، وإذا بنا نستورد أملاحًا غربية أخرى ستقتل كل حي فيها».

تستوقفنا في مداخلة الأحمد ملاحظتان الأولى: ألا يكون الميثاق مكتوبًا بحبر الشيخوخة التي اكتنزت الحكمة والتأمل والقدرة على التعامل مع العصر، ونحن لا نفهم من هذه الملاحظة مأخذًا، وإنما محاولة استبصار وتأكد من مصداقية التوجه بالبحث عن أسباب موضوعية لسياسات الميثاق غير المتوقعة من جماعة الإخوان المسلمين الذين كانت مواقفهم متشددة في الثمانينيات، وعلى الرغم من حرص الإخوان المسلمين على الحديث عن المستقبل كما يلاحظ فإن إشارته إلى تشدد الرفيق رفعت في حين تضيء المواقف المتشددة كلها في تلك المرحلة، مع التذكير بأن ما حصل في الثمانينيات حالة استثنائية، فالإخوان قبل الثمانينيات ومنذ تأسيس تنظيمهم في الأربعينيات أصحاب خطاب منفتح يؤمنون بالحوار وبالتداول السلمي للسلطة، ولذلك أسهموا في الانتخابات والمجالس النيابية والوزارات ورفضوا حتى آخر لحظة تشكيل جناح عسكري ضمن الجيش السوري، فخطابهم اليوم ليس انقلابًا على خطاب الثمانينيات المتشدد وحسب، بل هو عودة إلى الأصل، وما إشارة السيد الأحمد إلى فكر الدكتور مصطفى السباعي «مؤسس جماعة الإخوان المسلمين» برغم طراوته وحلاوته ونقلاته اللطيفة في الفكر المعاصر له، إلا تذكير بتلك الصفحات المنسية من ماضي الجماعة «التنويري» على طريقة السيد الأحمد اللبقة في التذكير والاستذكار، لاسيما قوله: «إنني مندهش يقينًا من أن الإخوان المسلمين وحدهم قالوا كلامًا يخص المستقبل، وأما الباقي فمعظمهم استرجع في كلامه سكاكين المطابخ السياسية القديمة».

القول باحتكار الإسلام

أما ملاحظة الكاتب الثانية فهي مسألة «احتكار الإسلام»، ويوضح مراده بقوله: «فهل يمكننا أن نقدم كسوريين تمتلك تاريخًا أنيقًا في نقد الذات، وأنتم جزء من هذا النسيج الوطني الذي يمتلك لونه الخاص، أن تقدم نقدًا ذاتيًا قرآنيًا يوسع فكرة الإخوان المسلمين كنوع من الممارسة المتحضرة والمنضبطة تمامًا مع نصوص القرآن الكريم عندما تنقله إلى العمل السياسي تنظيميًا».

أزعم، وأنا واحد من التيار الإسلامي، أن الإخوان المسلمين استجابوا لهذا المطلب الحضاري، منذ زمن، ويوسعهم حاليًا أن يعيدوا الحوار داخليًا وخارجيًا في كل مفهوم سياسي لاسيما في ضوء الشريعة الإسلامية السمحة، إن «احتكار الإسلام» يرفضه الإخوان المسلمون بالنسبة إلى أنفسهم وإلى غيرهم، فهم يعدون أنفسهم «جماعة من المسلمين» وليسوا «جماعة المسلمين» ومعنى ذلك أن اجتهادهم في فهم الإسلام لا يصادر فهوم الجماعات الإسلامية الأخرى والمقولة المأثورة لديهم تلتقي فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، وقد ثبت الإخوان المسلمون هذا المفهوم بتوسع في كتاب دعاة لا قضاة، بمناسبة التمايز بينهم وبين الحركات المصرية الأخرى المتشددة، كما أن معاملة أصحاب العقائد الأخرى في ظل التاريخ الإسلامي حالة فريدة، سبقت مصطلحات التعددية المعاصرة، وفي الشريعة السمحة ما هو أوسع وأرقى «لهم مالنا وعليهم ما علينا، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

وكلمة السر في كسر احتكار الإسلام أو الظن باحتكار الإخوان المسلمين للإسلام هو منافستهم أو مشاركتهم أو محاورتهم بالإسلام نفسه، وهذا ما آل إليه الحراك الثقافي والسياسي بين التيارين القومي والإسلامي من جهة، وما خطا فيه «البعثان» السوري والعراقي من خطوات حول موقفهم من الإسلام من جهة ثانية، فلا يخفى على الكاتب أن التقرير السياسي الذي أعد للمؤتمر القطري الأخير للحزب الحاكم في سورية قد تم تعديله لينص على ما يلى الإسلام عقيدة وتراث وجزء مهم من حياتنا السياسية، وهذا كسر حقيقي المقولة الاحتكار بشكل فعلي وفعال فالإسلام ملك الأمة كلها، بل هو ملك الناس أجمعين عقيدة وشريعة وحضارة

دلالات هذا القبول

إن هذا القبول الواسع المشروع «ميثاق شرف وطني للعمل السياسي»، في سورية يحمل عددًا من الدلالات أولها أن القواسم المشتركة التي انطوى عليها هذا الميثاق من الاتساع والتوافق لدى الأطراف السورية ما يسهل هذه الردود الإيجابية فضلًا عن اعتبار المشروع، على نضجه وشموله «أوراقًا أولية، وهي أوراق مطروحة للحوار.. لا تنتقص من حق الآخرين، في أن تكون لهم رؤيتهم الكلية أو الجزئية في تطوير هذا المشروع أو تعديله، ربما يتيح له قبولًا أوسع عند دوائر أكثر من أبناء شعبنا الحر الأبي. من خلال معطيات الحوار الإيجابي البناء».

الدلالة الثانية تقدير الأطراف السورية للمرحلة التاريخية التي نمر بها في قطرنا وتمر بها الأمة كلها «مرحلة من أدق المراحل في التحولات السياسية الدولية والإقليمية والداخلية»، وهنا لابد لنا أن نشير إلى أن إحدى مفردات هذه المرحلة خطاب القسم للرئيس السوري الجديد، واتخاذه عددًا من الإجراءات الإصلاحية في معالجة الفساد والمشكلة الاقتصادية وإطلاق سراح مجموعة غير قليلة من المعتقلين السياسيين، وهي خطوات رحبت بها جماعة الإخوان المسلمين وكل أطراف المعارضة، وإن قالت إنها غير كافية، ومن التزامات «الميثاق» تقديم مصلحة الوطن العليا على المصالح الذاتية والخاصة في كل الموازنات السياسية، مهما كان في التنازل عن المصلحة الذاتية من ألم أو تضحية أو شعور بالغين».

ثم ما الخطوة التالية؟

الآن أبدت الأطراف السورية، لا سيما المعارضة والشخصيات المستقلة، قبولها المبدئي بمشروع «الميثاق»، وهي عاكفة على دراسة تفصيلاته والمطلوب تاريخيًا أن يكون هناك إجماع وطني على القبول المبدئي لا على التفصيلات أو الكليات، فإذا حصل الإجماع الوطني، كانت النقلة تحولًا تاريخيًا في مسيرة القطر، ورافعة للنهوض القومي بعامة، وليس ذلك على المخلصين الجادين بمستحيل، نقلة لا تقل عن تجربة «البحرين»، أهمية ومصداقية.

 النقلة النوعية أو الخطوة التالية هي لقاء الأطراف الوطنية من أجل وضع المضمونات المتفق عليها موضع التنفيذ، أي وضع برنامج «أجندة أو سيناريو» للتنفيذ في تفهم كامل للتدرج في تحقيق الأهداف العامة لهذا الميثاق في ظلال الشعور بالمسؤولية الوطنية والتقدير الظروف الواقع ومتطلباته. مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة الملف الإنساني بكل أبعاده معالجة سريعة وشاملة».

هل نأمل؟ لابد من الأمل والعمل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية