; المسجد وهموم ومشكلات المجتمع الإسلامي في حوار مع الداعية عبد الرشيد صقر | مجلة المجتمع

العنوان المسجد وهموم ومشكلات المجتمع الإسلامي في حوار مع الداعية عبد الرشيد صقر

الكاتب انور الهواري

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1989

مشاهدات 75

نشر في العدد 915

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-مايو-1989

يتسلق بعض المنابر جهلة يقدمون للأمة فتاتًا أصابها بقحط فكري، وفقر عقدي، ومنافقون احترفوا الكذب على الله، وتخصصوا في إغواء الأمة.

خطبة الجمعة مائدة أسبوعية حافلة بالفيتامينات المغذية للروح الموقظة للعقل، المنعشة للوجدان المسلم.

سيطر الملحدون في العالم الإسلامي على وسائل الإعلام، ينفثون حقدهم وسمومهم من أبواقها، ولربما جادوا على الإسلام بدقائق معدودة أطلقوا عليها «ركن الدين».

 الأزهر اليوم يخرج أئمة مساجد هم أنفسهم في حاجة إلى من يرشد خطاهم، ويزكي نفوسهم.

 ليس صحيحًا أن الأحزاب السياسية تساعد المسجد في خدمة وتطوير المجتمع الإسلامي.

لن تقوم الدولة الإسلامية إلا بفقه العلماء وطاقات الشباب.

نحن الذين نملك أدوية السماء نعالج بها مرضانا أولًا ثم نزف بها نعمة الشفاء إلى البشرية الحيرى على مفارق الطرق.

    خرجت الأمة الإسلامية الأولى من رحم المسجد، ورضعت من لبانه، وترعرعت بين أحضانه، فكان المسجد هو المركز الأول للنشاط التعبدي، والثقافي، والتربوي، والاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي والعسكري، ولكن مع سطوة الحضارة الغربية، واستعمار الصليب لجميع دول العالم الإسلامي اقتبست الدول الإسلامية مؤسسات ونظم المجتمع الغربي، وكانت أولى سماتها أن الكنسية هي «دار عبادة» للأحد فقط، وارتكبنا الجريمة وقلنا إن المسجد دار عبادة للجمعة فقط.

 

     وماذا كانت النتائج؟ الأولى أن المجتمعات الإسلامية أنفقت الكثير من جهدها ووقتها وأموالها وطاقاتها في سبيل الحل الغربي، واقتباس أفكار ومؤسسات الغرب، ثم استيقظ بعض أبنائها من سباتهم ليعلموا أن هذه الأدوية والعقاقير التي تم شراؤها من صيدلية الغرب غير صالحة للاستعمال العربي والإسلامي، بل إنها كانت سمومًا انتشرت في أوصال المجتمع، أما الثانية فلازال المجتمع الإسلامي في أزماته الاقتصادية، وتبعيته التكنولوجية، وركوده العلمي، وتخلفه الحضاري، وانكساره العسكري، وأضاف الغرب إلى ذلك موجات التشرزم السياسي، والاتحاد العقائدي والاضطراب الفكري، والفساد الأخلاقي، أنك حين تعرف الحقيقة على أصلها لا تملك إلا أن تهتف من الأعماق أين الطريق إلى المسجد؟

 

  حول هذه القضايا، ودور المسجد، والعقبات في طريقه، والمشكلات التي يعاني منها المجتمع المسلم- كان لنا هذا الحوار مع الداعية الإسلامي الدكتور "عبد الرشيد صقر".

 

(أقوى أسس وأعظم ركائز)

 

ما الدور الحقيقي للمسجد؟

 

     الدور الحقيقي للمسجد يتجلى في صقل الفرد، وبناء الأسرة، وتأسيس المجتمع وربط الأمة بربها، بإسلام النفوس الجامحة، وتأليف الشعوب الشاردة، فكلما اشتعلت الفتن وتطاير شررها؛ كلما صب عليها المسجد من محيط حكمته ما أطفاها حتى لا يستشري فسادها.

 

     وإذا كان ثمة خلاف بين أفراد أو أسر في المجتمع أدى المسجد دوره في رتق الفتق، ورأب الصدع، وتجميع الشمل، فالمسجد يتفاعل مع المجتمع في الأفراح والأتراح، ثم هو لا يترك العقول خاوية، بل يشحنها بالفكر الإسلامي المصفَّى، ويملأ القلوب بالعقيدة النقية والوجدان بالعواصف الحارة، ثم هو يرهف المشاعر المتبلدة، ويشحذ العزائم الهامدة، ويصقل الهمم الراكدة فدور المسجد بناء مجتمع على أقوى أسس وأعظم ركائز.

 

(متخصصون في الإغواء)

 

هل يؤدي المسجد دوره؟ ولماذا؟

 

     الحقيقة أن المسجد اليوم عاجز عن أداء دوره المنشود، سواء في "مصر" أو في أي دولة إسلامية أخرى، وذلك لتسلق بعض الجهلة على المنابر يخطبون يوم الجمعة خطب عشواء، ويقدمون للأمة فتاتًا أصابها قحط فكري وفقر عقدي، كما يصعد المنابر منافقون احترفوا الكذب على الله، وتخصصوا في إغواء الأمة ولي عنانها إلى العوج الخلقي والالتواء النفسي، أما القلة النادرة في المسجد فهم دعاة أخلصوا لله النية، وصدقوا القول، وأحسنوا الحركة، وأناروا الدعوة، وهؤلاء تقف في طريقهم العوائق التي تستأصل من القوى الإسلامية اكتساحها حتى تتدفق تيارات الإسلام من متابعها إلى مصباتها، لا يعطلها سد، ولا يمنع خيرها بشر.

 

(المائدة الأسبوعية)

 

ما هو أثر خطبة الجمعة في رأيك؟

 

     خطبة الجمعة في نظري مائدة أسبوعية حافلة بجميع أنواع الفيتامينات المغذية للروح، الموقظة للعقل، المنعشة للوجدان، يعيش فيها الداعية أسبوعًا كاملًا لإعدادها وترتيبها، يجمع لها الأدلة من صحائف القرآن، ومن أعماق السنة الصحيحة، وينيرها بحكم أعاظم السلف، ومحققي الخلف، ويدعمها ببحوث المستشرقين المؤيدة لفكرته الناهضة بأمته، وبهذا يخرج المسلم من الصلاة وفي قرارة نفسه اقتناع راشد بأنه على درب الحق سائر، ومع موكب المؤمنين مندفع، ما أن يستمع للداعية في مسجد حتى يوقن أنه أكرم الناس على الله، وأشرف من دب على ظهر الأرض، فالله مبتغاه والجنة مأواه.

 

(العلمانية تدمر الأمة)

 

     نعم، لقد انتشرت العلمانية في جسد المجتمع الإسلامي، وأرادت أن تحصر الإسلام في الزوايا والمسجد، ونتج عن ذلك إقصاء الإسلام عن التشريع والحكم، وعن الإعلام والإرشاد، وعن التعليم والتربية فقد استوردت المجتمعات الإسلامية القوانين الوضعية، وتركت الحكم بما أنزل الله، وبعد أن كانت الأمة الإسلامية سيدة غيرها والمهيمنة على الشرق والغرب بدينها وعلمها وحضارتها، أصبحت اليوم تابعة لغيرها، تقدم ولاءها مرة للمشرق الشيوعي، ومرة للغرب الرأسمالي، وزلزلت العلمانية عقيدتها وصفوفها، ودمرت فكرها، وأخرت شريعتها، أما علمانية وسائل الإعلام فإن المتحدين هم الذين سيطروا عليها، وأبعدوا الإسلام عنها، ونفثوا سمومهم من أبواقها، ولربما جادوا على الإسلام بدقائق معدودة أطلقوا عليها ركن الدين، فهم يخشون الإسلام، ويميعون حقائق، ويبطلون مفعوله، بما تذيعه أجهزة الإعلام العلماني من برامج، وما تطفح به من أفلام وتمثيليات ومسرحيات، والطامة الكبرى في المجتمعات الإسلامية والتي تمثل عبئًا ثقيلًا على كاهل المسجد هي علمانية مناهج الثقافة والتربية والتعليم، حيث تنشئ الأولاد والصبيان والشباب على الجهل بالإسلام، ولهذا فهي تخرج أجيالًا من الجامعات لا تعرف البديهيات في الإسلام، بل تتنكر له وتسخر منه.

 

(من يصلح فساد الأئمة)؟

 

     يوجه البعض اللوم إلى الأزهر بحجة أنه لا يؤدي دوره المطلوب، هل هذا صحيح وما المطلوب؟ هذا صحيح، فالأزهر الآن -وبوضعه الحالي- لا يؤدي دوره المطلوب في خدمة المجتمع الإسلامي، فمناهجه الحالية تخرج موظفين من المدرسين المنكمشين في زاوية ضيقة من زوايا الحياة، أو أئمة مساجد هم أنفسهم في أمس الحاجة إلى من يرشد خطاهم، ويزكي نفوسهم، أو مبعوثين إلى الخارج أكبر مهامهم العثور على حطام الحياة وجمع عرضها الزائل، إن الأزهر في الماضي الغابر خرج أعاظم الدعاة وأساطين العلماء وفحول الفقهاء، ونظر التاريخ بمواقفه السياسية المشرفة، ولأجل أن يعود الأزهر إلى طبيعته عليه أن يأخذ الطالب الحافظ للقرآن كله، الراغب في الدعوة إلى الله، العاشق لإعلاء كلمته ونشر دينه، المستوعب لمناهجه المشحونة بأسرار الإسلام وخصائصه.

 

(يتملقون القساوسة)

 

     هل للأحزاب السياسية دور مساعد في دعم المسجد؟ ليس صحيحًا أن الأحزاب السياسية تقوم بدور يساعد المسجد في خدمة وتطوير وتطهير المجتمع المسلم، ثم كيف تؤمل في أحزاب أعلن زعماؤها أنها علمانية تفسح المجال لكل الأديان، وتتعلق قسيسيها وتتودد إلى أخبارها؟ ولقد جربت بعض الجماعات الإسلامية فسمحت لبعض أفرادها بدخول حزب سياسي في الانتخابات إلى أن بلغ المجلس النيابي، فإذا بقوانين الحزب تمنع أي فرد من الخروج عليه والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولقد ربحت الأحزاب بامتطائها الموجة الإسلامية، ونشطت تياراتها السياسية وصحفها الحزبية باسم الإسلام.

 

     وهل من المعقول أن يجتمع التناقض في مسلم، بأن يكون ولاؤه لله وفي نفس الوقت يكون ولاؤه لرئيس حزب علماني، (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون).

 

 (سحب الثقة من علماء السلطان)

 

 ما رأيك بعلماء السلطان؟

 

_هذا سؤال هام، وسوف أجيبك عليه بشيء من التفصيل والتحديد معًا، فالعلماء صنفان علماء الرحمن، وعلماء السلطان.

 

     وهذا الصنف الأخير زاهد في أخراه، حريص على دنياه، ولذا فإن بينهم وبين الشباب المسلم فجوة لا تسد، فإن الشباب سحبوا الثقة منهم فهم ليسوا لها أهلًا، أما علماء الرحمن فإنهم في كل برهة يستشعرون عاطفة الأبوة على الشباب، ويكرسون الجهد لتربيتهم، ويفنون العمر في هدايتهم، ومن طبيعة الشباب الغض أنه إذا اشتم ريح الإخلاص من داعية سار وراءه، واخترف من ينابيعه، واعتبره مثلًا أعلى له في حياته، ولن تقوم الدولة الإسلامية إلا بفقه الدعاء وطاقة الشباب.

 

 

 

(القرآن والسنة أفضل)

 

     ما سبب انقطاع الناس من العلماء؟ فعلًا الأمر كما ذكرته أنت تمامًا، فالساحة الإسلامية تشهد، بل وتعاني من عدة أمراض منها، إن الشباب ليس على صلة وثيقة بالعلماء، وبعض الشباب هرب منهم، واكتفى بما عنده من ضمور علمي، وعشق بعضهم الفتوى ظنًا أنها تسودهم وتجعل منهم دعاة.

 

      أما من جهة العلماء فإن أكثرهم حرص على وظيفة وأداها فقط، ولم يلتحم بالشباب ليرشد خطاه، ويحشو عقله بالدسم الثقافي، وبهذا ضاعت الدعوة بين شباب قصروا في التزلف إلى العلماء، وعلماء انكمشوا في الحياة.

 

    أما نظام التثقيف والإعداد والتربية داخل الجماعات ففيه قصور من الناحية الشمولية التي تميز بها الإسلام، فكل جماعة أخذت قسطًا من الإسلام، وربت عليه، ودعت إليه واعتبرت أنها الجماعة الوحيدة الناشرة للإسلام والممثلة الفريدة له، والأفضل أن تتربى الجماعات والأفراد على القرآن والسنة، وتترك العصبية وتنبذ الخلاف.

 

لماذا تعاني المدعوة من أمراض شتى؟

 

     لا شك فإن هذه الأمراض التي تعاني منها الدعوة على المستوى المحلي في مصر، لها مثلها، بل وأعقد منها على المستوى العربي، ثم الإسلامي فإن جل المسئولين في الوطن العربي ينظرون إلى الإسلام على أنه مكمن الخطر، أو مكمن له لشل العروش، ودك التيجان، وآخر النفايات، وقدم الكفايات، وعلى المستوى الإسلامي فليس هناك حبال تربط القوى الإسلامية بعضها مع البعض الآخر، وما لدينا منهج موحد نعمل على ضوئه، لتقريب البعيد، وتحقيق الأمل، وإقامة الدولة الإسلامية.

 

كيف تثرى الشعوب المطحونة؟

 

     كيف تثري الشعوب المطحونة؟ إن أجدر القضايا بالعرض هي قضية «العقيدة»، التي تستحق تجنيد كل المواهب لغرسها في الأعماق، وتجلية صفحتها مما شابها من غبار، وإفساح الطريق لها بين العقائد الباطنة.

 

     ثم قضية الشريعة الإسلامية المهجورة في العالم الإسلامي، ومن حقها علينا إظهار معالمها للسير على ضوئها، وإقامة حدودها منعًا للجرائم، واسترضاء الله -سبحانه وتعالى- وبعد العقيدة والشريعة الإسلامية هناك المشكلات المعقدة في الأمة، والتي لا بد من البحث عن حل لها في الإسلام المصفَّى، حتى تهدأ الأعصاب المتوترة، وتأمن النفوس القلقة، وتثري الشعوب المطحونة.

 

هذا هو الشفاء:

 

     إذا كان لي من كلمة أخيرة فإنني أقرر أن الإسلام الذي شاد أنظف المجتمعات فكرًا وأزكاها نفوسًا، كفيل اليوم بإقامتها مرة أخرى، إذا حمل أدوات البناء رجال حكماء منعوا الشعوب من التردي في المزالق، ورشدوا قرارات الدول، وأقاموا موازين العدل بالتربية الهادئة والكلمة الهادية والحركة البناءة، وبهذا يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تتحول من تبعية إلى ريادة، فنحن الذين نملك في أيدينا أدوية السماء، نعالج بها مرضانا أولًا، ثم نزف بها نعمة الشفاء إلى البشرية الحيرى على مفرق الطرق.

الرابط المختصر :