العنوان نحو فهم علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالحلفاء والأصدقاء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1983
مشاهدات 59
نشر في العدد 629
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 19-يوليو-1983
إن الولايات المتحدة الأميركية إحدى أعظم قوتين في العالم اليوم
وتمتاز علاقاتها الدولية بنوع من الغرابة بالنسبة للذي لا يستطيع فهم الاستراتيجية
التي تقوم عليها هذه العلاقات.
غير أنه بفهم الثقافة الغربية وأسس عقيدتها وتاريخها الماضي نفهم
على أي أساس تتحرك أميركا في عالم العلاقات الدولية اليوم. وما هي أسرار تحركاتها السياسية
بل ونستطيع -على ضوء هذه المعطيات- أن نتنبأ بالخطوات القادمة.. وعلى الأخص فيما يتعلق
بعلاقة الولايات المتحدة والغرب عمومًا مع «إسرائيل».
- الاستخبارات.. وسياسة الأحزاب والأحزاب
المضادة
ورغم أن الولايات المتحدة تمارس دورها القيادي في العالم بنوع من
ترك الحرية للحلفاء الأصدقاء في المعارضة والتصرف إلا أنها لا تتوانى عن الخداع وعمل
الانقلابات والمجازر وتزوير الحقائق وتشكيل الأحزاب والأحزاب المضادة، وشراء الضمائر
والذمم وصنع القيادات والأبطال القوميين في عديد من بلدان العالم في سبيل تحقيق أهدافها
وضمان ما يسمى بأمنها القومي.. بل إنها في سبيل ذلك أنشأت أجهزة خاصة لهذا الأمر هي
«وكالة الاستخبارات المركزية» و«وكالة الأمن القومي». ويمكن الجزم أن هناك هيئة سرية
أخرى تعمل لنفس الأهداف ومهمتها إفساد العالم وتدميره لئلا يبقى في المقدمة غير أميركا
والغرب، ولو كان ذلك على حساب حلفائها وأصدقائها.
- أميركا وأوروبا والزواج الكاثوليكي
غير أنه من البدهيات أن تذكر أن العلاقة بین أوروبا والولايات المتحدة
الأميركية أشبه بالزواج الكاثوليكي قد يجوز فيه الخصام والهجر، ولكن من المستحيل وقوع
الطلاق تمامًا كالعلاقة بين أميركا وإسرائيل رغم اختلاف الأخيرة في طبعتها للأسباب
التي سنذكرها فيما بعد.
وأميركا هي التي ابتدعت حلف الأطلنطي
في مواجهة النفوذ السوفيتي وحلف وارسو، وهي التي ابتدعت لقاء الدول الصناعية الخمس
الكبرى، وكل ذلك في محاولات مستمرة من جانبها لاحتواء أوروبا وتسييرها في الفلك الأميركي
بالكامل، ذلك أنها تحس بأنها مسؤولة عن الحضارة الغربية ووريثتها بعد ضعف أوروبا وتقاعسها
عن أداء هذا الدور. وذلك نتيجة الإحساس الأميركي بالتفوق العسكري والصناعي والاقتصادي
رغم فقرها في عالم الفكر والثقافة والفنون الراقية، ورغم افتقاد سياستها لبعد النظر
والدهاء الذي كانت تتمتع به بريطانيا إبان ذروة سطوتها الاستعمارية المدمرة للعالم...
والذي يدفع الولايات المتحدة إلى مثل هذا الاحتواء لأوروبا هو إدراكها أنها القوة الوحيدة
في العالم التي يمكن للولايات المتحدة الأميركية الاتفاق معها بالكامل لوحدة العقيدة
والأهداف والمصالح والتراث والثقافة والتاريخ.
غير أن المحاولات الأميركية للاحتواء بالكامل قد باءت بالفشل.. إذ
إن الوحدة الكاملة داخل أوروبا مفقودة رغم وجود السوق الأوروبية المشتركة، حيث إن الخلافات
والاختلافات بين الدول الأوروبية متباينة فيما بينها نظرًا لاختلاف الأجناس واللغات
والتاريخ القومي لكل شعب والأحقاد التاريخية الموروثة بين الشعوب والتي كانت آخرها
في هذا القرن حربين عالميتين مدمرتين حصدتا الملايين.
ودولة كـ«فرنسا» مثلًا لا تزال تفكر بالطريقة الديغولية والتي تصر
على أن يكون لها سياسة وسيادة مستقلة في كثير من المسائل، واتخاذ طرق أخرى أحيانًا
غير الطرق الأميركية للوصول إلى نفس الأهداف!!
أما «بريطانيا» فلا يزال كبرياؤها
يمنعها من الانقياد التام لأميركا رغم عجزها وضعفها الواضحين، وتحاول أن تلعب دورًا
بارزًا في السياسة العالمية كما كانت تفعل في السابق معتمدة على ما تبقى لها من احترام
وأصدقاء في العالم، غير أن نفوذها يتضاءل باستمرار وهيبتها سائرة إلى زوال، وقد رفضت
بريطانيا الجديد من العروض الأميركية المستمرة لـ«شراء» الجزيرة البريطانية، وتفضل
أن تلعب دور «المستشار السياسي» و«الوسيط الدولي» لدى الأميركان لا أن تكون تابعة لهم
بالكلية.
أما «ألمانيا» فاستقلالها مقصور
على بعض أمورها الداخلية أما سياستها الخارجية فهي مرتبطة بعجلة السياسة الأميركية
ومصالحها الاستراتيجية المعلنة وغير المعلنة، وحين حاول «هيلموت شميت» أن يتطرف ناحية
السوفييت في مسألة الوفاق الدولي عمل الأميركان بكافة ما استطاعوا من الوسائل والحيل
لإنجاح منافسة «كول» في الانتخابات، وقد حدث ذلك فعلًا.
ورغم أن العلاقات الأميركية- الأوروبية تمر من حين لآخر ببعض الأزمات
إلا أنها سرعان ما تمر كسحابة صيف عابرة، ويعود التفاهم والحب والوئام.. إنها أشبه
ما تكون بالنزاعات التي تحدث بين الزوج والزوجة منها بالمنازعات التي تحدث بين الأصدقاء.
- صداع الرأس الأميركي:
أما اليابان فهي سبب قوي لصداع الرأس الأميركي في عالم الاقتصاد،
وتعتبر اليابان الدولة الشرقية الوحيدة في الحلف الغربي الاقتصادي، وهي التي كسبت المنافسة
الصناعية على الأسواق العالمية ودخلت حتى الأسواق الأوروبية والأميركية رغم كل القيود
والعقبات والعوائق والحواجز التي وضعها الغربيون في الطريق.. وأصبح تزحزح الين الياباني
يزلزل الدولار الأميركي صعودًا وهبوطًا في الأسواق العالمية النقدية فرغم سوء الأحوال
الاقتصادية العالمية وكساد الحركة التجارية في العالم، ظلت مصانع اليابان في دوران
مستمر ونمو مطرد وبقيت موانئها مزدحمة بالسفن التي تنقل البضائع اليابانية إلى مختلف
أنحاء العالم. في نفس الوقت الذي كان فيه العديد من الشركات الأوروبية والأميركية تعلن
إفلاسها واستمرت الشركات اليابانية تحقق أرباحًا ممتازة حتى ابتدأت المؤتمرات الصناعية
بين الدول الخمس الكبرى الصناعية، فقد كان الداعي إلى هذه المؤتمرات خطورة المنافسة
اليابانية وضرورة إیجاد حل لها عن طريق تقييدها بمقررات يلتزم بها الجميع في الدول
الخمس الصناعية.
وقد استطاعت الولايات المتحدة أن تقنع حلفاءها أن التعاون فيما بينهم
وبإشرافها المباشر على الصعيد الاقتصادي ضرورة لا بد منها لاجتياز الأزمة الاقتصادية
العالمية، وأنه لا بد من العمل يدًا واحدة لتخطي العقبات المقبلة بالتنسيق بين هذه
الدول جميعًا لمنع تضارب المصالح والأهداف فيخسر الجميع.. وقد كان الهدف الأول إقناع
اليابان بتبطيء معدل النماء الاقتصادي، ثم الحد من التصدير الخارجي وفتح أبوابها للمنتوجات
الأوروبية والأميركية بلا قيود. وفي الجانب الآخر صارت الولايات المتحدة تفرض القوانين
التي تحد من تدفق المنتوجات اليابانية إليها بالإضافة إلى فرض الضرائب الباهظة على
هذه المنتوجات.
وقد استجابت اليابان لتبطيء معدل النماء الاقتصادي بعض الشيء، ولكن
النتيجة كانت قاسية إذ سرعان ما أفلست العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم نتيجة
السياسة اليابانية الجديدة، كما أدى ذلك إلى تضايق الشركات الكبرى.
غير أن اليابان لم تستجب بصورة جدية للحد من التصدير الخارجي وفتح
أبوابها لمنتوجات الغرب. فعادت أميركا من باب التخويف من الخطر الشيوعي، وهو البعبع
الأزلي الذي تستخدمه أميرکا دائمًا لإقناع حلفائها وأصدقائها صعبي الإقناع بضرورة سماع
كلامها... عادت أميركا هذه المرة لتقنع اليابان بزيادة الإنفاق العسكري لأغراض الدفاع
العسكري، مما سيؤدي بصورة طبيعية إلى تبطيء معدلات النماء الصناعي في اليابان لأن هذه
المخصصات ستقتطع من ميزانية الدولة المخصصة لهذا الأمر، ولكن اليابان مانعت في ذلك.
والهدف الأساسي من تلك المحاولات هي الحفاظ على الاقتصاد الغربي
-والأميركي بصورة خاصة- في المقدمة دائمًا. فقد ذاقت أميركا الأمرين من المنتوجات اليابانية
في أسواق العالم. ففي عالم السيارات مثلًا كادت شركة كرايزلر أن تتوقف نهائيًا لولا
دعم الحكومة الأميركية لها بمبلغ 3 آلاف مليون دولار أميركي، نتيجة تضررها من المنافسة
في الأسواق العالمية والمحلية وفي عالم الحاسبات والساعات والكاميرات استطاعت اليابان
أن تسيطر على معظم أسواق العالم. أما في عالم العقول الإلكترونية فقد أعلنت شركة I.B.M. «International Business
Machines»
أن شركة ميتسوبيشي اليابانية تتفوق عليها 3 سنوات كاملة في مجال البحث
العلمي الخاص بهذه العقول الإلكترونية.
وقد فشلت كل الإدارات الأميركية في إيجاد الحلول الناجعة للمشاكل
المستعصية للاقتصاد الأميركي فعلى سبيل المثال أدى اتباع سياسة ريغن الاقتصادية «Reaganomics» إلى
إفلاس الكثير من الشركات وحدوث ركود خطير، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل
كبير وخصوصًا بين الزنوج والنساء بالرغم من أنها نجحت في خفض معدل التضخم.
فكان لا بد من علاج المسألة الاقتصادية الأميركية من الخارج. وبالذات
من اليابان!
عقدة أخرى
غير أن هناك عقدة أخرى.. إنها الخطر الصيني! فالولايات المتحدة تنظر
إلى اليابان على أنها العقل الشرقي الذي لو توافر له الجسم الملائم -والذي يتمثل في
الصين- لصارت هذه التركيبة قوة عالمية كبرى، وذلك إذا حدث التزاوج بين الصناعة ونظم
الإدارة اليابانية والألف مليون صيني.. ومع ذلك فإن الغرب مطمئن إلى عدة نواحٍ أهمها:
العداء التاريخي بين الصين واليابان واختلافات الثقافة واللغة، بالإضافة إلى الاختلافات
الموجودة بين الكيان الياباني في عالم السياسة والاقتصاد، والعالم الصيني الشيوعي الذي
نهج الماركسية طريقًا وعقيدة حسب التفسيرات الـ«ماوية».. هذا بالإضافة إلى التخلف الصيني
في مجال التكنولوجيا والذي يحتاج إلى عشرات السنين لكي يلحق بركب الصناعية المتطورة
والتقنية العالية الحديثة «High Technology».. كما أن اليابان تجهل أسرار
التصنيع الحربي الحديث.
ولا ترغب في دخول ميدان الإنتاج الحربي الثقيل.. أما القوة التي
يريدها اليابانيون فهي لا تتعدى ما قاله أحد القادة اليابانيين عن رغبته في جعل اليابان
«حاملة طائرات أميركية لا يمكن إغراقها».
وقد عبر عن الخوف الغربي من الخطر
الصيني الرئيس الأميركي السابق «ريتشارد نیكسون» في كتابه «الحرب الحقيقية Real War The» علمًا
بأنه كان أول رئيس أميركي يزور الصين، ويمد يد التقارب الأميركية إليها، بل إنه ساهم
بسياسته في إدخال الصين إلى الأمم المتحدة كعضو رسمي معترف به غير أن هذه الخطوات جاءت
كتهدید سياسي للسوفييت الذين يرتبطون بعلاقات سيئة للغاية مع جيرانهم! وكذلك لإدخال
هذه القوة البشرية التي لا يستهان بشأنها في دائرة العهود والمواثيق الدولية التي تضمن
إلى حد ما أخطارها ومفاجآتها والتي لم تعد مستقبلًا بعيدًا، بل أمرًا منظورًا وحاضرًا
واقعًا.
وقد كانت محاولات التفاهم الأميركي
مع الصين أشبه بمحاولة استئناس الطاقة النووية المدمرة لاستغلالها في الأغراض السلمية-
الأميركية طبعًا!
- الخوف من الإسلام العملاق:
وإذا كانت أميركا تخشى الكم الصيني، فإنها تخشى الكم والنوع الإسلامي،
والذي مثل تهديدًا حقيقيًا آخر-حسب وجهة نظرها- للحضارة الغربية، والذي لو قدر له أن
يأخذ دوره الحقيقي لساد العالم.. ولكن الممسكين بخيوط اللعبة الدولية اتفقوا على جميع
ألوانهم وأجناسهم وجنسياتهم واختلاف أنظمتهم وعقائدهم، قد اتفقوا جميعًا على تكبيل
الإسلام وإبقائه مهدورًا في الأرض العربية على وجه الخصوص، وبالذات في مثلث الخطر (الشام-
تركيا- مصر)، وإبقاء المنطقة العربية والتي هي قلب العالم الإسلامي ممزقة مفككة غير
قادرة على استغلال طاقاتها أو الاستفادة من موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية والسكانية
للبروز كأمة واحدة ذات قوة عالمية برسالة الإسلام.. كما تحرص على إبقائها خالية من
كافة التوجهات الدينية التي تؤدي إلى قيام الخلافة وإعلان الجهاد لإعلاء كلمة الله.
و«إسرائيل» هي إحدى الأسلحة الفتاكة المستخدمة لتحقيق هذا العرض
الخطير غير أنها ليست السلاح الوحيد.. ولهذا كانت علاقة أميرکا بإسرائيل قوية، وهي
التي كانت صنيعة إنجلترا في بلاد العرب.
إن وجود «إسرائيل» في هذه المنطقة من العالم الإسلامي أمر استراتيجي
وضرورة حيوية لضمان استمرار بقاء الحضارة الغربية في مركز القيادة العالمية لأطول فترة
تاريخية ممكنة، كما أنها مسألة حياة أو موت للحضارة العربية بأفكارها وثقافاتها وعقائدها
وعاداتها وتقاليدها، فوجود «إسرائيل» ينهك الدول العربية، ويقتل جهودها في البناء الداخلي
ويستهلك مواردها الاقتصادية ويفرض عليها أعباء ضخامًا هي في أمس الحاجة إليها لتحقيق
قوتها الذاتية في الزراعة والصناعة والاقتصاد، كما أن وجود هذا الجسم الغريب يفتح المنطقة
لرياح عدم الاستقرار السياسي والتي تتمثل في الانقلابات العسكرية والثورات والاضطرابات
المستمرة مما يحرمها من أهم شروط التقدم والازدهار المدنيين وهي: استقرار النظام السياسي
وثباته.
كما أن وجودها كذلك يسمح للقوى
الغربية بالتدخل في المنطقة لفرض ما تريد بحجة حل النزاع وإقرار السلام الدائم- بزعمهم.
- العائق الإسرائيلي
ولا ننسى أن قيام «إسرائيل» كان بعد سقوط الخلافة العثمانية وتقسيم
البلاد العربية ووقوعها تحت الانتدابين الفرنسي والإنجليزي، ففرنسا وإنكلترا لم تكونا
عازمتين على البقاء إلى الأبد في البلاد العربية لأن جيوشهما إنما دخلت المسح آثار
الخلافة العثمانية و«غسل الإسلام» من بلادنا- على حد تعبير المؤرخ الإنكليزي «أرنولد
توينبي»- بالإضافة إلى غسل أدمغة الشعوب وتغيير تركيباتها وبنياتها الداخلية لكي تبقى
مشدودة بعد ذلك إلى الغرب في كل شيء، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بقوة العسكر والسلاح
ومنطق القوة.. ولعل هذا يفسر كثرة الأنظمة العسكرية الدكتاتورية الحاكمة والانقلابات
المتواصلة في بلادنا الإسلامية.
كما أن وجود «إسرائيل» كعائق سياسي وجغرافي وبشري وعقائدي يمنع الوحدة
بين أهم دولتين عربيتين واللتين تعدان مركز الثقل في الجسم العربي والإسلامي وهما:
مصر وسوريا.. ففي هاتين الدولتين يكمن قلب الأمة العربية ومركز ثقلها البشري والسياسي
والقيادي، بالإضافة إلى العوامل الطبيعية والجغرافية والاقتصادية الأخرى.. وذلك في
الأحوال الطبيعية التي يمكن فيها للنظم أن تحكم.. وليس المستسلمون أو الإرهابيون، وبالتالي
لا تقوم للوطن العربي قائمة بالإسلام، ولا تقوم للعالم الإسلامي قائمة والوطن العربي
مهيض الجناح.
- أمن «إسرائيل» وأمن الولايات المتحدة
ولهذا السبب وحده يعتبر أمن «إسرائيل» من أمن الولايات المتحدة والحضارة
الغربية ككل. وحين تستطيع الولايات المتحدة إيجاد دولة نصرانية خالصة كي تكون قاعدة
لمصالحها، ترعى الفرقة وتكرس الانقسامات في الوطن العربي فإن «إسرائيل» تصبح عديمة
النفع أو الفائدة.. وربما كان هذا هو الدور المرتقب للبنان الماروني..
ومن السذاجة أن نعتقد أن الولايات المتحدة قد تقنع بإحدى الدول العربية
أو الإسلامية كحليف وراع لمصالحها بحيث تأخذ نفس المكانة الإسرائيلية.. وهي الوضعية
التي كان يحلم بها السادات لمصر.. غير أن الولايات المتحدة كانت تنظر ولا تزال إلى
مصر نظرة الشاك المستريب مما قد تأتي به الأحداث، كما أنها لا تريد من مصر سوى التسهيلات
والقواعد التي تسهل للولايات المتحدة حماية أمنها القومي.. كما أن سقوط الشاه قد علم
أميركا ألا تضع بيضها كله في سلة واحدة فقط!
إن «إسرائيل» وجدت لتكون عائقًا في وجه ظهور الخلافة الإسلامية في
بلاد العرب التي هي مهبط الوحي وموطن هذه الرسالة السماوية السامية.. ولتكون عائقًا
كذلك للاستقرار السياسي والنماء الاقتصادي، وفي هذا كله إضعاف البلاد العرب والمسلمين
لتحمي الغرب من ظهور القوة الإسلامية في العام، والتي يعدها الغرب من أشد الأخطار التي
يتوقعها، لا كخطر يتهدد قوته العسكرية بل ويتهدد وجوده العقائدي والحضاري كذلك.. ولهذا
نجد الإصرار دائمًا على وجود إسرائيل والحفاظ على «حدودها الآمنة» كمسألة مقدسة غير
قابلة للنقاش أو الخوض في تفاصيلها إلا قليلًا وفيما ندر.
وهي ضرورة حيوية لحماية المصالح الغربية لإبقاء هذه البقعة من العالم
مجرد بقرة حلوب تدر النفط وتستهلك العلف الغربي الذي يقدم لها في صورة البضائع الاستهلاكية،
ومربوطة من عنقها بالنظم السياسية والاقتصادية الغربية مع وجود جرس في عنقها ينبئ بمحاولاتها
للتحرك والفرار، وبالتالي تبقى دون أن تؤدي دورها الحقيقي في قيادة العالم بالإسلام.
وعلى ضوء هذه القاعدة الهامة يمكننا
أن نفسر علاقة الولايات المتحدة الأميركية بـ«إسرائيل» وبأصدقائها العرب.. وإن أخشى
ما تخشاه أميركا في هذا الجزء من العالم هو أن تحدث هزات سياسية تفجر الجهاد الإسلامي
ضد «إسرائيل» والغرب في المنطقة ككل.. ولهذا فإن ديبلوماسيتها ومخابراتها وكافة الأجهزة
المرتبطة بها مسخرة جميعًا لهذا الهدف الذي يرمي إلى حماية الأمن القومي لأميركا والغرب،
ولتبقى المنطقة ملائمة في أحوالها لظروف الابتزاز الغربي لها عقائديًا وسياسيًا واقتصاديًا.