; الشيوعية المقنعة في رواية تدعو للإباحية وتطعن في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الشيوعية المقنعة في رواية تدعو للإباحية وتطعن في الإسلام

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999

مشاهدات 98

نشر في العدد 1341

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 09-مارس-1999

 

  • بطل الرواية يبدي مشاعر الود تجاه اليهود ويتهم العرب بالنخاسة ويؤيد الانفصاليين في جنوب السودان
  • الرواية تروج للشذوذ .. وتهاجم العرب والإسلام بمنتهى القسوة!
  • إلى دعاة الوحدة الوطنية: ما معنى أن توصف العيون بأنها قبطية؟

يبدو أنه لم يعد للشيوعيين العرب السابقين- أو الحداثيين كما يسميهم بعض الناس - غاية أو هدف غير الطعن في الإسلام، وتشويهه، ومحاربة كل دعوة تنطلق منه أو تعتمد عليه.. فضلًا عن سعيهم الحثيث لإشاعة القيم الغربية الرأسمالية- التي كانوا يحاربونها في عهد السوفييت - في أرجاء المجتمع العربي المسلم، وعد هذه القيم طريق الاستنارة والتقدم!

ولا شك في أنهم يجدون من يرد عليهم حينما يثيرون الشكوك حول الإسلام، أو يبشرون بقيم الغرب من خلال مقالاتهم أو كتبهم، أو في ندواتهم ومؤتمراتهم، ولكن حين يوظفون الفنون الدرامية لهذا الأمر العدواني، يصعب الرد والمواجهة، لأن هذه الفنون تمثل نوعًا من الصعوبة، بل قل لا تجد الاهتمام الكافي، والعناصر المدربة من المعنيين بالدفاع عن الإسلام وقيمه، والمسلمين وحقوقهم.

وفي الفترة الأخيرة، قرأنا عن فيلم سينمائي أخرجه شيوعي لبناني - مع العلم أنه مسلم في الهوية - يتبنى فيه وجهة نظر المارون، ويحمل على المسلمين اللبنانيين، وبدلًا من أن يدعو الفيلم إلى ضرورة العيش المشترك والانتماء إلى الوطن اللبناني والعربي، ويحذر من الوقوع في فخ الفتنة، والولاء للمستعمر الغربي، نجده يشعل النار من جديد، ويقلب الحقائق، وينسى من بدأ القتال ضد المنظمات الفلسطينية، وضد المسلمين، وينسى أيضًا من استنجد باليهود والغرب الاستعماري، ومن المفارقات أنه يدعي أن اتفاق الطائف بين الفئات اللبنانية ظلم النصارى!

 وبالطبع، فإن هذا الفيلم العدواني الانتهازي، يلقى ترحيبًا من الشيوعيين في بعض الأقطار العربية، وإشادة به وبمخرجه وبأفكاره.

وإذا تركنا هذا الفيلم جانبًا، فإننا نلاحظ ظاهرة استشرت في المجال الأدبي، وخاصة في «الرواية»، وتتمثل في أن مجموعة من الكتاب الطائفيين العرقيين المتعصبين - وكانوا من قبل أعضاء في التنظيمات الشيوعية - يؤلفون روايات عديدة، تدور في إطار طائفي أو عرقي، وتدعو إلى الإباحية والشذوذ، وفي الوقت ذاته، تهاجم العرب والإسلام بمنتهى القسوة والفظاظة، وتعلن بلا مخافة تأييدًا مطلقًا للحركات الطائفية الانفصالية التي تجري في أرجاء الوطن العربي.

 وسوف أتوقف عند إحدى الروايات التي نشرتها «دار رياض الريس» في لندن عام 1994م، وتقع في 325 صفحة من القطع الصغير، لتكون مثالًا معبرًا عن ظاهرة خطيرة يروج لها شيوعيو الأيام السابقة، خدام الرأسمالية الغربية في الأيام الراهنة! 

لن أذكر اسم مؤلفها - كي لا أخدمه بنشر اسمه - ولا اسم روايته فهناك من القراء من اطلع عليها بالتأكيد، وغايتي هي التعريف بظاهرة، والتنبيه إلى خطرها.

تدور الرواية المذكورة حول تجربة شيوعي سابق، في إطار سيرة ذاتية، تبدأ من الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات، ولا يخضع الرد لتسلسل زمني متصاعد، ولكنه يزاوج ما بين الماضي والحاضر، ويخضع للاستدعاء «استدعاء الماضي والحاضر معًا»، بالإضافة إلى المذكرات القديمة والقريبة، ومحيطها الجغرافي والاجتماعي مصر والسودان والعراق ولبنان وبولندا وسويسرا وإثيوبيا، والأماكن في كثير منها تمثل بيئة نصرانية، فالبطل الذي هو الراوي أو المؤلف نفسه - فيما يبدو - يعيش في بيت قسيس بروتستانتي، ويتعلم في الكلية الأمريكية بأسيوط «وفيها بيئة نصرانية معروفة»، والأقارب والأصدقاء والزملاء المصريين والأجانب معظمهم من النصارى، والكنيسة حاضرة دائمًا في حياتهم.

مزيج بين الفصحى والعامية

ولغة الرواية تمزج بين الفصحى والعامية المصرية والسودانية، وتبدو الفصحى ركيكة وضحلة مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية والتركيبية، ولكن الناشر اعتنى بطبع الرواية، وجعل لها عنوانًا بارزًا بالخط الأحمر على غلافها، وأيضًا جعل اسم المؤلف بارزًا «كما النحت»، دليلًا على حفاوته بالرواية وصاحبها الذي يدعي أن له علاقة بالعمل الصحفي!

ومعظم الشخوص جاهزة، غير متحولة، لا عمق لها، يسيطر عليها جميعًا الهاجس الجنسي أو الشبقي بكل أنواعه، والبطل رجل مشغول بالنساء والغلمان والرجال، وينقل لنا على امتداد معظم الصفحات تحولاته الجنسية مذ كان طفلًا حتى غادرناه على صفحات الرواية كهلًا يقوم بواجباته الشبقية كأنه آلة ميكانيكية، والبطل الراوي مولع بتقديم الشذوذ بين الرجال، وبين النساء، بل إنه لم يكتف بذلك، فصور لنا بصورة مقززة إتيان المحارم، ليخرج القارئ - أي قارئ - بأنه لا يوجد أحد في المجتمع العربي، فضلًا عن الأوروبي واللاتيني «نسبة إلى أمريكا اللاتينية» إلا وهو داعر أو شاذ أو منحرف.

وكأن الكاتب الطائفي المتعصب يدرك هذا سلفًا، فيكتب في المقدمة مهاجمًا الذين يرفضون عمله الإيروتيكي أو الشبقي - كما يسميه - وكأنه يتهمهم بالتخلف والقصور.

 

مسوغات الانحراف

ولأنني لا أحب أن أتوقف عند هذا الجانب، فسأكتفي بتقديم مسوغاته للدعارة والانحراف، فهو مثلًا يشيد بالدعارة في السودان، في وقت سابق، ويقول على لسان الشخصية الروائية: «الدعارة هنا علنية، هذه إفريقيا التي تتعامل مع الجسد بحرية وصدق وليس مثل العرب»، فالقضية عنده هي حرية الجسد، وأن الأفارقة أكثر صدقًا من العرب، وكأنه لا أثر للكنيسة التي يتبعها ويتعصب لها، ولا للشرائع الإلهية، ولا للقيم الاجتماعية، ولا للفطرة البشرية في لجم انحلاله.

وفي تسويقه للشذوذ يقول: «الجسد هو الشيء الوحيد الذي يبقى للسجين» «ص 98»، ويواجه بمعارضة كاتب مهم صديق له، يرفض كتابته الجنسية، يحلل ذلك بأنه - أي الكاتب المهم - ينطلق من موقف أخلاقي سياسي، ويصف «لكني أعتبر أن من يريد أن يكتب عليه بالضرورة أن يحتفظ بمسافة بين الكتابة والمواقف الأخلاقية والسياسية»، وهذا الكلام الذي يقوله الراوي، يؤكد أن الشيوعيين لا خلاق لهم.

إن الجانب الإباحي الذي تدعو إليه الرواية - على خطورته - يتضاءل أمام تعصب البطل وحملته على الإسلام والمسلمين، وطعنه في الاخلاق الإسلامية صراحة وعلنًا، فهو حريص في ثنايا روايته غير المتماسكة فنيًا، أن يعبر عن تعصبه الطائفي في أكثر من مناسبة، ومع أنه ملحد ومنحل، إلا إنه لا يكف عن الإشارة إلى انتمائه الطائفي، بل إنه يصف إحدى النساء في الرواية قائلًا: «عيونها قبطية» - ترى لو فعلها مسلم، ماذا سيقال عنه، بل ماذا سيكون مصيره؟

ويصدِّر الكاتب روايته بآية من الإنجيل المتداول تقول: «اسمى جوقة، لأننا كثيرون» ويشرحها ويربطها بالمسيح - عليه السلام، ويتحدث في موضع آخر عن بيض النعام المعلق على باب المذبح الداخلي للكنيسة الذي يرمز إلى استمرار الكنيسة عبر عصور الاضطهاد المتعاقبة، وهنا يقلد الكاتب المتعصب الراحل «لويس عوض» عندما تحدث عن اضطهاد النصارى في مصر، فيشير إلى الجزية، ولبس «الرزاق»، والنزول عن الحمار.. ويزعم أن النصارى هاجروا إلى معابد الأقصر في بعض العصور الإسلامية هربًا من اضطهاد المسلمين!

 وتوالي الرواية الهجوم على الإسلام من خلال ما يسمى بجمهورية الشيخ جابر الإسلامية في إمبابة في مصر، فينتقد الإسلام الذي لا يسمح بتربية الخنازير، ويحرم أكلها، كما ينتقد اللحى والحجاب، ويتحدث عن الصراع بين المسلمين والنصارى في هذه المنطقة العشوائية، ويحلل الصراع بين الحكومة والإسلاميين ويتوقف عند الكنيسة وموقفها من الطرفين ويعترف - لأول مرة - بتعصب النصارى وحملهم للسلاح متعاطفًا معهم بالطبع، ودعاواهم بامتلاك نصف مصر الجنوبي!

والغريب أن المؤلف لم يبرر لنا لماذا انتقل البطل - الذي يلبس قناعه - من أفخم أحياء القاهرة الزمالك إلى إمبابة «المنطقة العشوائية»؟ لقد ذكر أن السبب شخصي.. وهذا سبب غير مقنع، لأن البطل الشيوعي السابق، لم يكن مطاردًا، ولا في حالة اقتصادية سيئة، ولا مشكلة لديه، إن السبب الأرجح هو رغبة الكاتب في أن يطعن بطله في مفاهيم الإسلام، ويعلن عن أحلام النصارى في عصر الضعف الحكومي.

اضطهاد النصارى

ويتخذ البطل من الجماعات الإسلامية متكأ للحديث عن اضطهاد النصارى وحرق كنائسهم وبيوتهم، ويشير إلى أن النصارى يغلقون أبوابهم من الداخل بالأقفال والترابيس خوفًا من هجوم المسلمين المتوحشين، وهو ما جعل النصارى لا يفتحون الباب لأحد إلا إذا عرفوا أنه منهم كأنهم المسلمون في البوسنة أو كوسوفا!

وتؤلم البطل - الراوي - مقولة للرئيس السادات فحواها أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، فيحمل عليه حملة ضارية ويتهمه أنه حارب الثقافة، وفتح الباب أمام المستثمرين الطفوليين «كذا!»، وتحولت المكتبات في عهده إلى محلات قبيحة لبيع الأدوات الصحية، «فقد كان حي الفجالة حي المكتبات والمقاهي والبارات اللطيفة منذ أيام اليهود والإجريج! بقية المكتبات امتلأت رفوفها بالكتب الدراسية، وبعضها تخصص فيما يسمى بالكتب الإسلامية - هكذا أسموها - ..».

ويتحدث البطل - الراوي - عن جارته الغائبة والمقهى المجاور فيعرج على طعن الإسلام من خلال السادات والحركة الإسلامية، يقول:

»هذا هو المقهى الذي كانت ترسلني إليه جارتنا الغانية بالتعبير المهذب لأحضر لها البيرة والبيبسي، ذلك الوقت الغابر قبل الهوس الديني، حينما كانت البيرة والبوظة «شراب مسكر»، تقدم في مقاهي الفجالة، والظاهر قبل أن يعلن السادات أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية، ويفتح بذلك القمقم الذي خرج منه المارد الذي احتضنه ثم ما لبث أن قتله في حادث المنصة الشهير».

وواضح أن بطل الرواية الطائفية حزين من أجل البيرة والويسكي، وهو منزعج للغاية، لأن السادات أعلن أنه رئيس مسلم لدولة إسلامية وهو ما لا يريده، فكلمة مسلم وكلمة إسلام مخيفتان، ولا محل لهما في قاموس البطل الطائفي في الوقت الذي يتغزل فيه بعيني امرأة ويصفها «بعيون قبطية»! ثم يلوم السادات لأنه فتح القمقم للمارد، وهذا البطل الطائفي يردد ما يقوله الماركسيون زورًا وبهتانًا، فمصر مسلمة منذ أربعة عشر قرنًا، والإسلام فيها مارد لا ينطلق بإرادة أحد، ولكنه ينطلق بإرادة الله، ثم هو لم يلق احتضانًا من السادات، ولكنه لقي اعتقالًا وحربًا ضروسًا، بلغت ذروتها قبيل مقتله، ويتحسر البطل الطائفي المتعصب، لأن محل «جروبي» الشهير وسط القاهرة اشتراه الإسلاميون، ومنعوا تقديم الخمر فيه! والبطل - الراوي - لا يهاجم المظاهر الإسلامية في مصر وحدها، ولكنه ينتقل إلى السودان، فيهاجم حكومة البشير والجبهة الإسلامية التي اعتقلت صديقه «مسيحة»، والأخطر من ذلك، تأييده لحركة العميل الصليبي «جارانج» في جنوب السودان، ويراها حركة استقلال للتحرر من العرب النخاسين، ونترك لكلامه الغريب المعبر عن حقد دفين يقدم لنا تصوره عن السودان والعرب والإسلام، يقول عن حركة جارانج: إنها «محاولة مسلحة للمقاومة وعدم فرض دين وهوية الآخر عليهم»! «إنها القبائل التي تحاول بالقوة المسلحة المحافظة على حقها الموروث والمنطقي في اختيار نظام حياتها الاجتماعي والسياسي والديني، بعد أن كان النخاسون العرب والأوروبيون يخطفونهم ليستعبدوهم في قصور الخلفاء من دمشق إلى بغداد إلى الباب العالى ويصدرونهم إلى مزارع القطن في الأرض الجديدة في أمريكا الشمالية والمستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا والمستعمرات الهولندية والإسبانية في الكاريبي.

ومهما حاول العرب والأوروبيون التملص من هذه القباحة فلن يكون بإمكانهم دحض الحقائق والوثائق، والأقبية التي كانوا يسجنون فيها الأفارقة على سواحل الأطلسي الإفريقية تمهيدًا لشحنهم بالسفن إلى العالم القديم والعالم الجديد، إنهم الآن لا يختفون في الغابات الاستوائية من نخاسيهم الجدد الذي يتمسحون بوحدة الإقليم ووحدة التراب لكي يحكموهم من جديد بقوانين واجتهادات مبتسرة بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن التكفير والمحرقة تنتظر من يعترض حتى لو كانوا من المسلمين لم يهربوا إلى الغابات ينتظرون أن يضعهم الصيادون في أقفاص الحديد حتى ينالوا هذه المرة ثوابهم في الجنة، لكنهم التجؤوا إلى السلاح، وإلى حرب العصابات وإلى آلهتهم القديمة وطبول حربهم وذاكرتهم الجمعية حتى لا يكون مصيرهم كالهنود الحمر وسكان أستراليا الأصليين وحضارات أمريكا اللاتينية التي دمرتها الكنيسة الكاثوليكية الجاهلية».

تشجيع انفصال السودان

إن تشجيع البطل لانفصال جنوب السودان ووصف العرب والمسلمين بهذه الأوصاف المقززة التي لا وجود لها على أرض الواقع، يؤكد أن شيوعية هذا البطل مجرد قشرة لصليبي حقود متعصب لبروتستانتية ضد الإسلام والكاثوليكية جميعًا، بل ضد الوطن الذي يرى في وحدة السودان مسألة مصيرية.

والمفارقة، أن هذا البطل يبدي مشاعر الود تجاه اليهود الذين كانوا يقودون التنظيم الشيوعي الذي انضم إليه في شبابه، ولا يرى غضاضة في وجود يهود مصريين ضمن التنظيمات الماركسية وقيادتها.

 هذا هو البطل - الراوي - الطائفي المتعصب في بعض ملامح سيرته الجنسية والفكرية، يدعو إلى الإباحية وقيم الغرب، ويطعن في الإسلام والمسلمين، من خلال رواية ضعيفة فنيًا، متهالكة البناء، رديئة اللغة، جافة الصياغة، ولكن القوم يحتفون بها لأنها تصب في خدمة أعداء الأمة والدين جميعًا.

ترى هل تستطيع الأقلام الإسلامية الموهوبة أن تنشط المواجهة مثل هذه التخرصات والأكاذيب بالكتابة الفنية الفعالة والمؤثرة؟

 

 

الرابط المختصر :