; الحرب الثالثة لترسيخ العولمة.. بعد فلسطين وأفغانستان جاءت الحرب في العراق | مجلة المجتمع

العنوان الحرب الثالثة لترسيخ العولمة.. بعد فلسطين وأفغانستان جاءت الحرب في العراق

الكاتب أحمد صدقي الدجاني

تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003

مشاهدات 79

نشر في العدد 1545

نشر في الصفحة 18

السبت 05-أبريل-2003

336 حربا يشهدها العالم في234 عاما قرابة 140 منها لها علاقة بالنفط

 في العقود الستة الأخيرة وقع 124 نزاعا في مناطق غنية بالنفط

 على المرء أن يحصن نفسه من الإحباط وتشويش الفكر وأن تتوافر له القدرة على الفعل وممارسته

ها هي الحرب الأمريكية البريطانية المبيتة على العراق قد بدأت وها هي «حرب العولمة» التي تستهدفنا تدخل مرحلة ثالثة بعد أن اشتعلت في فلسطين باقتحام مجرم الحرب شارون الحرم القدسي يوم 28/٩/٢٠٠٠، ثم في أفغانستان إثر إعلان الرئيس الأمريكي الحرب رسمياً يوم 7/١٠/٢٠٠١م.

اكتب.. والأخبار تتوالى مسموعة ومرئية وفي الصحف وكثير منها ينتهي إلى «إعلام الأزمات» و«الحرب النفسية»، وهي بمجملها تتحدث عن هجوم من البحر والجو والبر بجحافل من السفن الحربية والطيران وجيش عرمرم. ولا عجب إذا زلزل كثيرون زلزالاً شديداً، وإذا انتشرت في أوساط عالمنا مشاعر إحباط ثقيلة.

كيف السبيل لعربي مؤمن ينتمي إلى (العالميين) الذين يتعرضون لهذا الهجوم الكاسح من (العولميين) أن يتصرف كي يحمي نفسه من الإحباط وتشوش الفكر، ويكون قادراً على (الفعل) والإسهام؟ هذا هو السؤال الملح الآن والحرب دائرة.

«تلميذ التاريخ» الذي جاوز الستين ورأى بعينه في حياته عدداً من الحروب ودرس مئات غيرها حفظ أخبارها التاريخ، يذكر نفسه وغيره بضرورة استذكار السنن التاريخية التي تحكم الحروب، وبالحرص على أن يقرن «البصر»، الذي يرى ما يجري «بالبصيرة»، التي تتشوف المستقبل وتبلور الرؤية في مدى قصير أو متوسط أو طويل، وباستحضار ما أوصى به الله سبحانه المؤمنين حين يواجهون العدوان من الثبات والصبر والتقوى وعزم الأمور بعامة.

هذه بداية .. ثم لا بد من الوفاء بأمرين متصلين بحرب العولمة هذه التي نعيشها:

الأمر الأول: استحضار أحداثها، وإحسان قراءتها والإحاطة بتحدياتها، وتأمل مسارها واستشراف تداعياتها.

الأمر الآخر: الاستجابة لتحدياتها، بتحديد ما يمكن عمله إسهاماً في مواجهة العدوان والطغيان ومباشرة القيام بذلك الإسهام.

إن لنا إذاً أن نستذكر بعض السنن قبل تناول هذين الأمرين:

«الحرب موجودة في التاريخ الإنساني في كل مرحلة هذه حقيقة تاريخية وسنة كونية، وقد تناولها بالنظر مؤرخون ومفكرون من أقدم العصور وفي جميع الدوائر الحضارية وتذكر دائرة المعارف الإسلامية في مادة «الحرب»، أن ابن خلدون عد الحرب جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الإنساني منذ الحالة القبلية فصاعداً، وفيها أيضاً أن الإسلام حرم جميع أنواع الحرب إلا الجهاد بمفهومه الشرعي، بما يهدف إليه من صد العدوان وإخماد الفتن.

هذه السنة تعني أن نضع السلم نصب العينونسعى لتحقيقه بتوفير شروطه اللازمة لاستتبابه من حرية ومساواة وعدل، وهي تعني أيضاً أن نواجه الحرب حين تنشب بثبات جاش وصبر وعزيمة. 

«شهد عالمنا بين عامي ١٧٤٠ و ١٩٧٤ ثلاثمائة وستة وثلاثين حرباً، قام بحصرها ودراستها المعهد الفرنسي لعلم الحرب الذي تأسس عام ١٩٤٥م وقد وجد أنها تتصف بالتنوع، وأن أسبابها متعددة. ووجد أن ربعها وقع في مناطق المضائق، وثلثها وقع في مناطق مكشوفة، والباقي كان في مناطق ذات علاقة بالنفط، الذي بدأ يأخذا دوراً عسكرياً واقتصادياً مهماً منذ عام ١٩١٤، وفي غضون العقود السنة التالية وقع ١٢٤ نزاعاً في مناطق غنية

بالنفط».

وها نحن نشهد اليوم حرباً وثيقة الصلة بنفط العراق وإيران وآسيا الوسطى والخليج، مستهدفة السيطرة على نفط العالم.

حين تنشب الحرب تكون لها تداعياتها، وما أكثر ما تتحول من حرب بين طرفين أو ثلاثة إلى حرب بين أطراف كثيرة، هذا ما رأيناه في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد شهدت الحرب منذ عام ١٩٤٥ تغيراً خطيراً فيها حين استخدمت  أمريكا السلاح النووي، وطورت قوى الطغيان غربية أسلحة الدمار الشامل. ويكون النصر في حرب في نهاية الأمر حليف الطرف الذي يتمتع بمناعة داخلية ومعنويات أعلى. 

وقد كان الاستعمار بكل أشكاله والاستعمار الاستيطاني بخاصة سبباً رئيساً في الحروب. أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني هو هذا الصهيوني السرطاني الذي استهدفت به قوى طغيان فلسطين والقدس وأمتنا العربية ودائرتنا حضارية والاستعمار الاستيطاني شأن الاستعمار بعامة إلى زوال لأن روح المقاومة تتغلب على روح الطغيان.

أعود إلى استكمال ما بدأت من حديث عن سبيل المؤمن لتحصين نفسه من الإحباط وتشوش الفكر، وتوفير القدرة على الفعل ومباشرته، إذ بعد استذكار بعض سنن الحرب ينبغي استحضار أحداثها وإحسان قراءتها.

لقد سنحت لي مؤخراً فرصة الحوار بتعمق حول هذا الأمر في القاهرة وبيروت وعمان، وقدمت ما تبلور لدي من خلال قراءات كثيرة ومناقشات في محاضرات ألقيتها وتبعتها مناقشات ولي أن  أوجز ذلك في عصارات: 

«هذه الحرب هي المرحلة الثالثة في «حرب العولمة المتوحشة» على المقاومين لها من «العالميين» بدأت الأولى، كما ذكرنا في فلسطين ثم تلت المرحلة الثانية في أفغانستان».

ويستهدف العولميون بهذه الحرب المقاومين للعولمة،وهؤلاء يضمون اليوم المقاومين الفلسطينيين للصهيونية العنصرية، والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أولاً، والمقاومين في دائرة الحـــضــــارة الإسلامية لقوى الطغيان الغربي التي تتآمر مع الصهيونية لاغتصاب القدس ثانياً، والمقاومين للظلم في مختلف الدوائر الحضارية داخل أمريكا نفسها .

يبرز في هذه الحرب شخوص في معسكر العولميين، فهناك في الإدارة الأمريكية دونالد رامسفيلد وزير الدفاع وقبله ديك تشيني نائب الرئيس، ومعهما وولفويتز وبيرل وروف وكوندوليزا رايس وكولن باول وهم يمثلون «جوقة»، تدق طبول الحرب. وهناك في الحكومة البريطانية توني بلير وزمرته، وفي الكيان الصهيوني مجرمو الحرب شارون وبنيامين نتنياهو وشاؤول موفاز وآخرون.

أطلقت واشنطن اسم «الحرب ضد الإرهاب» على هذه الحرب. وقد قال المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في مقابلة مع مارك ثوماس الذي استخدم هذا الاسم في الخريف الماضي: «قبل كل شيء أرى أن علينا أن نكون حذرين في استخدام مصطلح (حرب ضد الإرهاب).. لا يمكن أن تكونهناك حرب ضد الإرهاب، هذه استحالة منطقية الولايات المتحدة هي واحدة من الدول القائدة للإرهاب في عالمنا جميع الشخوص الذين هم في الحكم الآن تدينهم «محكمة العدل»، التي تصم الشعوب بالإرهاب، وكان يمكن أن بدينهم مجلس الأمن لولا أنهم يحولون دون ذلك بما لهم من (فيتو). لقد أعلنوا حرباً على الإرهاب قبل عشرين سنة ، ونحن نعرف ماذا فعلوا .. لقد دمروا وسط أمريكا وقتلوا مليوناً ونصف المليون في جنوب إفريقيا والقائمة طويلة».

ونضيف نحن قائلين: يدخل في هذه القائمة الطويلة ما فعلوه في فلسطين ولبنان من خلال تابعهم الصهيوني، أما الاسم الذي بدأ يشيع في أوساط المستهدفين من المقاومين للعولمة فهو (حرب العولميين المتوحشين).

أحداث هذه الحرب كثيرة: عسكرية وسياسية وشعبية: جبهاتها الثلاث عسكرياً هي فلسطين وأفغانستان والعراق، وسياسياً في مجلس الأمن والمحافل الدولية، وشعبياً في شوارع العالم ومنظمات المجتمع المدني، ونحن نعيش يومياً هذه الأحداث وقد تركزت الأنظار بخاصة الآن على العراق ويكفي أن نستذكرها.

دور الإعلام

للإعلام في هذه الحرب مكان متميز، ويستخدم العولميون فيه إعلام أزمات يشن حربا نفسية، وله مصطلحاته وتحكمه روح الغطرسة وهو حافل بأكاذيب تتعدد وسائله، ومنها قول نصف الحقيقة لجذب المستمع والرائي والقارئ وتمرير ما هو غير صحيح بعد ذلك. 

هناك مجموعة نتائج نستخلصها من هذاالاستحضار لحقائق هذه الحرب:

  1.  تعدد جبهات حرب العولمة وأكثر هذه الجبهات يقع في دائرة الحضارة العربية الإسلامية. 

  2. كثافة إعلام العولميين واشتداد الحرب النفسية التي يشنها وهو يمهد للحرب وأثناءالمعارك

  3. تكون حالة من التوتر والإحباط عند كثيرين بسبب هذا الإعلام، وهذه الحرب النفسية وحالةالنظام الدولي البائس. 

  4. تجلي فظاعة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين مع توالي جرائمه. وانكشاف علاقته بقوى الهيمنة في الغرب وبالعالميين المتوحشين، وحقيقة كون الكيان الإسرائيلي قاعدة عسكرية متقدمة للولايات المتحدة.

  5. تحرك شعوب العالم بصورة غير مسبوقة و بروز محكمة العالم الشعبية من خلال هذا التحرك.

  6. تجلى أعراض نقص مناعة في الولايات المتحدة، وقد عبرت عن ذلك إجراءات تضييقالحريات.

  7. هناك إرهاصات بتشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب يطوي نظام القطبية الواحدة.

 

الرابط المختصر :