العنوان بعد الغزو الصهيوني الأخير .. هل تُعلن الحرب على المصالح الأمريكية؟
الكاتب محمد عبد الهادي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 65
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 06-يوليو-1982
● ضرب الحركة الإسلامية واحد من أهم الأسس الأمريكية لحراسة مصالح البيت الأبيض.
● المصلحة الأمريكية والوجود الصهيوني في المنطقة العربية أمران متلازمان.
● الحركة الإسلامية في سوريا ومصر والمغرب العربي تذبح بالسكين لأنها الصوت المعارض الحقيقي للسياسات الخارجية والمصالح الدولية في المنطقة.
● إخراج الروس القوى الأخرى من المنطقة يدعم الاستنزافالأمريكي المنفرد للمنطقة.
● البيت الأبيض لن يتخلى عن دعم الدولة اليهودية من أجل بعض الأنظمة كما يروج البعض.
● الموقع الاستراتيجي والنفط وسوق السلاح في رأس قائمة المصالح الأمريكية في المنطقة.
● أمريكا تلجأ إلى إشعال الفتن والحرائق بين دول المنطقة لتثبيت أرجلها وتمديد نفوذها.
● حماية الدولة اليهودية ودعم عدوانها على الأمة يقوي اتكاء العرب على أمريكا.. لماذا؟
● إيجاد الحكام العملاء للبيت الأبيض خير حارس للمصالح الأمريكية في بلادنا.
لا بد للمتأمل في حركة السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية من أن يقف على حقيقة ذات شعبتين:
-اعتقاد البيت الأبيض الأمريكي أن المصالح الأمريكية في المنطقة أمر يعلو ولا يعلى عليه؛ لذا فعلى مقتضى الخطوط السياسية الأمريكية للمنطقة أن ينطلق من وعي هذه المصالح بحيث تؤمن سياسته استمرارية الوصول إليها. دون وجود الحواجز المانعة أو المعرقلة لتلك الاستمرارية.
-استقرار دولة إسرائيل وجعلها القوة الحقيقية الوحيدة في المنطقة لكونها الأداة الأولى في تمرير سياسة المصالح بالشكل الجبري أمام الخيارات المتناقضة للسياسة العربية.
من هذا الفهم الأمريكي لرؤية المنطقة العربية يستطيع المتأمل فهم الموقف الأمريكي مما جرى ويجري على الساحة العربية أثناء الاجتياح الإسرائيلي الأخير للبنان.
● فأمریکا ووزير خارجيتها المستقيل «هيغ» رضي لنفسه أن يكون جنرالًا يقوده وزير حرب العدو «أرييل شارون»؛ الأمر الذي استساغته الخارجية الأمريكية لأجل محدود، وإن كان قد لطخ سمعة الولايات المتحدة في الأروقة الدولية، وجعلها بالتالي مسؤولة عن الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد لبنان ومن فيه.
● والسياسة الأمريكية -على الرغم من الاستنكار الدولي العريض لما يحدث في لبنان- استخدمت حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن يوم 26/ 6/ 1892 ضد مشروع قرار فرنسي يطالب بانسحاب متزامن ومتبادل للقوات الإسرائيلية والفلسطينية من بيروت وضواحيها.
وعلى الرغم من استقالة «هيغ» من الخارجية الأمريكية.. وعلى الرغم من تفاؤل الأنظمة العربية بالوزير الجديد.. فإن الدوائر الأمريكية ما زالت تسير على النهج نفسه وما زالت تعلن حتى اليوم عن موقف من القضية اللبنانية والمسألة العربية ككل لا يلغي أبدًامواقف هيغ الصهيونية العدائية للعرب ولقضيتهم مع الوجود اليهودي.
الصلة مع الصهيونية:
إذا كان الأمريكان قد اختاروا الوقوف إلى جانب الدولة اليهودية في كل أزمة- مع سكوت الأنظمة العربية على هذا التوجه الأمريكي- ولم يعد ذلك يثير استغراب المواطن العربي، فهناك سؤال ملح هو: لماذا تخلط الولايات المتحدة مصالحها «العربية» مع الدعم المتزايد للدولة اليهودية؟ ولِمَ هذا الامتزاج بين الرغبتين المتعارضتين في الظاهر: رغبة تحرير المصالح الأمريكية ورغبة استمرارية الوجود اليهودي؟
إن الإجابة في الإشارة إلى اللوبي الصهيوني الموجود حول البيت الأبيض لم تعد كافية؛ فمصالح الولايات المتحدة في المنطقة العربية أثمن وأكبر من تأثير اللوبي الصهيوني؛ لذا فلعل هناك أمرًا آخر يزيد في تمتين الصلة بين السياسة الأمريكية والوجود اليهودي في المنطقة العربية. ومن استقراء الأحداث الدائرة على أرض الأمة، وبموازنة تلك الأحداث بما للولايات المتحدة من مصالح في المنطقة نلاحظ ما يلي:
1- أن الوجود اليهودي على الأرض العربية أثبت أنه الأقدر على استمرارية الأنظمة العربية المتاجرة بالقضية الفلسطينية.. بل إن قيام الدولة الصهيونية وتوسعها المستمر زاد في دفع الأنظمة الحاكمة في الوطن العربي نحو أحضان القوى الكبرى المستعمرة للعالم الضعيف.
2- وهذا الأمر قسم الأنظمة الحاكمة في وطننا إلى محورين رئيسيين: محور نائم في الحضن الأمريكي وهو ينظر إلى البيت الأبيض على أنه الخصم والحكم بآنٍ واحد. ومحور يغفو على أعتاب الكرملين الروسي لا يحرك ساكنًا بانتظار أوامر أسياده. لكن المواطن العربي يعرف الآن تمامًا أن كلًّا من البيت الأبيض والكرملين أجادا إدارة اللعبة في قسم الأنظمة العربية من خلال ما يسمى بلعبة النفوذ الدولي.
2- إن افتعال الأزمات بين العرب وإسرائيل لا يزال حتى اليوم جزءًا من لعبة المصالح الخارجية في المنطقة، فالدول العربية بحاجة إلى السلاح الأمريكي والروسي، وهي بحاجة أيضًا إلى ما يسمى بالدعم الخارجي السياسي لوجودها وتبريره أمام الإشكالات الإسرائيلية على مر الزمان في المنطقة.
هنا تظهر أهمية الوجود الإسرائيلي في قلب الأمة للقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهذه الأهمية تنقلب إلى حاجة عندما تصبح إحدى أهم الوسائل لتمرير المصالح الأمريكية في المنطقة.
المصالح الأمريكية:
يعتبر الشرق الأوسط والخليج النفطي أهم مرتكزات المصالح الأمريكية في العالم، وإذا كانت تلك المصالح تحسب في علم السياسة على سلم النفوذ ضمن لعبتي الصراع والوفاق الدوليين فما هي تلك المصالح؟
1- المصلحة الأولى تتجسم في العين الأمريكية بالنظر إلى الشرق الأوسط والخليج نظرة جغرافية استراتيجية. فهذه المنطقة تحتل مكانًا وسطًا بين القارات القديمة والجديدة. وهي تقع قريبة من القوى الكبرى أو القوى المتنامية في هذا العالم. وعلى هذا فإن الأمريكان يضعون المنطقة في رأس القائمة الاستراتيجية الدولية. وهذا يفسر لنا خذلان أمم العالم من الاقتراب صوب النار المشتعلة في الشرق الأوسط ليظل البيت الأبيض الأمريكي هو الوصي على حل مشاكل هذه المنطقة على أنها تدخل ضمن نفوذها الدولي.
2- إن اقتراب المنطقة من دول حلف وارسو وإشرافها على عدد من البحار والممرات الدولية يغري الأمريكان بالحرص الشديد على بقاء المنطقة داخل نفوذها، وتمرير السياسة الأمريكية فيها وفي ظروف السلام والحرب بآنٍ واحد.
2- وتأتي المصلحة الاقتصادية ثانيًا؛ فالمنطقة سيدة العالم بالاحتياطي المذخورمن النفط والطاقة، وعالم اليوم أحوج ما يكون إلى مصادر الطاقة من أي وقت مضى، والقوى المتنافسة على مناطق النفوذ تضع الطاقة في ضمن أولويات برامجها في المقدمة، ولعل البيت الأبيض الذي يمسك المنطقة من آذانها لن يعدم الحيلة التي تجعله يحافظ على مماسكه في ظرفي السلام والحرب أيضًا.
3- ويأتي موضوع السلاح وأسواق تصريفه، والتكنولوجيا ومجالاتها في الشرق الأوسط والخليج، لتكمل المصلحة الاقتصادية للأمريكان في المنطقة. وسواء شحنت الولايات المتحدة مبيعاتها من الأسلحة مباشرة أو بالوساطة إلى الشرق الأوسط والخليج فإن الناتج هو الاستحواذ على المال العربي وبنوكه المليئة بالذهب والدولارات. على أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المنطقة كما تنظر إلى البقرة الحلوب. وتشير كثير من التقارير الاقتصادية إلى المدى الكبير الذي يعتمد فيه الدولار الأمريكي على مستنزفات المال العربي الذي تعتبره الولايات المتحدة لعبة تلعب به بين النفط والسلاح.
خطوط حراسة المصالح:
تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية خطوطًا أساسية تدعم فيها وجود مصالحها وتأمين استمرارية الاستنزاف في المنطقة. وإذا بدت تلك الخطوط متشعبة متناقضة فإن ضعف الأنظمة العربية وضعف شعوبها يفسح كل المجالات لتحل الولايات المتحدة جميع مشاكلها وتناقضاتها بيسر وسهولة. أما ماهية الخطوط التي تتخذ الولايات المتحدة منها حارسًا لمصالحها فهي كما يلي:
1- توسيع دائرة العمالة:
والمقصود بالعمالة هنا معناها الاستعماري المعروف القائم على ربط المنفذين من بعض حكام المنطقة بسياسة البيت الأبيض ورغبات إدارته. وليس من الصعب على المرء أن يلاحظ مدى ارتباط بعض حكام المنطقة بسياسة الولايات المتحدة ذات المصحلة الاستعمارية، وإذا كنا لا نريد هنا أن نتهم حاكمًا بعينه فإننا لا نرى بُدًّا من الإشارة إلى تصريحات بعض قادة المقاومة الفلسطينية، التي وصمت بعض الحاكمين في المنطقة بالعمالة والارتباط بالقوى الدولية لتمرير المخطط الصهيوني والمصلحة الأمريكية. وهكذا يبدو أثر العملاء في المنطقة في حراسة المصالح الأمريكية، حيث يقوم هؤلاء بكم أفواه الشعوب والمناورة على مشاعر المواطنين بالشعارات الثورية تارة والديباجات القومية والوطنية تارة أخرى.
2- إخراج القوى الدولية الأخرى:
تهتم إدارة البيت الأبيض سواء أكانت جمهورية أم ديمقراطية بالاستئثار في شؤون المنطقة السياسة أولًا، وينعكس هذا الاستئثار على انفراد الأمريكان بعيدًا عن القوى الأخرى. ومن هنا يأتي الإصرار الأمريكي على الانفراد في إجراء صلح بين العرب وإسرائيل بعيدًا عن هيئة الأمم المتحدة، وبعيدًا عن المؤتمرات الدولية الأخرى كمؤتمر جنيف الذي يشارك فيه الروس والفرنسيون والإنكليز.
إن الاستئثار الأمريكي في المنطقة يدفع الولايات المتحدة أولًا إلى إخراج الاتحاد السوفييتي، الذي يحاول التسلل إلى المنطقة عبر سوريا وعدن تارة ثم عبر إيران وحربها مع العراق تارة أخرى.. أو من البوابة الشرق أوسطية الخاصة بالموضوع الإسرائيلي في بعض الأحوال.
إن الولايات المتحدة من خلال مؤتمر فرساي للدول الصناعية الأوربية الذي عقد مؤخرًا أثبتت رغبتها في إبعاد الروس نهائيًّا عن المنطقة؛ ليظل العرب شاءوا أم أبوا تحت رحمة الولايات المتحدة وحلفائها؛ وبالتالي لتظل المنطقة خاضعة- كيفما كان الحال- للنفوذ الأمريكي ومصلحة البيت الأبيض.
3- تعميق الوجود الصهيوني:
دأبت السياسة الأمريكية منذ عام ١٩٤٨ على تبني مشاكل الوجود الصهيوني في قلب العالم العربي والإسلامي، لأسباب كثيرة منها خضوع بعض الساسة الأمريكان للوبي اليهودي. لكن هذا السبب لم يعد كافيًا؛ فالولايات المتحدة تجازف حتى في مصالحها وهي تمد العدو اليهودي في كل عدوان. فهذا ريغان اليوم يرفض إدانة إسرائيل بما فعلته في لبنان وفي الشعبين اللبناني والفلسطيني مضحيًا بما يعتقده البعض من مصالح. لكن الحقيقة تبدو معكوسة؛ فريغان وإدارته يعرفان أن تقوية الشوكة الإسرائيلية في الوطن العربي خير ضمان لاستسلام الحكام ورضوخهم للحلول الأمريكية وبالتالي لرغبات البيت الأبيض. وقد عبر أنور السادات حاكم مصر الأسبق عام ۱۹۷۷ بأقواله وسياسته عن هذه الحقيقة عندما قال: «نحن لا نحارب إسرائيل وإنما نحارب أمريكا وما دمنا عاجزين عن حربها فالأولى أن نخضع لما تريد». ثم كان ما كان في زيارة السادات للقدس وخضوعه أمام الإدارة اليهودية وذله وإذلال الأمة معه في كامب ديفيد.
إن الوقوف الأمريكي وراء الدولة اليهودية إنما هو سياسة مدروسة وليس موقفًا اعتباطيًّا للأمريكان، وقد أفرزت تلك السياسة مزيدًا من ارتماء الحكام العرب في الحضن الأمريكي؛ بدعوى أن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة القادرة على تقديم الحلول!! وهكذا استسلم الحكام!!
4- إشعال الفتن والحرائق والحروب:
وعلى هذا الخط تلهي الولايات المتحدة شعوب الأمة العربية والإسلامية عن خبثها ومداخيلها واستراتيجيتها في المنطقة، بل إن البيت الأبيض يُلجئ المنطقة عبر هذه السياسة إلى طلب الحماية، وما الحرب الدائرة في الخليج بين إیران والعراق إلا من الشواهد الصارخة على تلك السياسة اللاإنسانية.
● فالولايات المتحدة تستنزف طاقات المنطقة بالأشكال الحربية الحدودية التي تشعلها في المنطقة.
● وهي تصنع الملهاة الدامية الحارقة التي تحرق كل من اقترب منها.
والعجيب أن الأنظمة تندفع نحو هذه الملهاة كلما أرادت أمريكا وحلفاؤها وشركاؤها في لعبة النفوذ الدولي.
● والبيت الأبيض فوق ذلك يتمتع عبر تلك الفتن والحروب الحدودية بين الدول العربية أو الإسلامية بالمزيد من الولاءات لبعض الأطراف أو لها جميعًا بآنٍ واحد.
وهكذا تنتشل الولايات المتحدة مصالحها بينما الأنظمة العربية مشغولة بفتنها وحروبها وولاءاتها المتعاكسة. ولقد قال قائل: لقد نجحت الولايات المتحدة في تحويل الحرب العربية الإسرائيلية إلى صراع عربي- عربي، وهذا قول يجد مصداقية كاملة على الخارطة العربية.
5- ضرب الحركة الإسلامية:
ولعل هذا الخط هو الخط الأهم في الاستراتيجية الأمريكية لحراسة مصالحها في المنطقة. وشواهد ذلك كثيرة، وأدلّ ما تخشاه الولايات المتحدة في المنطقة تنامي الحركة الإسلامية، وسيطرتها على الشارع السياسي في البلاد العربية والإسلامية، ولعلنا نذكر كيف أمر الرئيس الأمريكي الأسبق «كارتر» إدارة الأمن القومي وكبار المسؤولين في البنتاغون بوضع دراسة متكاملة تبرمج علاجات التنامي الإسلامي؛ لأن ذلك كما صرح المسؤولون الأمريكيون يحمل الخطر الأكيد على المصالح الأمريكية في العالم العربي والإسلامي.
ولعل المراقب لن يعدم تفسيرًا لضرب الحركة الإسلامية في كل من سوريا ومصر وأرجاء المغرب العربي أيضًا.. بل امتد ضرب الحركة إلى المناطق الإسلامية الأخرى كتركيا وأندونيسيا والباكستان في مرات عديدة ومتعاقبة.
إن الولايات المتحدة بمختلف إداراتها الديمقراطية والجمهورية مصممة على اجتثاث الحركة الإسلامية من أصولها في المنطقة. وتتخذ أمريكا وسائل شتى للوصول إلى هذا الهدف وتنفذ ذلك بوساطة الحكام العملاء.. الذين صاروا من الصرحاء في العمالة وتنفيذ المخططات الخارجية بشعوب الأمة. وليست مجزرة حماة عنا ببعيد.. وليس إعدام الإسلامبولي بتصديق حسني مبارك ببعيد أيضًا. كما أن السجون العربية في سوريا ومصر وتونس وليبيا وعدن تشهد بالقسوة والإرهاب والتصفيات الجسدية المؤلمة، التي تمارسها تلك الأنظمة برجال الحركة الإسلامية وقواعدها. على أن تصفية رجال الحركة الإسلامية يستهدف إماتة المعارضة بين الشعوب المعارضة للعملاء، والمعارضة للولاءات الخارجية. والمعارضة للصمت على ما تفعله الدولة اليهودية، والمعارضة للاستنزاف الأمريكي، والمعارضة للمساومات الأمريكية في المنطقة.
وليس غير الحركة الإسلامية من يحمل لواء المعارضة الفعلية لما تريده الولايات المتحدة وشركاؤها.. إذن فلا بد أن تصفى.. ولا بد أن تموت.
وهكذا تمر المصالح الأمريكية على جسد الأمة.. وكل الهوان يغمر الأرض العربية والإسلامية ليرضى بالتالي سادة البيت الأبيض، وليستمر هؤلاء الحاكمون على كراسيهم.. ولكن الله يمهل ولن يهمل ظالمًا أبدًا.