العنوان هاتو .. برهانكم نموذج .. من سمات الفكر الإسلامي
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
مشاهدات 82
نشر في العدد 129
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
هاتو .. برهانكم
نموذج .. من سمات الفكر الإسلامي
﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾؟
( سورة يوسف : ٣٩)
حوار .. مع الشيوعيين في أقبية السجون
● في الإصغاء
● في الصبر
● في سعة الأفق
الحلقة الثالثة
بقلم الأستاذ عبد الحليم خفاجي
انتهى بنا مطاف اللقاءات العابرة والأحاديث المتفرقة عند خطوط الهدنة إلى صورة الندوة الكاملة على الشكل والنهج اللذين أو ضحيتهما في الحلقة السابقة .. وأخذنا في الاستماع إلى الماركسية وسط جو العمل الدائر حولنا، وقد أخذنا حذرنا من المرور المفاجئ لأحد ضباط الجيل وتسلحنا بأدوات العمل بأيدينا بجوارنا ..
وبعد أن نجحنا في فرض البداية الطبيعية للماركسية وهي المادية الجدلية ..
وبعد أن أزلنا مخاوفهم من أي رد فعل مهما كان عرضهم متصادمة مع عقيدتنا وإسلامنا .. وبعد أن زكينا مبدأ الصراحة والتعاون المشترك في البحث عن الحقيقة ..
ألقينا السمع إلى الزميل الذي أخترناه ليتولى العرض لما لمسناه من صراحته وتشجيعًا لبقية زملائه على اقتفاء أثره .. ولم ينس هو بدوره أن يقدم نفسه قائلًا :
- «يهمني قبل البداية أن أزيح الستار عن سر كبير لم يعد سرًا كي لا تتوهموا أن صراحتي التي اشتهرت بها مبعثها غفلة وسذاجة حركية أوقعتني في حبال أسلوبكم، لأن فن التجنيد للحزب هو هوايتي؟ وإنما سر هذه الصراحة هو أنها أصبحت لا تضر لأن انتصار الشيوعية مصر أصبح حتميًا وكل يوم يمر يقرب من هذه الحقيقة وأمام هذا اليقين الجازم الذي تعددت شواهده تنتهي كل مبررات الخوف والحذر .. وإذا شئتم تحديدًا لهذا اليوم الموعود فإنه بكل ثقة واطمئنان سيكون مع آخر حجر يوضع في بناء السد العالي .. يومها سنكون قد ركبنا على البلد «بالخسروان»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلنا : فلتدخل إلى الموضوع إذن ، وطامن قليلًا من أحلامك ..
قال : المادية الجدلية هي الإطار الفلسفي أو الأساسي العقيدي للماركسية ..
والفلسفة عمومًا هي تفسير وتغيير أي تقوم بتفسير الوجود بغية إحداث التغييرات اللازمة فيه..
• والفلسفة المثالية عمومًا هي تلك التي محورها الاعتقاد بوجود خالق يعتبر مصدر الوجود ومصيره والتي تستند إلى القوى الغيبية في تفسير الظواهر المادية أو ترى وجود الفكر متقدمًا على وجود المادة وهي في إيغاله في التصورات الخيالية قد بعدت عن الواقع حتى أفسدته..
ومهما تباينت المذاهب المثالية فيما بينها في شكل ديانات سماوية أو فلسفات أرضية فكلها قامت كتعبير عن الإعجاز العلمي في تفسير الظواهر الطبيعية بالإحالة إلى قوى غيبية ... وكلها حملت كسلاح معنوي في يد الطبقة المالكة المستغلة في قهر وتخدير الطبقة المعدومة المستغلة.
• أما الفلسفة المادية فهي التي تبدأ من المادة بدراستها ومعرفة قوانينها معتمدة في ذلك على المنهج التجريبي، فكانت وحدها القادرة على تفسير جميع ظواهر الوجود تفسيرًا علميًا صحيحًا، ومن ثم فهي بحق الجديرة بوصف الفلسفة العلمية.
و الفلاسفة الماديون يذهبون إلى أن المادة وجدت اولًا وأن الفكر وجـد تاليًا لها وأنها في رأيهم أزلية لـم يخلقها أحد وانها أبدية، ولا توجد أي قوة فوق الطبيعة أو خارج العالم وهناك بالطبع فلسفات ثنائية لا تقـول بأولية المادة أو أولية الفكر وإنما نثبت للعالم أساسين منفصلين ومختلفين في طبيعتها: المادة والروح. الطبيعة والفكر، الجسم والعقل وتلك كانت نظرة ديكارت وهناك الفلسفة الوضعية التي تكتفي ببحث الحقائق التي تصلح أن تكون موضوعا للملاحظة دون البحث فيما وراءها سواء كان ماديًا أو روحيًا.
وكما قلت قبل ذلك أن الفلسفة المادية من دون ذلك كله هي الفلسفة العلمية.
وقد عرفت المادة قديمًا بأنها كل ما تقع عليه الحواس.. وعرفت حديثًا بأنها الوجود الموضوعي خارج الذهن.
وللمادة قوانين ثلاثة: -
١-المادة سابقة في الوجود على الفكر، بمعنى أن الفكر هو نتيجة التطور التاريخي للمادة، إنه خاصة لجسم مادي مركب تركيبًا معقدًا وغير عادي هو مع الإنسان.
٢-برغم أسبقية المادة الفكر وولادتها له إلا أن الفكر يشكل المادة وغيرها .
٣-المادة تخلع لقوانين عامة ثابتة تسمى قوانين الجدل هي:
أ-قانون التنافس: اي ظاهرة وجود الشيء ونقيضه في وحدة واحدة تسمى وحدة الأضداد: السالب والموجب.. الحرارة والبرودة، النور والظلام، الإلكترون والبروتون في الذرة كرات الدم الحمراء والبيضاء في بلازما الدم الذكورة والأنوثة ... وهكذا..
ب-قانون الحركة: كل شيء متحرك، وهذه الحركة هي نتيجة صراع الأضداد، في الحركة تأتي من الداخل لا من الخارج وهي تسير في خط حلزوني متزايد.
جـ -قانون التغير: الصراع حركة، حتى إذا ما أضيف شرط خارجي إلى الحركة تبدأ ظاهرة التراكمات الكمية أو ما يسمى بالتغير الكمي إلى أن يتكون ما يسمى بالكم الثوري أي القدر الكافي من التراكمات ، لإحداث تغيير فجائي في الظاهرة المادية ، فعندما يسمى بالتنور او بنقطة الصفر أو اللحظة الحرجة يحدث التغير المفاجئ أو الثورة فنحصل على حالة جديدة تصير إليها الظاهرة المادية وهو ما يسمى التغير الكيفي أو النوعي، وهو مفهوم التطور أي دوام الانتقال بالحركة من التغير الكيفي وهكذا إلى مالا نهاية، فإذا أوقدنا على إناء ماء كانت النار في الشرط الخارجي الذي يدفع حركة جزيئات الماء حتى تصل إلى الكم الثوري وعند اللحظة الحرجة «١٠٠» تنقلب بخارًا أي تصير كيفًا أخر أي تتطور .
د - قانون الترابط: جميع الظواهر المادية مترابطة، يؤثر الكل في الجزء والجزء في الكل. ذلك يوضع في الاعتبار عند بحث أي قانون والقوانين الثلاثة تعمل في إطار القانون الاخير.
منهج البحث: ما سبق ذكره هو المنهج العلمي في البحث.. في الفلسفة المادية هي الفلسفة العلمية، والمنهج الجدلي هو المنهج العلمي وهذا المنهج ينطبق على المادة في مراحل تطورها وينطبق ايضًا على الإنسان باعتباره ظاهرة مادية فمن خلال التطورات الجيولوجية التي تقلبت الأرض فيها من خلال تفاعلات كيميائية وبيولوجية في عصور جيولوجية سحيقة نشأت الخلية الحية.. وظلت تتطور بدورها من خلال ظاهرة النشوء والارتقاء وبفعل قوانين الجدل حتى وصلت إلى الإنسان باعتباره قمة هذه السلسلة الطويلة.. وفكره عملية مادية متطورة بل هو أرقى ما وصلت إليه المادة من تطور وهو حصيلة تجارب مادية مختزنة ولدت القدرة على ربط النتائج بالمقدمات و الأسباب بالمسببات.. فالإنسان من ثم لم يخرج من كونه ظاهرة مادية على قمة سلسلة التطور سعادته في إشباع رغباته المادية.
حريته في تطبيق ضروريات أي تحريرها من أسر الطبيعة بالعلم أو من قبضة المستغلين بإدراك قوانين التطور الاجتماعي.
• والمنهج العلمي في البحث يتلخص في البحث عن الأساس المادي أولًا في الظاهرة محل الدراسة لنحقق بذلك قانون المادة الأولى وهو أسبقية المادة على الفكر، ثم بعد ذلك نبحث عن فعل قوانين الجدل داخل هذه الظاهرة. ونبدأ بالكشف عن قانون التناقض ثم نتابع الصراع بين النقيضين أو نزكيه بينهما وهذا هو مدى الدور البشري في الفعل حتى يتحقق التغير الكمي في التغير الكيفي.. كل هذا من خلال إدراك قانون الترابط..
وبتطبيق هذا المنهج المادي الجدلي على التاريخ أي على المجتمعات البشرية باعتبارها ظاهرة مادية يمكن تقسيمها إلى عصور مختلفة من خلال ما يسمى بالتفسير المادي للتاريخ أو المادية التاريخية..
◘ انقضى يوم من أيام العمل بالصحراء بل أنقضت أيام ونحن نستمع إلى المادية الجدلية وتطبيقاتها، وهي تلك التي وجدناها فيما سبق، وعبر الشيوعيون بذلك عقبة كؤودا طالما كانوا يروجون منها والآن وقد وقع المحظور ربما يكون قد راودها الأمل أمام صمتنا بقرب اقتناعنا بهذا العرض المسبوك.. ولم نشأ أن نتخلى عن الصمت حتى آخر كلمة في الماركسية..
وتناقشنا في عنبرنا في كل ما سمعناه، وفي الجلسة التالية راق الزملاء أن يقدموا قبل البداية قمة ما حدث للزميل «ع. ط» ورحنا نستمع إليه وهو يسرد ما وقع له وانتزع تقدير اللجنة المركزية للحزب فقررت له جائزة كبيرة لأنه كشف عن إيمانه بالمادية ...
وبهذا يستأهل مكانه في المراكز القيادية المقصورة على من تمت صبغتهم المادية.. قال «كان ذلك ونحن مرحلون بالسلاسل الى هذا السجن حيث قام القطار قبل أن يتم نزولنا جميعا من العربة مما أوقع البعض على الارض واخذ يتدحرج بجوار عجلات القطار، وكنت من هذا البعض.. وكنت استغيث بالله وانا أرى العجلة تكاد تلتهمني، ولكني تذكرت أن إيماني بالمادية يتناقض مع هذا الخاطر فقررت أن انجح في هذا الامتحان ونجحت ولم تخرج الكلمة من فمي.. ولقد احتفل الحزب بهذا الموقف وكافاني عليه..
-انبرى أحد الأخوة الظرفاء معقبًا على هذا المشهد الساذج قائلًا التجربة لم يتوفر لها الشروط الموضوعية يا زميل حتى تخرج منها بنتيجة صحيحة ....
قال: ماذا تعني؟
قلت: أعني أنه كان يلزم مرور العجلة فعلًا على جسمك أو أي عضو فيه لترى اتثبت على هذا الاعتقاد ومع كل فإن مجرد ورود هذا الخاطر بذهنك في هذه اللحظة من غيره من عشرات القضايا والأشخاص الذين تقديسهم يعتبر حجة عليك لا لك .. لنا عوده إلى ذلك في موضعه ونستأنف البث. وبدأ الزميل يتكلم عن التفسير المادي للتاريخ كأحد تطبيقات المادية الجدلية..
قال: مر التاريخ البشري بالعصور التالية:
أولًا: عصر المشاعية البدائية: هو عصر انتشار ظاهرة القبائل على سطح الأرض، وعصر الرعي والصيد والأساس المادي للقبيلة في هذا العصر كان يتمثل في وسائل الإنتاج البدائية كالعصا والرمح حيث تملكها القبيلة كلها على سبيل الشيوع..
كان المجتمع البشري- مجتمع القبيلة- طبقة واحدة من الناحية الاقتصادية.. من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، ومن ثم فلم يكن في هذا العصر أي استغلال بكل مساحته الاجتماعية بل كان الموجود مجرد تقسيم للعمل بين أفراد القبيلة .... وحيث أنه لم يكن هناك صراع طبقي داخل القبيلة لعدم وجود الملكية الخاصة وما توجيه من استقلال لذلك فان التناقض الرئيسي كان بين المجتمع البشري والطبيعة من أجل الحصول على الرزق تفسير ظواهرها..
ولم تظهر في هذا العصر سلطات الدولة إذ كان شيخ القبيلة يقوم بحل التناقضات الثانوية بين الأفراد عن طريق الصالحات في الأغلب والجزاء الأبوي في الأقل..
كانت مشاعية الجنس إحدى الملامح الاجتماعية لهذا العصر لأن المرأة لم تدفعها الحاجة الاقتصادية إلى التبعية للرجل ولم يظهر شكل الأسرة إلا في العصور التي عرفت مبدأ الملكية الخاصة حيث سرت عدواها وانتقلت من الأرض إلى الأدوات والدواب والنساء..
كانت عبادة «الطواطم» هي أول مراحل تطور المعتقدات وقد نشأت نتيجة عبر الإنسان عن تفسير الظواهر الطبيعية فاختلطت الرغبة في نفسه الإعجاب والاندهاش فعرف معنى التقديس واتخذ من بعض هذه الظواهر كالأشجار والحيوانات والأحجار معبودات يلتقي شرها ويرجو خيرها ويقرب إليها القرابين..
وهذا العصر يعتبر عصر نموذجيًا في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان برغم شحة الموارد، تلك العلاقة الخالية من أي صراع طبقي وبالتالي من جميع صور الاستقلال.. والبشرية في تطورها الدائم ترنو إلى الوصول إليه مرة أخرى في صورة الشيوعية العالمية..
ثانيًا: العصر العبودي: بدأ باكتشاف الزراعة من خلال العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة.. وكانت الارض- وسيلة الإنتاج الطبيعية- هي الأساس المادي لهذا العصر، وباكتشاف الزراعة عرف فائض الإنتاج الذي استثار غرائز المستغلين الى تسخير الغير في العمل للعيش على فائض إنتاجهم.
فبتملك وسيلة الإنتاج الجديدة التي هي الأرض نشأت الملكية الزراعية، وبهذا يبدأ انقسام المجتمع إلى طبقتين: طبقة الاسياد وطبقة العبيد، ونشب بينهما الصراع فكانت مصلحة السيد هي الملكية وتأكيده لها والحصول على فائض الإنتاج منها وفي مقابل هذا يقوم بترضية العبيد بالقليل .. وكانت مصلحة العبيد في التحرر من ذلك.
• في هذا العصر نشأت سلطات الدولة كسلاح مادي في يد الأسياد المستغلين لقهر طبقة العبيد، كما استخدموا ظاهرة الدين كسلاح معنوي لنفس الغرض والترضية طبقة العبيد بالواقع ولهم العزاء في دار اخرى يعوضون فيها عن حرماتهم في الدنيا.
نشأت ظاهرة الأسرة في علاقة الرجل بالمرأة وتتلخص في ملكية السيد لعدد من النساء في إطار ملكيته وسيلة الإنتاج الطبيعية التي هي الأرض مما استدعى حسن استثمارها أن يقوم السيد بتملك وحدة اجتماعية تساعده على ذلك متمثلة في ملكيتها لبعض الآلات والدواب والنساء، وكان حجم الأسرة يتناسب طرديًا مع حجم الملكية.
كانت الدولة المصرية القديمة والإمبراطورية الرومانية من نماذج العصر العبودي..
• بفعل قوانين الجدل اشتد الصراع بين الأسياد والعبيد کطبقتين متناقضتي المصالح.. فشلت بعض حركات التحرر التي قام بها العبيد مثل ثورة اسبارتاكوس الذي ثار على رأس مائة ألف عبد ضد الامبراطورية الرومانية.
واخيرًا تم التغيير بعد أن أصاب هذا التغير الأساسي المادي اولًا في المجتمع العبودي- أي بعد أن تغيرت وسيلة الإنتاج- وهي هنا العبيد باعتبارهم وسائل الإنتاج انتاج كالآلات والدواب حيث تراكمت مشاعر السخط في نفوسهم حتى أصبحت مهيأة للثورة على أسيادهم.. وكانت لحظة الصفر في استجابتهم لغزو خارجي قام فيه الجيش الفاتح تقسيم البلاد على الأسياد الجدد الذين عرفوا بالإقطاعيين ونال العبيد في ظل هذا الوضع الجديد بعض الحرية المتمثلة في السماح لهم بتملك قطعة صغيرة من الأرض لكل منهم بجوار عمله في مزرعة السيد الإقطاعي، وهذا ما يميز عصر الإقطاع من العصر العبودي الإقطاعيون والاثنان هما الحالة المتطورة الأسياد والعبيد..
ثالثًا: العصر الإقطاعي: أساسها المادي هي وسيلة الإنتاج الطبيعية- أي الأرض- والعلاقة الإنتاجية هي بين الإقطاعيين ورقيق الأرض أو الأقنان.. وقد تطورت هذه العلاقة الإنتاجية من العلاقة السابقة بين الأسياد والعبيد حيث سمح السيد بتملك أجزاء محدودة من الأرض لكن الأمر لا يخرج في مجموعة عن قبضة الإقطاعي.. وكلا العصرين العبودي والإقطاعي يوصفان بأنهما عصور الرق وأساسها المادي واحد.. الأرض..
وتعرف عصور الرق بأنها ذلك النظام الذي يستطيع فيه شخصي نظرًا لتملكه وسائل الإنتاج من أن يتحكم في أرزاق وحريات الآخرين.. ويحمل العصر الإقطاعي ملامح العصر العبودي من حيث مظاهر الصراع الطبقي ولكن في صورة أكثر تطورًا.
باستخدام منهج المادية الجدلية في معرفة كيف تطور هذا العصر حتى وصل إلى العصر الرأسمالي يلزمنا اولًا البحث عن سبب مادي ثم البحث عن فعل قوانين الجدل فيه.. أي يلزمنا البحث فيما أصاب وسيلة الإنتاج من تطور، وقد تطورت وسيلة الإنتاج بالفعل عندما خصص الإقطاعيون فريقًا من الرقيق للقيام بالخدمات الحرفية والتجارة ...
كبرت هذه الفئة وخاصة ما كان منها بالمدن محيط الملك وحاشيته وقواده وسميت طبقة البرجوازية «سكان المدن» أو الطبقة الرأسمالية نسبة إلى رأس المال الذي أخذ شكلًا جديدًا بين هذه الطبقة الوليدة هو رأس المال السائل «النقود» أو رأس المال الثابت «ورش مصانع».. وهذا هو التطور المادي الذي أصاب وسيلة الإنتاج حيث أخذت شكلًا جديدًا متقدمًا وقائدًا هو رأس المال بدل الأرض.. وحينئذ تعارضت مصلحة الطبقة البرجوازية أو الرأسماليين هم في الأصل من نسل رقيق الأرض الذي كان مخصصًا لخدمة الإقطاعيين..
اشتد الصراع بين الطبقتين، فكانت مصلحة الرأسماليين من هدم هذا الشكل الاجتماعي وتمزيق هذا الغلاف الذي يعوق حركتهم ولا يخدم إلا مصلحة الإقطاعيين، فتجارة الرأسماليين تتعرض للمخاطر أثناء مرورها الإقطاعيات فضلا عن دفعهم كثيرا من الضرائب على عبورها من إقطاعية أخرى.. كما أن الرأسماليين يحتاجون إلى الكثير من الأيدي العاملة من الريف لتشغيل مصانعهم التي اتسعت بعد الاكتشافات العلمية ولكن الإقطاعيين لا يأذن لهم بمغامرة الإقطاعيات..
كما أن استمرار القيود الاجتماعية والتشريعية التي كانت تميز بين الأشراف والرقيق في الوظائف والتقاضي والتعليم وكافة مظاهر الحياة كانت تنطبق أيضًا على الرأسماليين باعتبارهم امتدادًا عضويًا طبقة الرقيق ووارثي أوزارهم..
لذلك كله اشتد الصراع بين الطبقتين ورفعت البرجوازية شعارات الإخاء والمساواة والحرية، ودعه يعمل دعه يمر اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، واستخدمت كافة الأسلحة المادية والمعنوية بين الطرفين، وتحالفت الكنيسة مع الإقطاع، وتراكم الكم الثوري في الطبقة البرجوازية حتى اكتمل بقيام الثورة الفرنسية بشعاراتها المعروفة والتي كانت أول انتصار للطبقة البرجوازية على طبقة الإقطاعيين وكانت بداية العصر الرأسمالي.. وتصادف في هذه الفترة وجود بعض الشخصيات التاريخية.. ولكن علينا ألا نغالي في نسبة الأحداث إليهم حتى لا نقع في تفسير يخالف منطق المادية الجدلية التي تسند الفعل والبطولة إلى حركة الطبقة ككل.
◘ وافترقنا بعد هذا العرض على لقاء جديد في اليوم التالي.. وابادر تبصرة القارئ ببعض الأمور التي تساعد على سهولة المتابعة..
١- نلاحظ أن الزميل قد طبق منهج المادية الجدلية على أحداث التاريخ وهذا التزام عقائدي صرف مسبق اضطره إلى تطويع الأحاديث لتساير منهجهم في التحليل..
٢- ويلاحظ نظرتهم إلى الملكية الخاصة باعتبارها نفوذ اجتماعي يسبب الاستقلال وأنها وراء هذا الانقسام الطبقي. والصراع البشري وهذا أيضًا تبرير عقائدي تجاه الملكية سيضطر ماركس فيما بعد إلى مؤازرة هذا الموقف الانتقائي العقيدي المسبق بتحليلات اقتصادية حول موضوع فائض القيمة لكي يؤكد بالتحليل ما اعتقده مسبقًا ...
٣- هذا الذي سقناه في إيجاز يأخذ منا أياما كثيرة الاستشهادات بأقوال العلماء في كل موضوع اجتماعي او عقائدي او سياسي على حث من خلال ربطها بالنسيج العام الموضوع..
٤- في الحلقة القادمة إن شاء الله سنفرغ من الماركسية ثم نتابع كل أجزائها في ضوء العلم وهذا العرض ييسر على القارئ أمر المتابعة والمشاركة معًا..