; اليمن: الصراع على وقْع المصالح الأمريكية.. «هادي» و«صالح».. ومعركة كسر العظم | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: الصراع على وقْع المصالح الأمريكية.. «هادي» و«صالح».. ومعركة كسر العظم

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر الجمعة 06-أبريل-2012

مشاهدات 73

نشر في العدد 1996

نشر في الصفحة 22

الجمعة 06-أبريل-2012

«صالح» مازال متشبثاً بالسلطة ويرفض مغادرة عائلته مواقعهم القيادية على قمة هرم المؤسسة الأمنية

في اجتماع سري مع عدد محدود من عائلته ومقربيه «أن عنده من الأموال والإمكانات ما يكفي للصمود عشرين سنة قادمة»

التحول الأبرز في معركة «صالح » يتمثل في دخول الرئيس «هادي » على خط الصراع الذي ظل طوال السنة الماضية حكراً على المعارضة وشباب الثورة
حينما وجه «صالح » وزراء حزبه بمقاطعة اجتماع مجلس الوزراء اتصل بهم الرئيس «هادي» وخيَّرهم بين الحكومة والمؤتمر فما كان منهم إلاّ أن عادوا أدراجهم

في أجواء يسودها التوتر والاضطرابات الأمنية في شمالي البلاد وجنوبها، تزداد حدة الصراع والتجاذبات السياسية بين الرئيس اليمني «عبدربه منصور هادي » ومؤيديه من أحزاب المعارضة من جهة، والرئيس المخلوع «علي عبدالله صالح » من جهة ثانية، وتبرهن الأحداث على أن هذا الأخير ما يزال متشبثاً بالسلطة، ويرفض مغادرة عائلته مواقعهم القيادية على قمة هرم المؤسسة الأمنية والعسكرية، وكأنهم خارج اتفاق نقل السلطة الذي جرى التوقيع عليه في الرياض أواخر نوفمبر الماضي.

وكان «صالح » قد قال في اجتماع سري ضمه وعدداً محدوداً من عائلته ومقربيه: إن التوقيع على «المبادرة الخليجية » لن يكون آخر المطاف، وأن عنده من الأموال والإمكانات ما يكفي للصمود عشرين سنة قادمة، وهي مقولة تكشف بجاء محاولاته المستميتة لإحباط حكومة الوفاق، وتقويض جهود الرئيس المنتخب «عبدربه منصور هادي »، ومساعي المعارضة في احتواء الأوضاع ومعالجة تركته الثقيلة، إلاّ أن التحول الأبرز في معركة «صالح » تلك يتمثل في دخول الرئيس «هادي» على خط الصراع الذي ظل طوال السنة الماضية حكراً على المعارضة وشباب الثورة.
مناورات صالح»»
حصل الرئيس المخلوع «علي عبدالله صالح» على الحصانة غير المشروطة، وعاد لمزاولة دوره السياسي كرئيس لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم سابقاً، وهي الغلطة التي ارتكبتها المعارضة حين لم تشترط تخليه عن العمل السياسي ومغادرته اليمن نظير حصوله على تلك الحصانة، وبرغم انتخاب «هادي » رئيساً لليمن، إلاّ أن «صالح » مايزال يمارس كل الأساليب القذرة لإفشال الرئيس «هادي » وحكومته، وتثبيط الثوار، وزيادة نقمتهم على المبادرة وتحريضهم على حكومة الوفاق؛ ونتيجة لذلك، تزايد الإنفلات الأمني، وضرب الإرهاب في كل مكان، وتمددت الجماعات الإرهابية المسلحة شمالاً وجنوباً، وسطعت الإمارات الإسلامية، وتصاعدت بشكل لافت عمليات التقطع والخطف، وبقي «صالح » حجر عثرة أمام كل محاولات إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية والعسكرية طبقاً لاتفاق نقل السلطة، بل وصل به الأمر حد التهديد باعتقال رئيس الوزراء محمد سالم باسندوة ما لم ينصَع لأوامره! وهدد بسحب الثقة من حكومته عبر أغلبية المؤتمر في البرلمان، ووجه وزراء حزبه بمقاطعة اجتماعات الحكومة.
ولم يفلح التهديد بإفشال حكومة الوفاق في إثناء الرئيس «هادي » عن المضي في برنامجه، حتى غدا بالفعل عقبة كأداء في وجه طموحات العائلة وأحلامها في الاحتفاظ بالسلطة.
خيارات «هادي »
الصراع الدائر اليوم بين الرئيس اليمني «هادي » والرئيس المخلوع «صالح » خرج من الكواليس إلى العلن، وصار حديث الشارع والقوى السياسية، التي تتوقع تحول الأمر إلى معركة كسر عظم بين الرجلين، وبخاصة أن الرئيس «هادي » أثبت أنه رقم صعب؛ فقد واجه التصرفات الرعناء لـ «صالح » ومحاولاته  الدؤوبة التدخل في شؤون الحكم بطريقة تنبئ بأنه مصمم على اقتلاعه مهما كلفه الأمر.. فعلى سبيل المثال، حينما وجه «صالح » وزراء حزبه بمقاطعة اجتماع مجلس الوزراء، اتصل بهم الرئيس «هادي » وخيَّرهم بين الحكومة والمؤتمر، فما كان منهم إلاّ أن عادوا أدراجهم، وكان رده شديداً وحاسماً إزاء تهديدات «صالح » باعتقال باسندوة ما لم يعتذر له عن اتهامه بضلوعه في مجزرة جمعة الكرامة يوم 18 مارس 2011 م، ونقل على لسانه رسالة لـ «صالح » تقول: «فليجرب حظه وليعتقل  باسندوة .»
وأمام تلويح «صالح » بسحب الثقة من الحكومة عبر الأغلبية المؤتمرية في البرلمان، هدد الرئيس «هادي » من جانبه بحلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، كما لوح بتشكيل حكومة وحدة وطنية في حال قرر «صالح » وحزبه الانسحاب من الحكومة الحالية، ويثق «هادي » من وقوف الأطراف الإقليمية والدولية إلى جانبه، كضمان لاستقرار الأوضاع، والحيلولة دون انهيار العملية السياسية، وفي مواجهة «صالح »، يستطيع الرئيس «هادي » وبالتنسيق مع المعارضة تصعيد الضغوط الشعبية ضده، وتهديده بسحب الحصانة وتقديمه للمحاكمة في حال استمر في ممارسة العمل السياسي والكيد للحكومة وإعاقة خطة الهيكلة، ويمكن كذلك إثارة مخاوفه بإشهار ورقة تجميد أرصدته في الخارج.
حاجز المصالح الأمريكية
المصالح الأمريكية ما تزال - من وجهة نظر الكثيرين - تحول دون تسارع خطوات الانتهاء من النظام السابق، وثمة مؤشرات ودلائل تومئ إلى عدم رغبة الأمريكيين في إقصاء سريع لبقايا نظام «صالح » وعائلته، أولها: محاولة الجانب الأمريكي إقناع المعارضة بإرجاء هيكلة الجيش والأمن إلى ما بعد مؤتمر الحوار الوطني والاستفتاء على الدستور الجديد، بالإضافة إلى رفض الأمريكي مقترح دمج جهازين الأمن القومي والسياسي في جهاز أمني واحد، علاوة على توصيات أمريكية للرئيس «هادي» بضرورة الاحتفاظ ببعض أقارب «صالح » في رئاسة بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية؛ بزعم احترافهم في مجال مكافحة الإرهاب! هذا الحرص الأمريكي على بقاء هذه العائلة يوحي
بارتباطها معهم بعلاقات  مشبوهة تتخطى مسألة الحرب على ما يسمى الإرهاب إلى أمور أخرى ربما تتكشف مستقبلاً. 
والمؤكد أن المصالح الأمريكية في اليمن هي أكبر بكثير مما يبدو، ومن قضية الحرب على ما يسمى الإرهاب.. أحد أوجه تلك المصالح - بحسب خبراء ومراكز أبحاث - تتمثل في احتواء الصين ومنع تمدد نفوذها خارج مجالها الإقليمي، وبخاصة عقب إعلان الصين في ديسمبر 2009 م عزمها إقامة قاعدة عسكرية بحرية في إحدى الدول المطلة على البحر العربي، وهما في هذه الحال اليمن أو عُمان، وعليه لا يستبعد أن يكون التحرك الأمريكي تجاه اليمن بهذه الكثافة والتهويل من شأن «القاعدة »، واستمراء اللعب بهذه الورقة مع بقايا نظام «صالح »، محاولة لقطع الطريق أمام توسع النفوذ الصيني، وفرض السيطرة الأمريكية والغربية عموماً على المضائق البحرية وطرق نقل البترول لخنق الاقتصاد الصيني في حال استدعى الأمر ذلك في المستقبل.
وتبرز قضية أخرى مهمة ضمن إستراتيجية الولايات المتحدة في اليمن والمنطقة، وهي مواجة التهديدات الإيرانية المتنامية، على الرغم من أن معظم المحللين والمراقبين السياسيين يذهبون إلى القول بأن الولايات المتحدة تمارس هواية اللعب بفزاعة إيران مثلما تلعب بفزاعة «القاعدة »، وتحقق من خلالهما مصالحها الخاصة.. ومؤخراً بزغ  الخطر الإيراني كإحدى ذرائع الإدارة الأمريكية لتدعيم نفوذها في اليمن، على الرغم من أنها رفضت من قبل تصديق تورط إيران في دعم جماعة «الحوثي » بصعدة، ورفضت كذلك إدراج الجماعة في لائحة الإرهاب، لكن السفير الأمريكي بصنعاء عاد مؤخراً ليؤكد وجود مثل ذلك الدعم والتحالف بين الجانبين، إلاّ أن الموقف الأمريكي إزاء الخطر الإيراني تطور إلى أبعد من ذلك، حيث اقترح الأمريكيون على الحكومة اليمنية إنشاء وحدة استخباراتية متخصصة في متابعة النشاط الإيراني في اليمن، وتتولى دولة خليجية توفير وسائل الدعم اللازم للوحدة وتأهيل كوادرها وتدريبهم والتنسيق معهم في مواجهة نشاط إيران في المنطقة.
إذاً، المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة تستوجب الإبقاء على نفوذها في اليمن تحت ذرائع مختلفة كلاً «القاعدة » وإيران، ويعتقد  الأمريكيون أن النظام السابق ساعدهم على توفير الغطاء والمشروعية القانونية لاستمرار تواجدهم في اليمن عبر اللعب بفزاعة «القاعدة » التي خدمت كلا الطرفين، ومن هنا يحاولون الاحتفاظ ببقايا العائلة على رأس تلك الأجهزة الأمنية الممسكة بخيوط اللعبة القاعدية لتستمر اللعبة الأمريكية بما يخدم المصالح الإستراتيجية الأمنية والاقتصادية والسياسية لأمريكا والغرب في اليمن والمنطقة عموماً.. أضف إلى ذلك، فإن الاحتفاظ ب «صالح »  وعائلته مدة أطول تغدو ورقة ضغط وابتزاز بيد الأمريكيين وحلفائهم لترويض المعارضة وإماء الشروط عليها، وسيظل الأمريكيون ليلعبون خلال الفترة القادمة بورقتي الإرهاب وإيران إلى أن يستنفدوا كامل أغراضهم، وهي بالتأكيد لن تُستنفد على المدى القريب، وستظل حجر عثرة، لقليل أو كثير من الوقت لا أحد يعلم، أمام تطلعات الثورة، وإصلاحات الرئيس «هادي »، وهذا الوقت الذي سيضيع من عمر الإصلاحات  سيستغله ولا شك بقايا النظام في إعاقة تقدم الثورة قدر المستطاع لتحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل أن يجدوا أنفسهم خارج اللعبة وقد تخلى عنهم حليفهم الوفي، حينما يتيقن أنه حقق مصالحه بأكثر مما أراد، وصاروا بالتالي عبئاً ثقيلاً يستوجب الخلاص منه، كما فُعل من قبل بـ «صالح » نفسه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل