العنوان لماذا تعثرت المفاوضات بين السلطة والإخوان المسلمين في سورية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
مشاهدات 77
نشر في العدد 847
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
راجت في الأوساط الإسلامية السورية
أقاويل كثيرة عن مفاوضات تدور بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السوري؛ من أجل الوصول
إلى نهاية مقبولة للأزمة المحتدمة بين الفريقين منذ عام ١٩٧٩، ولما كان هذا الموضوع
من القضايا التي تهم كل المسلمين، ومن حقهم الاطلاع على حقيقة العلاقة القائمة ولا
سيما مرحلتها الراهنة؛ فقد حرصت المجتمع على تقديم كل الحقيقة لقرائها بعد اتصالها
بالفريق الإسلامي المعني بالموضوع. التفاوض مع النظام السوري لا يمكن تحديد بداية تاريخية
له، ولا الطرف الذي كان حريصًا عليه؛ ذلك أن الإخوان المسلمين في سوريا كانوا في وضع
الدفاع عن النفس، ومن ثم فإنهم كانوا يدرسون عروض التفاهم مع السلطة التي وصلت إليهم
بعين بصيرة وقلب مفتوح، وكانت العروض تتوالى منذ بداية الأزمة عام ١٩٨٠ وحتى الأشهر
القليلة الماضية.
لكن -وللحقيقة- نقول بأن كل
ما سمي وساطات أو تنازلات أو جهود للمصالحة كل ذلك كان يفتقد الجدية؛ لأنه لم يكن يتضمن
أي عنصر من عناصر حل الأزمة بتلافي منطلقاتها وأسبابها، لذلك فقد كان الإخوان يرحبون
بالوسطاء، ولا يغلقون باب التفاهم مع الحرص على طرح شروطهم وإبداء وجهة نظرهم في كل
ما يدور.
جولة تمهيدية:
وفي صيف عام ١٩٨٥ التقى وفد يمثل مجموعة (الطليعة)
مع ممثلين للسلطة، وبعد هذا اللقاء عادت المجموعة المفاوضة باسم الطليعة إلى دمشق دون
الوصول إلى تفاهم حقيقي؛ لأنهم -قالوا- لم يعد لديهم ما يخسرونه، وفي وقت مقارب التقى
وفد يمثل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا مع وفد يمثل السلطة في دمشق في بلد أوروبي،
وانتهت الجولة دون الوصول إلى أي تفاهم؛ لأن ممثلي السلطة لم يكونوا يحملون بنودًا
حقيقية للتفاوض، وأعلن الإخوان في نطاق قواعدهم حقيقة ما حصل؛ وذلك حرصًا منهم على
أن يصلوا إلى ما يحجب دماء المسلمين، ويوجه كل الطاقات لمواجهة العدو الخارجي المتربص.
ومرة أخرى تضغط السلطة مع بعض الوسطاء من أجل الاتصال
بالإخوان لتلمس إمكانية استجابتهم لعقد لقاء جديد، وانطلاقًا من التكليف الشرعي؛ فقد
درس مجلس شورى الجماعة عرض الحكومة السورية، وخرج بقرار يجيز مبدأ التفاوض للوقوف على
ما تريده السلطة.
وقد انعقد اللقاء مع وفد السلطة في أوروبا، وترأسه
اللواء علي دوبا رئيس جهاز المخابرات العسكرية.
دراسة شرعية الموقف
وعن شرعية هذا الموقف المستجد أعلن الإخوان السوريون
بعض المبادئ والحيثيات التي شجعتهم على قبول مبدأ التفاوض، وذلك كما يلي:
1- إن مبدأ الحوار والتفاوض من أجل الوصول إلى حل كريم يحقق آمال الشعب
هو مبدأ شرعي وسياسي صحيح.
2- إن اقرار مبدأ التفاوض لا يعني التخلي عن طريق الدعوة والالتزام
بالمبدأ الجهادي.
3- إن الجماعة في الأصل حريصة على تحقيق أهدافها المشروعة عن طريق العمل
السياسي السلمي والحوار الإيجابي.
وكشف مسؤول الجماعة للمجتمع
أن مما شجع على التفاوض مع وفد الحكومة إضافة إلى منطلقاتها المبدئية:
1- إلحاح الحكومة في دعوة الإخوان السوريين للقاء والتفاوض والعودة
إلى سوريا بعد حل الإشكالات المترتبة عن الفترة الماضية.
2- إظهار الحكومة السورية استعدادها لإعادة الحياة الحرة الكريمة للشعب.
3- إعلان الحكومة رغبتها بإنهاء حالة الصراع القائمة.
وقال المسؤول: إن الجماعة
إذ قبلت الاستجابة لهذا العرض فإن هذه الخطوة لن تؤثر على مبادئ الجماعة وخططها وإعدادها
وموقفها في المواجهة.
مطالب الإخوان
وأثناء انعقاد الجلسات علمت المجتمع أن الموقف كان
واضحًا وصريحًا؛ حيث قدم وفد الإخوان السوريين مطالبهم المجملة، منها ما يلي:
·
حل شامل ومعالجة جذرية للأسباب الحقيقية
التي أوصلت الأوضاع في سوريا إلى الحالة التي تعيش فيها.
·
ضمان تمتع كل مواطن بحقوقه الشخصية والسياسية
كاملة غير منقوصة.
·
تحقيق مصالحة وطنية حقيقية على أساس من
قيم الإسلام وشعائره.
·
تطبيق مبدأ المساواة بين كافة فئات المواطنين.
·
حرية العمل الإسلامي.
وقد أكد وفد قيادة الإخوان السوريين على وفد الحكومة
ضرورة اتخاذ كافة الخطوات العملية الكفيلة بتحقيق هذه المطالب.
رد وفد السلطة
وقد كان الجو الذي أحاط بجلسات التفاوض بين الوفدين
مشجعًا؛ حيث أعرب وفد الحكومة السورية عن استعداد السلطة للاستجابة وتنفيذ مطالب قيادة
الإخوان؛ بغية حل الإشكال القائم، ورغبة من الحكومة السورية –كما عبر وفدها– في الوصول
للمصالحة الوطنية وعودة الإخوان المسلمين إلى بلدهم سوريا، كما أكد وفد الحكومة أن
مطالب الإخوان المسلمين ليس فيها ما يعيق حل الإشكال القائم بين الحكومة والإخوان،
وعلى هذا فقد سارت جلسات المفاوضات بين الطرفين على أساس السعي لإيجاد حل جذري وجاد.
وفي الجلسة الأخيرة التي عقدت بين الوفدين ناقش الطرفان
مسألة إجرائية هي: «من يبدأ أولًا بالتنفيذ»؟
وإزاء هذه المسألة طالب كل طرف أن يكون الطرف الآخر
هو البادئ، وكان موقف الإخوان هو مطالبة الحكومة السورية بأن تبدأ هي بالخطوة الأولى
طالما جاء العرض لحل الإشكال من قبلها؛ وذلك تعبيرًا تنفيذيًا عن الرغبة الجادة للعمل،
وذلك بالإعلان عن إلغاء القانون (٤٩) القاضي بإعدام كل من يثبت انتسابه لجماعة الإخوان
المسلمين في سوريا، وكذلك بالإفراج عن الإخوان المسجونين، لاسيما وأن كثيرًا منهم قد
قضوا المدد التي حددتها الأحكام التي صدرت ضدهم في محاكم أمن الدولة.
وعلى الرغم من إعلان الوفد الذي مثل الحكومة السورية
في هذه المفاوضات قبول كافة المطالب، إلا إنه لم يعط إجابة إيجابية حول البدء التنفيذي
من قبل الحكومة لتلك المطالب المقبولة مبدئيًا.
وبالمقابل لم يوافق وفد الإخوان السوريين على أن
تكون جماعتهم هي البادئة، وعلل الوفد هذا الموقف بان الحل يكمن بيد السلطة التي تملك
إصدار القوانين والقرارات والمراسيم، وهكذا انتهت جولات المفاوضات ولقاءاتها دون التوصل
إلى أي حل.
عودة بلا موعد
وهكذا انفض اللقاء بين الطرفين دون الوصول إلى حل
تنفيذي، وفي أعقاب ذلك قالت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في بيان سياسي على لأن
أحد المسؤولين فيها: إن الحرص على القيام بهذا الواجب لا يجوز أن يدفعها إلى التفريط
بحق الشعب.
وأضاف المسؤول: إن الجماعة لن تفرط بأي حق من حقوق الوطن وأبنائه حتى يفتح الله
بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.
وقد عقب الإخوان السوريون على نتيجة تلك اللقاءات
التي لم تتكشف عن عمل فعلي جاد يحل المشكلة القائمة بين الإخوان والحكومة:
«إن هذه الخطوة لن تزيدنا إلا ثباتًا على مبادئنا ودعوتنا واعتزازنا
بشعبنا وجماعتنا، وثقة بعدالة قضيتنا، وإصرارًا على متابعة طريقنا وما يقتضيه من إعداد
واستعداد، ولسوف تزداد رؤيتنا وضوحًا، وصفنا وحدة وتلاحمًا، وعملنا دأبًا وجدية، وإن
قبول مبدأ التفاوض كان رغبة من الإخوان في الاستجابة لكل العناصر الخيرة التي بذلت
جهودًا في هذا السبيل، على الرغم من إدراكنا الكامل لعدم جدية السلطة في طروحاتها خلال
كل جولات المفاوضة التي انعقدت منذ عام ١٩٨٥ وحتى الجولة الأخيرة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل