العنوان المجتمع الثقافي- العدد 1383
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 04-يناير-2000
د. فيصل عبد الحليم إسماعيل
إذا كان المخططون والاستراتيجيون وأصحاب المصالح الاقتصادية والتجارية والسياسية في أقطار العالم خارج القوى والتجمعات العظمى يرون في العولمة، خطرًا كبيرًا زاحفًا يهدد فرصها في الوجود الحي والحيوي ويهدد كيانها وهويتها وقيمتها، وربما أيضًا بقاءها، فإنه يبقى لعالمنا العربي قدر وافر من الحصانة في مجالين مهمين أحدهما مجال البيئة ولبقية دول العالم أيضًا في هذا نصيبها الحتمي من ميزات هذا الجانب الذي ليست للعولمة فيه عن التعقل من بديل داخل إطار «المصير الواحد المشترك».
وأما الجانب الآخر المطمئن إلى حد كبير جدًا فإنه يخص الثقافة، أو الثقافات-العربية، لأنها ببساطة شديدة إنما هي ثقافات خلقت لكي تبقى وخلقت لكي تتواصل، وخلقت لكي تدوم وتتطور وترتقي بالبشر، وإذا جدَّ بين الحين والحين من الشواهد ما قد يُخيف وقد يُزعزع فإنه بالضرورة لا عاجلًا أو آجلًا، ولا يجب أن يشغلنا أو يروعنا سقوط وريقات جفت في مهب نسمات الخريف أو رياح الشتاء أو عواصف الربيع، لأن الجذور تبقى صامدة حية وتبقى الجذوع مثلها جامدة وصلبة وعفية.
والثقافة العربية الإسلامية مع تنوعها -كما لا يخفى على أي دارس جاد لها متعمق فيها- مجهزة بأدوات وآليات ومعدات وتحصينات الصمود أمام أعنف التيارات وأعتاها. ولعل أقوى دفاعاتها وتحصيناتها تكمن في تفتح فطري متأصل مرجعه إلى نشأة وظهور الديانات السماوية السمحة بالمنطقة والسماحة هي قمة التفتح لأنها تحمل بين طياتها أسمى معاني التعقل والتقبل والتفهم والتكيف ومعها تتطور وترتقي القدرة على المفاضلة، فلا مفاضلة بغير تعرف ليقبل من يقبل عن بيئة ويرفض من يرفض عن بيئة والخلاصة أنه مهما خدعتنا المظاهر وأخافتنا المشاهد والشواهد فإن الجذور الدينية الإسلامية ضاربة في عمق النفس العربية، وهي الوقاء، وهي الحماية والضمان، وهي في النهاية مفتاح البقاء.
وإذا كان الكثيرون من المشتغلين بقضايا العولمة يرون فيها اسمًا جديدًا لنمط من أنماط بسط نفوذ وسيطرة، وهيمنة القوة الغالية -أو القوى الغالبة- في عصر ما، أو شكلًا آخر من أشكال الاستعمار أو «الإمبريالية»، ويستشفون من ذلك مبلغ خطورتها على المجتمعات المغلوبة على أمرها، فإن ذلك الدارس المتعمق لثقافة المنطقة العربية خاصة لم يزل يطمئننا على قدرتها الفائقة في العبور الآمن والنجاة بسلام، حافظة كيانها في النهاية بعد كل تعرض لغزو غريب أو الخضوع لأي شكل من أشكال التحكم القهري الأجنبي، ويساعد على الخلاص ويسارع فيه أن التيارات الوافدة تحمل دائمًا في تكوينها عناصر تحللها وهلاكها حيث تفرط في التأكيد والتركيز على القوة المادية دون الحاجة الطبيعية في توازن الوجود البشري إلى الإشباع الروحي، وعندما تتحقق للقوة «أو للقوى المادية الهيمنة كاملة يبلغ الاختلال في ميزان العيش مداه، فلا يعود التوازن اللازم والضروري للحياة السوية بغير هذا الإشباع الروحي الذي توفره الثقافات الأصيلة والمتأصلة.
ونحن إذ نتدبر حالة الهلع الكبرى التي خلقتها حركة العولمة في كثير من الأوساط، فإننا نطمئن إلى أن مسار التعقل مكتشف لا محالة، وأن طريق التعقل مطروق قبلت العولمة ذلك أم أبت ولسوف يأتي تعقلها بيئيًّا عند أول فرصة للتمهل والتقاط الأنفاس، وطرح السؤال الإجباري القهري والأبدي هو:
إلى متى. وإلى أين؟!
فالكوكب واحد مشترك ولكل فيه نصيب! والمصير واحد مشترك ولكل فيه نصيب والكوارث البيئية لا تعرف الحدود ولا تعترف بها، والمنافع البيئية هي أيضًا لا تعرف الحدود ولا تعترف بها، ولا منجاة لأحد إلا أن ينجو الآخرون، ولا فلاح لأحد إلا أن يفلح الآخرون، وليس في مسعى الهلاك أو الإهلاك انتقاء أو استثناء.
هذه هي حقائق الوجود، وهذا واقع عايشته -طويلًا- ثقافة منطقتنا العربية، ولا يلزمها إلا أن تعيش به وتنير في العالم للخلاص طريقًا وللعولمة خط رجعة أو تريث أو إعادة نظر وحسابات أو تصحيح منهج أو مسار.
ونحمد الله أن ميراثنا الثقافي يثري الروح ويشجي الوجدان ويجعل لبدننا علينا حقًا، ويجعل لنا في متاع الدنيا نصيبًا مفروضًا، ويجعل لنا في التعايش والسلام. وليس في الهيمنة والقهر والاغتصاب والإرغام -طريق الخلاص ومفتاح السلامة والأمان.
الحمد لله أن ميراثنا ثقافة إحسان وليس ثقافات عدوان والحمد لله أنه ميراث كريم لا لغو فيه لا تأثيم.
«وفي السماء رزقكم وما توعدون»
بقلم: علاء محمد الصفطاوي
سمع طرقًا شديدًا على باب غرفته، قام مسرعًا، فتح الباب وهو يفرك عينيه وعلامات الضيق تبدو على وجهه، وجد أخاه أمام الباب، قال بضيق ماذا وراءك؟ ثم أردف قائلًا: أهذا وقت تطرق عليَّ الباب فيه؟
- نظر إليه أخوه وهو يبتسم ثم رفع يده اليمنى ملوحًا بخطاب يحركه يمينًا ويسارًا.
- أسرعت يده إلى الخطاب، فتحه بسرعة وبمجرد أن وقعت عيناه على سطوره انفرجت أساريره ضم أخاه إلى صدره وقبله وقال: بارك لي يا أحمد هذا خطاب تعييني في البنك الذي تقدمت للعمل فيه، وسأبدأ العمل من الأسبوع المقبل، ثم سجد لله شكرًا وظل يتمتم بكلمات الحمد والشكر.
- أقبل الليل وحاول أن ينام ولكن هيهات، كيف ينام وقد أوشك حلم حياته أن يتحقق، وهو الذي عانى الكثير في حياته، تخرج في الجامعة، وظل يبحث عن عمل أربع سنوات ويا ليته وجد زملاؤه تغيرت أحوالهم منهم من تزوج ويعيش في شقة فاخرة ويركب سيارة فارهة ومنهم من سافر ليحصد الأموال حصدًا، أما هو محلك سره بل في أحيان كثيرة يمد يده ليأخذ مصروفه من أبيه، أغمض عينيه، جال بفكره في دائرة أحلامه، أعطى لخياله العنان، تخيل الشقة التي سيسكنها لا بد وأن تكون واسعة وأن تطل على البحر حتى يتمتع بمنظره الخلاب وضع المواصفات لشريكة حياته. أن تكون على قدر كبير من الجمال وتلتزم بالحجاب فهو يميل بطبعه للتدين وحتى تكتمل المنظومة فلا بد من سيارة حديثة تليق به فعن قريب سيصبح موظفًا في بنك كبير.
وقف أمام المرآة كثيرًا يصلح هندامه ويمشط شعره خرج من البيت تلاحقه دعوات أمه وأبيه أن يوفقه الله في عمله الجديد، فلما اقترب من البنك ازداد خفقان قلبه أحس بثقل في رجليه، أصبحت خطواته بطيئة، دخل البنك أخذه العامل إلى المدير الذي رحب به وأمطره بوابل من النصائح وحثه على حسن الأداء وأن يبش في وجه العملاء، أظهر نشاطًا ملحوظًا، أثنى عليه زملائه وقدروا فيه إخلاصه.
في أحد الأيام زاره صديقه عادل، وأثناء حديثهما قال عادل: أريد أن أقول لك شيئًا ولكني أعلم أن ما سأقوله صعب عليك سماعه.
- تحدث يا أخي، فالمسلم مرآة أخيه كما قال رسول الله ﷺ: ولا تضع الحواجز بيننا.
قال: إن البنك الذي تعمل فيه يتعامل بالربا وأنت تعلم أن الربا من أكبر الكبائر عند الله، ولذا فأنا أرى أن تسأل الشيخ محمد إبراهيم ليفتيك وكما تعلم فهو معروف بسعة علمه وقد منَّ الله عليه بالفقه في الدين.
تأثر بكلام صديقه وتحركت بداخله عاطفة التدين ذهب إلى الشيخ وشرح له طبيعة عمله في البنك، نظر إليه الشيخ وقال: أعلم أنك انتظرت هذه الفرصة كثيرًا لتحقق ما تحلم به، ولكني أرى أن تترك هذه الوظيفة ففيها شبهة ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، واعلم أن من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، كما قال رسول الله ﷺ.
خرج من عند الشيخ بقلب مقبوض ونظرات تائهة، عاش في صراع مع نفسه هل يأخذ بفتوى الشيخ أم يغضب الله ويستمر في عمله، وسوس له الشيطان: هناك الآلاف يعملون في بنوك مثل هذا البنك الذي تعمل فيه ألم تنتظر هذه الفرصة طويلًا. وقبل أن يتمكن الشيطان منه، قام وتوضأ وصلى لله ركعتين ودعا بعدهما بدعاء الاستخارة، ودعا الله أن يرشده إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه وفي الصباح ذهب إلى البنك وبدلًا من أن يذهب إلى مكان عمله ذهب إلى المدير وقدم له استقالته.
بعد أيام قلائل جاءه صديقه يحمل له البشري.
عادل: هل عندك استعداد للسفر؟
قال بمرارة نعم ولكن أين الفرصة؟
نظر إليه صديقه نظرة تحمل معاني كثيرة ثم فتح صحيفة كانت في يده وقال له اقرأ هذا الإعلان «وأشار بيده» تأمل الشروط وجدها وكأنها فصلت عليه تفصيلًا، أعد أوراقه وذهب للمكان المحدد أحس بالسكينة والاطمئنان وبتوفيق الله، وعندما هم بالخروج قال له الممتحن: مبارك جهز أوراقك واستعد للسفر، ثم قدم له العقد، نظر إلى الراتب، علت وجهه علامات الدهشة قال في نفسه سبحان الله الراتب أضعاف ما كنت أتقاضاه في البنك.
في الخارج كان صديقه في انتظاره سأله: ماذا فعلت؟ قال له: الحمد لله لقد وفقني الله وها هو العقد انظر إلى الراتب، نظر صديقه إلى الرقم المكتوب ثم نظر إليه وعلامات التأثر تبدو على وجهه، ثم قال: صدق رسول الله له «من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه».
واحة الشعر
القدس والشيشان
شعر: محمد أبو دية
رمضان عاد ولم تَعُدْ بَدْرُ | يا قوم ليس لقادر عذر |
القدس يتركها أحبتها | للنائبات، وليتهم صبروا |
صهيون تعلو في منازلنا | لو تعطسون لهالها الأمر |
يا فارس الشيشان أنت فتي | أقدم بك الإسلامُ يَفْتَخرُ |
الروس في الشيشان قد فجرت | حطم -فديتك- رأس من فجروا |
تبكي العيون من القلوب دمًا | حول الضحايا ضمها القبر |
الطفل قد سرقوا سعادته | والشيخ ضاق بهمه الصدر |
ويح الرجال أصابهم خدر | حول الموائد لَيْلُهُمْ سَمَر |
هذا يرابط خلف شيشته | وذاك لاه مالَهُ خَطَرُ |
قد راح يركض خلف ساقطة | معبودة الصهباء والوبر |
والشرك قد وصلت كتائبه | والعلج يأمرها فتأتمر |
والأخت فارقها أخ وأب | والموت في الأحياء ينتشر |
ناحت مشردة وثاكلة | فوق الحبال البيض تَنْتَظِرُ |
الخصم يضحك والبكاء لنا | والرد كل الرد مؤتمر |
الله أكبر عن منزلها | مع الحديد تدلُّ مَنْ كَفَرُوا |
الروس قد هجمت ولو علمت | أَنَّا هُنَاكَ أصابها الذعر |
الله أكبر أين فزعتنا | فوق الحريق تطاير الشرر |
الله أكبر أين فارسنا | عاش الذي للحق ينتصر |
القدس والشيشان في خطر | وكلاهما للغوث يفتقر |
الله أكبر من مؤامرة | كل الأعادي سوف تندحر |
يا إخوة الإسلام لا تهنوا | بعد العواصف يورق الشجر |
مهاجر
شعر: سليم عبد القادر
بعض أصحابه هاجروا إلى كندا. بحثًا عن وطن. وهو ينظر. وينتظر
لا، لن أهاجر مضطرًا إلى «كندا» | ولن أهاجر مختارًا لها أبدا |
إذا نجوت بنفسي، ما نجوت بها | إن عشت في قلق أن أخسر الوَلَدا |
وما نسيت بلادي ما زهوت بها | يومًا، ولا أبتغي من دونها بلدا |
ولست أمضي إلى أرض أغايرها | شوقًا ودربًا وأمالًا ومعتقدًا |
إن ضاقت الأرض بي ما زلت مذكرًا | عناية الله، ما ناشدته السندا |
أرضي ستبقى بلادي رغم من جحدوا | حقي بها، وسيخزي الله من جحدا |
ما قلت جارت، ولو جار اللئام بها | على الكرام، وغالوا الفكر والرشدا |
فيها من الذكريات الخضر حقل هدى | في الروح منطبع، لا ينمحي أبدا |
ما زال حبي لها يشتد دافقة | عيونه، ولهيب الوجد ما بردا |
مهاجرًا في سبيل الله كنت ولم | أزل، ولو عشت باقي العمر مضطهدا |
بين المنافي أعاني الدهر محتسبًا | ما كان لله حاشا أن يضيع سدى |
تدري المنافي جميعًا إن سئلن، فهل | وجدن عندي إلا الحلم والجلدا |
ولا بطولة، إلا أنني رجل | آمنت بالله ربًا واحدًا أحدا |
أقول للنفس والأحباب في ثقة | كما أراكم، أرى فجرًا يطل غدا |
قالوا: جراح النوى في القلب غائرة | ما يبرئ الجرح، أو ما يمسح الكمدا |
فقلت: يومان في حمص وفي حلب | ورشفتان من العاصي ومن بردى |