العنوان محاولات التحييد والشلل العقائدي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980
مشاهدات 87
نشر في العدد 475
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-مارس-1980
نستطيع وصف الفكر بالشلل عندما يكون صاحبه عاجزًا عن التفكير السليم وعن بناء أعماله وفق أصول التفكير السليم، أي عندما لا تكون لديه «عقيدة صحيحة» لأن العقيدة مزيج من الفكر والعمل.
الانحراف عن العقيدة الإسلامية: مرض خبيث
وكما تتنوع أسباب المرض وتختلف -وإن كان مؤداها واحدًا، وهو إحلال السقم محل الصحة؛ فكذلك الشلل العقائدي- في أبشع صوره: «الكفر والإلحاد، وظواهرهما الفكرية السقيمة: كالشك والوهم والظن والتقليد الأعمى والعنادية والسفسطة والمغالطة والكلبية.. إلخ» له أسباب مختلفة، منها ما هو نفسي كضعف العقل والانحطاط الخلقي والاضطراب السلوكي، ومنها ما هو خارجي بيني كالتربية الفاسدة والتعليم الناقص ومحاولات التحييد المفروضة.
ولعل من أخبث هذه الأسباب وأكثرها انتشارًا، لاسيما في المجتمعات التي يسودها الاستبداد وطغيان المادة هي محاولات «التحييد» التي تهدف تمييع الفكر وشله عن اتخاذ موقف معين وصرفه عن العقيدة نهائيًا.
وطالما اتخذ الاستعمار وأذنابه هذه الوسيلة لدعم تسلطهم كما اتخذها المستبدون لقتل ضمائر شعوبهم، فالتحييد يهدف خلق «المنافق» بدلًا من «المؤمن» وإيجاد «الإمعة» بدلًا من «صاحب المبدأ» ومسخ «الإنسان» إلى «حيوان» ليسهل إغواؤه وإغراؤه، إن جاع سرق وإن شبع زنا، ليمكن استخدامه وسحقه وفق أهواء المتحكمين به وبأمثاله..
وهكذا نرى في بلاد الكفار شرقيها وغربيها وفي الدول التي تسير في فلكها، نرى بوضوح كيف تُسحق شخصية الإنسان ويغطى على عقله فترى به من القلق والضياع والذهول ما يجعله أداة طيعة في أيدي السلطة، وفردًا منساقًا ضمن القطيع ومعه، لا يشعر باستقلال الشخصية أو الفكر، ولا يطمح إلى أكثر من ملء بطنه وإشباع نزواته..
طبيعة الإنسان
والأصل في هذه المسألة يعود إلى طبيعة الإنسان نفسه، فإن الإنسان مخلوق عجيب خليط أمشاج مختلفة، موطن ميول ونوازع وإمكانات واسعة المجال، ترى فيه العقل والشهوة والعلو والدنو، والرغبة والرهبة، والإقدام والإحجام، وما من خصلة أو صفة حسنة أو قبيحة، إلا ويمكنه أن يتصف بها أو بضدها، ولذلك نرى من بين الناس العالم والجاهل والكريم والبخيل والمؤمن والكافر، كما أنه يمكن لهذا أن يتخلى الإنسان عن صفة ويتحلى بأخرى، فالإنسان قابل للتفاوت والتفاضل، وقد يعدل الواحد ألوفًا من بني جنسه إذا توفر فيه من الصفات الحسنة ما ليس فيهم وليس هذا في شيء غير الإنسان.
فإذا كان الإنسان بهذا القدر من «سعة الإمكانات والقدرة على التصرف واتخاذ المواقف» فإنه في حالة اختيار الحق والصراط المستقيم يكن أفضل من الملائكة، وإذا اختار طريق الشر والفساد وانغمس في مهاوي الضلالة كان أكثر شرًا من الحيوانات..
وأسوأ جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه هي عندما يهمل مقتضيات العقل والنظر السليم فيسخر عقله لخدمة شهواته وإنفاذ أهوائه، ويصبح عبدًا لكل نزوة طارئة أو داعية للسوء. ولقد وصف القرآن الكريم هذا النوع من البشر بأنه أبى السمو والرفعة وبالعمل بآيات الله تعالى وتعاليم رسله وانساق يلهث وراء الحطام والأوهام، فقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 175, 176)
القرآن وأصناف البشر
ولقد حدثنا القرآن الكريم كثيرًا عن صنوف البشر وأنواع النفوس، وما ذلك إلا ليحذرنا من الوقوع في براثن «العقائد الفاسدة» وما يُبنى عليها من أشكال الانحرافات والضلال، ومن فضل الله تعالى على الإنسان أنه لم يدعه في مهب الريح ضعيفًا كسيرًا تحطمه....... الأهواء وقوة الفعل ورد الفعل، بل منحه العقل، وهو....... كاشف، وأيده وأرشده الوحي السماوي فأبصر واهتدى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ (الضحى: 7)
وجاء الدين بالتربية والتهذيب، فقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7,8,9,10)
وتزكية النفس هي المثل التربوي الأعلى للإنسان، لكن كيف؟!.. هنا أيضًا تدخلت الرحمة الإلهية، فلم ....... الإنسان نهب حيرة ....... ودوار التصورات والنظريات الذي وقع فيه الفلاسفة والأخلاقيون من غير المسلمين، قديمًا وحديثًا؟؟ إنهم سموا الأخلاق: .........
بل وضعت الرحمة الإلهية ....... نظامًا وعقيدة ....... يكفل للإنسان السعادة في الدارين، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)
الصوم مثال للتربية الإسلامية العملية:
أضرب كمثال للتربية الإسلامية العملية: الصوم، فإنه بما يحتويه من معاناة مباشرة مع الذات، ووسيلة هامة لمراقبة النفس وتزكيتها وتقوية جانب الإرادة، فالذي يصوم ما يقرب من خمس عشرة ساعة يوميًا لمدة شهر كامل، عن الطعام والشراب، لابد يحس بالجوع والعطش، وشيء من الوهن، وقد ينتابه الضيق والغيظ، ولكنه عندما يعرف أنه صائم «إيمانًا واحتسابًا» لا مجرد جائع - «حرمانًا أو إضرابًا عن الطعام أو لأجل الحمية» أي يعي أنه قاصد هذا الصوم، ناوله، عملًا بأركان الإسلام، واحتسابًا للثواب عند الله تعالى، فإنه لابد ينقلب ضيقه وغيظه رضا وطمأنينة وسعادة، ويعلم أنه في رياضة روحية ترشحه لبذل النفس وحظوظ هواها لأجل الله تعالى، وفي هذا انتصار على الشهوات الفاسدة وعوامل الضعف والخوف النفسي، وكسر لحدة العادات وجموح الدوافع، ولذلك يقول الرسول المربي صلوات الله وسلامًا عليه: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له رجاء»..
وهكذا فالصوم ينقض أكاذيب السلوكيين والماديين من علماء النفس والتربية، الذين أرادوا مسخ الإنسان وتحجيمه في دوافع مادية صرفة محدودة. فالصوم إمساك طوعي عن حاجات دوافع الجوع والجنس العطش، التي اعتبروها أقوى من كل شيء في الحياة الإنسانية وأساسها، تثبت التربية الإسلامية بالصوم وغيره من العبادات، أن الدوافع الإيمانية الإنسانية أقوى من الدوافع الفيزيولوجية الوظيفية، بل تطلب من الإنسان التحكم في هذه الدوافع وتهذيبها حتى تتوافق مع نظام الشريعة، وهذا هو معنى قول الرسول صلي الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لمًا جئت به». وهذا هو كمال التربية، ولذلك تجد المسلمة تجوع ولا تذل نفسها، ويبذل المجاهد المسلم روحه رخيصة في مقاومة العدو والفساد والظلم، ونرى المسلم الصالح يعف عن السرقة وأكل الربا وقبول الرشوة، ولو كان فقيرًا عائلًا.
وهكذا -فالصوم- مثل من أمثلة التربية الإسلامية في وعي الذات وإغناء العقل واتخاذ الموقف الصحيح وإيجاد الهدف والمثل والمحتوى الجهادي الرسالي للإنسان؛ وكل ذلك ردًا على محاولات التحييد الخبيثة التي تهدف صرف الإنسان المسلم عن عقيدته نهائيًا، ليصبح الشعب قطيعًا هائمًا يجمعه الطبل وتفرقه العصا.
المسلم صاحب موقف وبصيرة:
ويبين الإسلام أن على المسلم أن يكون صاحب موقف ورأي يصدر فيه عن عقيدة واضحة «بصيرة»: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108). وأنه مطالب بمكافحة الظلم والفساد، ولا يقف منه موقف الحياد موقف المتفرج أو اللامبالي، بل يطلب من الجماعة «كفرد كفاية» أن يوجد فيهم جماعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدعو إلى الخير، ويأثمون جميعهم إن لم يوجد فيهم مثل هؤلاء الذين هم «أولو الأمر» في الواقع: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) كما يطلب الدين الإسلامي مثل هذا الأمر والنهي والجهاد بالكلمة على مستوى الأفراد، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أي الحد الأدنى الذي لا يجوز أقل منه، وهو الاستنكار القلبي والاحتقار النفسي للمنكر، وهذا يستعدي الزوال عنه إن لم يستطع إزالته، والتهيؤ والاستعداد والتخطيط لإزالته باللسان أو باليد عند القدرة على أحدهما، وليس كما يفهم بعض الجهلة من أنه السكوت والقبول على مضض أو الاعتذار بأنه «لا قدرة له والعالم كله الآن هكذا، وماذا يفعل واحد اليد لوحدها لا تصفق» إلى آخر ما في جعبة المتخاذلين والجبناء الذين ماتت في أنفسهم شعلة العقيدة وخمدت روح أضعف الإيمان»..
ويصف لنا القرآن الكريم بوضوح أحوال مشلولي العقيدة: فهم لا موقف لهم ولا رأي، وهم تارة مقلدون وغيرهم، وتارة يتبعون الأماني ويسيرون وراء الهوى وهكذا تنعم الموازين الصحيحة لديهم ويضطرب التفكير وينعدم الإدراك، لتعطيلهم مقتضى الحواس، قال تعالى في وصفهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ* وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 170, 171)
ولذلك لا تجد لديهم القدرة على التصرف أو الفعل، كقول الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (يس: 47)، وكقول اليهود لنبيهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (المائدة: 24). وكقول آخرين أرادوا الاعتذار لعدم الهجرة والرضا بدولة الكفر تحكمهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 97).
وهكذا نرى الإسلام يجعل من أتباعه أناسًا ذوي بصيرة نافذة وعقل راجح، ويفرض عليهم ركنًا عمليًا في عقيدتهم يتجلى في السلوك والجهاد.
ولذلك لا نجد في القرآن الكريم كلمة الإيمان ومشتقاتها إلا ومقترنة بالعمل الصالح، لأن الإسلام عقيدة وعمل..
الروح الإسلامية، أهم ما يزعج الظالمين:
ولذلك نجد أن أهم ما يزعج الكفرة والمستعمرين والظالمين هو تلك الروح الإسلامية الداعية إلى التغيير بالقوة لصالح إعلاء كلمة الله تعالى وذلك المحتوى الحركي الفعال في الإسلام هو الذي يؤرق الظالمين ويقض مضاجعهم. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 7).
إنهم كانوا يريدون الرسول أن يبقى منزويًا في بيته، يعظ ويعلم دون أن ينقض أفكارهم أو يرد على سفاهاتهم أو يحطم معبوداتهم الدنية، أما وقد اختلط بالناس ومشى في الأسواق وجهر بالدعوة ودعا إلى مقاومة الظلم والفساد والجاهلية بكل ما تحمله هذه الكلمة من أوزار، فإنه لا يكون وأتباعه حياديًا تجاه الكفار، ولذلك وجهوا إليه أعتى حرب وأعنف مقاومة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزدد إلا إصرارًا على الحق ومقاومة للكفر حتى كتب الله تعالى له النصر، وتزلزلت أركان الكفر وأتباعه وتقاليده..
أمثلة للتحييد وشل العقيدة:
واليوم، يجد الملاحظ المدقق أشكالًا متنوعة كثيرة لمحاولات التحييد الخبيثة التي تشنها الحركات والسلطات المعادية للإسلام بقصد قتل الروح الإسلامية وإلهاء المسلمين بأمور تافهة وإشغالهم عن أمور العقيدة ومحوها من أذهانهم.
وأضرب لك بعض الأمثلة: فمن ذلك ما نجده في سياسة الاتحاد السوفييتي تجاه المناطق التي نكبت باحتلاله الملعون، ففي البداية حاول الروس استمالة المسلمين وبيان أنهم يريدون تخليصهم من ظلم القياصرة، ولكنهم بعد انتصارهم في الحرب قلبوا لهم ظهر المجن وشنوا عليهم حرب إبادة قتلوا فيها منهم عدد ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى، حتى تسلطوا على البقية الباقية بالتخويف والإرهاب والقتل والنفي إلى سيبريا وغيرها، ثم حولوا المساجد التي لم يهدموها إلى متاحف وأغلقوها في وجه المصلين، وحرموا دراسة الدين والنظر في كتبه، وتولوا تربية الأطفال بمناهج إلحادية تستهزئ بالدين وتبعده من ساحة الاهتمام والتفكير.
وأحيوا بدلًا من ذلك روح القطيع والحزب الواحد وتأليه الطبقة العاملة وتقديس العمل وعبادة الأرض والشعب.
ثم تسلطوا على الناس بالتجويع والإفقار ومنع السفر والتملك، وبذلك أصبح الإنسان مهيض الجناح مقتول النفس مشلول التفكير، ثم يسروا سبل المفاسد من الزنا والتحلل وما يساعده من نشر دور اللهو والرقص وشرب الخمر، وبذلك تتهدم الأسرة وتنحل الروابط وتزول المثل والقيم.
ولقد كان الاستعمار السوفييتي للمناطق الإسلامية ولا يزال أقبح أشكال الاستعمار وأخبثها، فهو لا يعدم، بالإضافة إلى ما ذكرنا من وسائل بث جزء كبير من رجال المخابرات والجواسيس بين المواطنين المستضعفين حتى يعدمهم الأمن والثقة ببعضهم، واستعان بجهاز من رجال الدين المرتزقة الذين لا يعدو أحدهم كونه موظفًا حكوميًا يفتي كما يطلب منه ويعمل على إخماد الروح الدينية وليحافظ أمام الناس على....... القيام بالشعائر والمناصب الدينية.
ولقد حدثنا أستاذنا -المرحوم الدكتور مصطفى السباعي عندما كان عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق، بعد زيارة له للاتحاد السوفييتي ضمن وفد من أساتذة الجامعة، أنه زار المفتي حينذاك في بيته، فوجد شعار الشيوعية محفورًا في جدار غرفة الاستقبال بشكل كبير واضح فسأله هل البيت هو بناء يستأجره فقال له المفتي: أن البناء ملكه وهو الذي أشرف على بنائه، فهذا يدل على أن مفتي المسلمين في الاتحاد السوفييتي شيوعي قح، ولما سأله عن الموضوعات التي يتناولها خطيب الجمعة في المسجد «وهذا بعد زوال ستالين، وما يسمونه بعهد الحرية» فقال إن الآن صار مسموحًا لهم أن يقولوا إن الإسلام يحض على النظافة في الموضوعات التي تتحدث عن...... الإنسان أو العدالة أو النظام، ولا يجوز التطرق إليه.. وذكر - ...... الله - أنه ألقى محاضرة في ...... بخاري فتحدث عن الإمام البخاري ومنزلته العظيمة لدى السلمين، قال: فما وجدت من الناس من يعرفه أو يهمه أن يعرفه..
وهكذا جعلت سياسة الاستعمار السوفييتي الشيوعي المواطنين المسلمين مقطوعي الصلة تراثهم ودينهم وتاريخهم، وجعلت منهم فقراء منكوبين مقهورين يسعون وراء لقمة العيش وشيء من اللهو ولینسی همومه ويدفن نفسه وهو حي.. ولقد حدثنا أكثر من زميل يدرسون في روسيا عن ...... هؤلاء المسلمين على رؤية ...... أو حتى لمسه واقتنائه وإن ذلك أكبر محرم في تلك الديار ...... أحدهم أن زملاءه من باكستان و بلاد الأوزبك وغيرها من المناطق الإسلامية كانوا يأتون ...... ليتبركوا برؤية لوحة الخط العربي فيها «أشهد أن لا إلا الله وأن محمدا رسول» وليروا القرآن الكريم...
وحدثنا عن أحد الإخوة، وكان مدرس الرياضيات العالية، وكان يحافظ على واجباته الدينية والتزامه الإسلامي هناك أن أحد أساتذته «وهو دكتور» جاءه ينصح مشفق، وقال له: إنني متغرب وأنت ذو عقلية علمية ولب مثقف أنك ما زلت تصلي وتؤمن بالله وتعتنق الإسلام، وهذه ...... تجاوزناها نحن الشيوعيين منذ زمن بعيد، فقال له ذلك: ...... بهدوء وروية: أنت العالم الرياضي ماذا تعرف عن قانون الاحتمالات، ألا ترى معي من أن تطبيقاته استحالة الصدفة- ...... وعقليًا وحتى بالبرهان الرياضي.. في أي ميدان من ميادين النظام الطبيعي بدءًا من ...... إلى المجرة.. فأطرق ذلك العالم، وقال: عمري ما فكرت هكذا، ولم يخطر هذا لي على بال.. فقال له إذن فكر لتعرف من المخرف من العالم، وقال له: معك حق.. وانصرف كسيرًا ساهمًا..
وهكذا نرى نشوء جيل حرم - عليه النظر في أمر الدين والإسلام خاصة، وألهي بأمور كثيرة تستغرق تفكيره حتى صار مشلول العقيدة، وقد أشبع غرورًا بمعلوماته التي لم يتلق غيرها وبدولته التي لا يقرأ غير جرائدها ولم يسافر منها قط..
ونجد مثل هذه السياسة تتبعها الدول التي تدور في فلك الاتحاد السوفييتي سواء من حيث التبعية السياسية أو الفكرية فكل منها يسعى لإلغاء دور الإسلام في حياة الفرد والمجتمع، وذلك إما بالإغراء أو الاضطهاد والعنف، ومثل ذلك فعل المستعمرون الآخرون فقد شجع الفرنسيون في سورية والجزائر العصبيات الطائفية والعرقية لمحاربة الإسلام، كما حاربوا اللغة العربية وأدخلوا في المدارس منذ المرحلة الابتدائية الآداب والأناشيد الفرنسية، ونرى فرنسا دولة علمانية تمنع التبشير في بلادها، ولكنها تستعين بالمبشرين في سورية ولبنان والجزائر وأفريقيا عامة، لأنهم يمهدون لها.. وكذلك فعلت إنكلترا في الهند حيث شجعت المهراجات على زيادة التسلط على العامة وإفقارهم كما شجعت كل ذي نحلة خبيثة على محاربة الإسلام ثم ابتدعت بدعة القاديانية لتحارب الإسلام من الداخل.
وكذلك نجد أن الانسان غير المسلم في بلدان الكفر الحاضرة يعاني من أشد الأزمات الخانقة فما هذه المذاهب الضالة من الوجودية والشيوعية والرأسمالية واليوغا وغيرها من الفلسفات والمذاهب الوثنية والعصابات السياسية والأحزاب المتناطحة إلا مؤسسات لقتل روح الإنسان ولجعله مستعبدًا بشكل أو آخر..
مسؤولية المثقفين المسلمين في إزالة آثار الاستعمار الفكري:
والذي يهمنا في ديار الإسلام أن نحذر من ذلك الخدر الخبيث الذي تبثه محاولات التحييد سواء من رواسب الاستعمار أو من قبل أذنابه المتحكمين، ولا سيما في الدول التي تكثر فيها الانقلابات العسكرية، ذلك أن محاولات التحييد خاصة ملازمة للانقلاب العسكري بما يحتاجه لاستقراره ونشر ظله من بسط الهيمنة الفكرية على الناس وقمع كل عقيدة مخالفة بالقوة أو شراء ذمم أصحابها، وهكذا تتغير الصورة والإطار كلما نكبت البلاد بانقلاب جديد.. ومن هنا نرى اهتمام هذه الدول بالدعاية ووسائل الإعلام وحرصها على تدجين الأقلام لمصلحتها، وملاحقة ذوي الفكر الإسلامي النير..
وفي الوقت نفسه، نرى أنهم يحتضنون من يقبل أن يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل فيوظفونهم في المناصب الرسمية، وتكون الفتوى على حسب الأمر لا النص..
وكثيرًا ما استعان أصحاب الانقلابات والحكومات الفعلية والاستعمارية بالطرق المنظمة ووسائل الإعلام الحديث في تحطيم أفكار الناس وغسل أدمغتهم واستهوائهم أو تحييدهم..
ولذلك نرى كثيرًا من الدول الإسلامية الغنية بعد أن نكبت بالنظم الفاسدة، أصبح مواطنوها يقفون في الطوابير الطويلة للحصول على الخبز أو اللحم وشيء من العدس أو البرغل، ولا يقرؤون من الجرائد إلا ما تصدره الدولة -لأن غيرها محرم وصوله إليهم- ويعانون من ارتفاع الأسعار كل يوم وفقدان المواد الأولية في مواسم الحاجة إليها، كالثلج في الصيف وانقطاع الكهرباء في الليل وانعدام المازوت والكاز في الشتاء وهكذا، ثم ينتشر بينهم رجال المباحث والمخابرات يعدون الأنفاس ويحصون الكلمات في المدرسة والثكنة والشارع وحتى المسجد، ويقوم خطباء لا يخافون الله فيزورون ويكذبون ما وسعهم ذلك، فإذا قلت كلمة، قالوا لك: هل تعرف أحسن من مولانا الشيخ؟! وهذه كلها خطط مدروسة تهدف في النهاية إلى إلهاء الناس وشل تفكيرهم.
وعندئذ يتخرج منهم المنافق والإمعة والمقلد وعديم الضمير وما إلى ذلك من أشكال الانحراف عن الإسلام الحنيف الذي هو الكمال الأعلى الأمثل للإنسان السوي.
ولذلك فإن مسؤولية المثقفين الواعين من المسلمين في هذا العصر مضاعفة، من أجل إنقاذ النفوس البشرية -من الظلم والسحق وقتل العقيدة- سواء كان ذلك في العالم ككل أو في بلاد الإسلام المنكوبة بتسلط الاستعمار أو النظم الفاسدة، وليحرروا الإنسان من الضياع وليعطوه القدرة على التموقف السليم والمجاهرة بالحق والجهاد في سبيله.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).