; ثقافة الداعية.. النظام الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان ثقافة الداعية.. النظام الإسلامي

الكاتب د. يوسف القرضاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1977

مشاهدات 81

نشر في العدد 351

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 24-مايو-1977

ومن أهم ما ينبغي للداعية أن يدرسه دراسة وعي وهضم النظام الإسلامي، ونظام الإسلام أو المذهبية الإسلامية، أو فلسفة الإسلام.

ونعني بهذا دراسة الإسلام خالصًا غير مشوب متكاملًا غير مجزأ، الإسلام- باعتباره مذهبًا متميزًا، ونظامًا كاملًا للحياة: الحياة الفردية، والحياة الاجتماعية والحياة المادية، والحياة المعنوية ولا يفنى من هذه الدراسة للإسلام المتكامل دراسة العلوم الإسلامية من التفسير والحديث والفقه والتوحيد ونحوها- لأنها لا تعطي نظرة عامة للإسلام كله وإنما تعطي نظرات متفرقة لجوانب منه، كل على حدة، دون إحكام الربط بينها.

وإن الخطر على فهم الإسلام فهمًا صحيحًا يتمثل في عدة أمور يجب التحرز منها:

۱- أن يزاد عليه، ويلصق به ما ليس منه من رواسب الديانات السابقة، وثنية محرفة وشوائب النحل والمذاهب، شرقية وغربية، وذلك بعد أن أكمله الله للأمة وأتم عليها به النعمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. (المائدة: 3). والكامل لا يقبل الزيادة كما لا يقبل النقص. ولهذا شدد الرسول -صلى الله عليه وسلم- التحذير من الأحداث والابتداع في الدين.

۲- أن ينقص منه ما هو من أجزائه وصلب كيانه، أو يؤخذ بعضه دون بعض، كما فعل بنو "إسرائيل" بدينهم. آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. وفي عصرنا قامت محاولات لتجزئة الإسلام أو إهدار بعض تعاليمه كالذين يريدون الإسلام عقيدةً بغير شريعة، أو دينًا بلا دولة، أو صلاةً بدون زكاة، أو سلامًا بلا جهاد أو زواجًا بلا طلاق..  إلخ.

والإسلام وحدة لا تقبل التجزئة والتفكيك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً. (البقرة: 208).

٣- أن تشوه تعاليمه في العقيدة، أو العبادة، أو الأخلاق، أو التشريع، فتعرض على غير حقيقتها ممسوخة محرفة، بفعل الجهل أو الهوى كما شوهت فكرة القضاء والقدر في العقيدة، أو فكرة الحج في العبادة، أو فكرة الزهد في الأخلاق، أو فكرة الطلاق وتعدد الزوجات وضرب الزوجة- الناشز في نظام الأسرة، وفكرة الجهاد في نظام الدولة وفكرة الحدود في نظام العقوبات.

٤- أن يختل التوازن بين قيمه وتعاليمه، فيعطى بعضها دون حقه ويأخذ بعضها الآخر أكثر من حقه، ويقدم ما يستحق التأخير، ويؤخر ما يستحق التقديم. مع أن الإسلام قد أعطى كل عمل من الأعمال وكل واحد من تعاليمه قيمةً و- سعرًا- خاصًا فلا توضع الفروع موضع الأصول ولا تحتل النوافل مكان الفرائض، ولا تقدم أعمال الجوارح على أعمال القلوب، ولا تؤثر القربات الفردية القاصرة على العبادات- الاجتماعية المتعدية، بل يوضع كل شيءٍ في مرتبته الشرعية دون غلوٍ ولا تقصيرٍ، وإلا اضطربت المعايير وقدم ما حقه التأخير.

ومن هنا ينبغي عند دراسة النظام الإسلامي أو الكتابة فيه تفادي هذه الأخطار الأربعة: 

من الزيادة فيه، أو النقص منه، أو التشويه له، أو الإخلال بتوازنه وينبغي إذن أن يدرس النظام الإسلامي، وإن شئت قلت: يدرس الإسلام على هذه الصورة.

أ- خالصًا مصفى من الشوائب والفضول والزيادات التي ألصقت به على مر العصور- ويجب العودة إلى نقاء الإسلام الأول: إسلام القرآن والسنة، إسلام الصحابة وتابعيهم بإحسان- قبل أن تظهر الفرق وتطرأ البدع وتتفاقم الفتن.

ب- شاملًا متكاملًا غير مبتور ولا مجزأ ولا محذوف منه، بعقائده وتصوراته، بشعائره وعباداته، بأخلاقه وآدابه، بنظمه وتشريعاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمدنية والجنائية، مع وجوب الربط بينها، وشدها جميعًا إلى أصل أصولها وأسس بنائها، وهو توحيد الله تعالى.

جـ - سليمًا كاملًا- مبرأ من تشويه المشوهين، وتحريف الغالين. وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية للإسلام، مع العناية بتوثيق الدليل وحسن التعليل والاهتمام بإبراز خصائص الإسلام:

ربانيته، إنسانيته، شموليته، وسطيته، واقعيته- إلخ.

د- متوازنًا متسقًا واضح التقاسيم، محدد المفاهيم، مرتب التعاليم بحيث يقدم فيه الأهم على المهم- والمهم على غير المهم، وتوضح مبادئه وأحكامه في مراتبها الشرعية: العقيدة قبل العمل والعبادة قبل المعاملة والفرائض قبل النوافل والكبائر قبل الصغائر، والأركان قبل غيرها. 

وينبغي أن يستفاد من كتابات المعاصرين من رجال الفكر الإسلامي في أنحاء العالم الإسلامي وذلك في المجالات الأساسية للنظام الإسلامي- ونرشح لذلك بعض الكتب على سبيل المثال لا الحصر. وإن كان كل بشر يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.

أولا: في مجال العقيدة والأسس الفكرية

١- مبادئ الإسلام
أبو الأعلى المودودي

٢- العقائد الإسلامية
حسن البنا

٣- خصائص التصور الإسلامي
سید قطب

٤- عقيدة المسلم
محمد الغزالي

٥- نظام الإسلام: العقيدة والعبادة
محمد المبارك

٦- الإسلام يتحدى
وحید الدین خان

٧- الله جل جلاله
سعید حوى

۸- الرسول -صلى الله عليه وسلم-
سعید حوى

٩- الإيمان والحياة
يوسف القرضاوي

ثانيا: في مجال العبادة والشعائر

١- الأركان الأربعة
أبو الحسن الندوي

٢- العبادة في الإسلام 
يوسف القرضاوي

ثالثا: في مجال الأخلاق

1- ربانية لا رهبانية 
أبو الحسن الندوي

2- خلق المسلم 
محمد الغزالي

3- دستور الأخلاق في القرآن 
محمد عبد الله دراز

رابعا: في مجال التشريع والنظام الاجتماعي

1- العدالة الاجتماعية في الإسلام- سيد قطب

2- خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي- محمود أبو السعود

3- منهاج الإسلام في الحكم- محمد أسد

4- نظام الاقتصاد- محمد المبارك

5- الحكم والدولة- محمد المبارك

6- الاقتصاد الإسلامي- مدخل ومنهاج- عيسى عبده إبراهيم

7- الفكر الإسلامي المعاصر «الحكم والمجتمع» د. محمد البهي.

8-الفكر الإسلامي المعاصر «الأسرة والتكافل» د. محمد البهي.

9- الإسلام والأوضاع الاقتصادية- محمد الغزالي

10- الإسلام المفترى عليه- محمد الغزالي

11- الثروة في ظل الإسلام- البهي الخولي

12- فقه الزكاة- يوسف القرضاوي

13- مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام- يوسف- القرضاوي

14- التشريع الجنائي الإسلامي- عبد القادر عودة

15- الإسلام عقيدة وشريعة- محمود شلتوت

16- نظام الحكم في الإسلام- د. محمد عبد الله العربي

17- نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور- أبو الأعلى المودودي

18-الربا والاقتصاد الإسلامي- أبو الأعلى المودودي

19- الحجاب- أبو الأعلى المودودي

20- مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي- حسن البنا

21- الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة- البهي الخولي.

ثانيا: الثقافة التاريخية

ومن الثقافة اللازمة لمن نصب نفسه للدعوة: الثقافية التاريخية.

فالتاريخ هو ذاكرة البشرية، وسجل أحداثها، ودیوان عبرها، والشاهد العدل لها أو عليها.

ويهمنا في ذلك تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة، أعني المواقف الحاسمة منه، والملامح الرئيسية فيه؛ لأنه لا يتصور أن يدرس الإنسان تاريخ البشر كافة، ولو كان متخصصًا..  فكيف بغير المتخصص! وإنما يحتاج الداعية إلى التاريخ لأمور:

ا- أنه يوسع آفاقه، ويطلعه على أحوال الأمم، وتاريخ الرجال، وتقلبات الأيام بها وبهم، فقد يرى الإنسان بعين بصيرته كيف تعمل سنن الله في المجتمعات بلا محاباة ولا جور: كيف ترقي الأمم وتهبط؟ وكيف تقوم الدول وتسقط؟ وكيف تنتصر الدعوات وتنهزم؟ وكيف تحيا الحضارات وتموت؟ وكيف ينجح القادة ويفشلون؟ وكيف تنام الشعوب وتصحو؟ يقول القرآن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. (الحج: 46).

٢- أن التاريخ أصدق شاهد على ما يدعو إليه الدين من قيم ومفاهيم. فهو مرآة مصقولة تتجلى فيها عاقبة الإيمان والتقوى، ونهاية الكفر والفجور، وجزاء الشاكرين لنعمة الله، وعقوبة الكافرين بها وكيف يجني من يغرس الخير، ويحصد من يزرع الشوك. ولهذا على القرآن الكريم بذكر قصص السابقين، وتواريخ الغابرين لما فيها من عبر بليغة، وعظات حية. كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. (ق: ٣٦ - ٣٧). وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ. (يوسف: ٢٤٨).

وكثيرًا ما يعقب على نهاية الأمم تعقيبات تبرز ما وراءها من دروس مثل قوله بعد قصة ثمود:

﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. (النمل: ٥٢ - ٥٣) - وقوله بعد قصة سبأ: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ. (سبأ: ١٧) وقوله بعد قصة موسى وفرعون: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (الأعراف: 137).

والداعية يحتاج إلى أن يستشهد للمعاني والقيم التي يدعو إليها بأحداث التاريخ، ومواقف الأبطال، وغير الأبطال. فهذا أعون على تثبيتها في العقول والقلوب، فإن الكلمات قد تنسى، ولكن الوقائع قلما تنسى.

٣- أن التاريخ كثيرًا ما يعين على فهم الواقع الماثل، ولا سيما إذا تماثلت الظروف، وتشابهت الدوافع وهذا ما جعل العرب قديمًا يقولون: ما أشبه الليلة بالبارحة! وجعل الغربيين يقولون: التاريخ يعيد نفسه. بل القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى حين أشار إلى وحدة التصرفات وتشابه الأقوال عند تشابه البواعث. وذلك في مثل قوله عن المشركين وطلبهم الآيات الكونية من رسول الله كقولهم:﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. (البقرة: ١١٨). وقال في سورة أخرى: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، أَتَوَاصَوْا بِهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ. (الذاريات: ٥٢ -٥٣) أي أنهم اتحدوا في الاستكبار والطغيان فاتحد ما صدر عنهم من زور وبهتان:

وأكثر من ذلك أن بعض القضايا الحاضرة لها جذورها التاريخية بعيدة الأغوار، فمن لم يعرف أغوار ماضيها لم يدرك أسرار حاضرها. فالصدام بين الإسلام والمسيحية في هذا العصر لا يُعرف حق المعرفة ما لم يُعرف صراع الحروب الصليبية، وما دفع إليها من بواعث، وما صحبها من دمار، وما خلفته من آثار وما أسفرت عنه من نتائج..  بل لا يعرف إلا بداية الصراع منذ معركة مؤتة وغزوة تبوك في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-.

٤- أن بعض جوانب التاريخ لها صلة وثيقة بعمل الداعية واهتماماته، وأعني الجانب العقلي أو الفكري في التاريخ، مثل: نشأتها وتطورها، وأهم الشخصيات والوقائع المؤثرة في سيرها وما آلت إليه في النهاية. ومثل ذلك: تاريخ النحل والفرق..  تاريخ الفلسفات والمدارس الفكرية. تاريخ الحضارات الكبرى ولا سيما الجانب الثقافي منها.

(في الأسبوع القادم تنبيهات للدعوة في المجال التاريخي).

الرابط المختصر :