العنوان ترجمات مختارة: الفشل الكبير للأمم المتحدة في البوسنة
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
مشاهدات 67
نشر في العدد 1165
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 05-سبتمبر-1995
كانت قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في البوسنة في حالة انهيار حتى قبل سقوط «سريبرينيتسا» في ١١ يوليو الماضي على أيدي الصرب، فقد دأب الصرب على تحدي الأمم المتحدة بشكل متكرر باضطرارها لقبول تقليص دورها في البوسنة إلى جانب إحباط كل محاولة تقوم بها من أجل تقديم المساعدات الإنسانية لضحايا الحرب، وقد أذل الصرب قوة الحماية في البوسنة عندما أقدموا على اقتحام جيب سريبرينيتسا وترويع (20 ألف) لاجئ إلى جانب احتجاز (48) هولنديًا تابعين لقُوَّت حفظ السلام كرهائن، آن الأوان أن يعترف العالم بفشل الأمم المتحدة في سعيها إلى إحلال السلام في يوغسلافيا السابقة وحماية شعبها، ألم يأن الأوان أيضًا أن تنسحب قوات الأمم المتحدة من البوسنة ليعيد العالم النظر في طريقة تفكيرها.
لا يمكن التهرب من النكسة التي وقعت مؤخرًا. وقد بات واضحًا أنه على الرغم من الحديث عن حدوث تغير في ميزان القوى الصالح الحكومة البوسنية، يبقى الصرب البوسنة اليد الطولى في غمرة الأحداث هناك. كما بات جليًا أيضًا أن القوة الجوية وحدها ليست ذات قيمة في بقعة تزخر بالغابات والسحب مثل البوسنة، حتى ولو كانت قوة حلف الناتو، وقد تغافل الصرب الضربة الجوية الأخيرة لحلف الناتو، والتي أسفرت عن تدمير دبابة واحدة ومدفع واحد، وكأنها عضة بعوض؟ ويبدو أن صرب البوسنة ليسوا على استعدادٍ للتخلي عن أرض قد اغتصبوها، وأن البحث عن تسوية سلمية يبدو بعيد المنال.
ولقد كشف صرب البوسنة بشكل قاطع عن التناقضات التي تكتنف مهمة الأمم المتحدة في البوسنة، فعندما أعلن مجلس الأمن عن اعتبار ست مدن بوسنية «مناطق آمنة» بما فيها سريبرينيتسا لم يكن ذلك مجرد تعبير عن أمل ولا واقع ملموس، ولم يكن لدى قوة الحماية جنودًا ولا أسلحة كافية لقيامها بحماية أهالي البوسنة المسلمين، وعندما قررت الأمم المتحدة عدم القيام بمهمة الحماية دون مساعدة الطائرات الحربية التابعة لحلف الناتو، اعتبرها الصرب عدوًا لهم وليس وسيطًا، والأدهى في الأمر هو أن المنظمة تحاول القيام بتقديم المساعدات جنبًا إلى جنب مع حفظ السلام لكن أيًا من الطرفين المتحاربين غير مستعد للانضواء تحت مظلتها.
فوضى لم يسبق لها مثيل
إن عمليات الأمم المتحدة في البوسنة تتسم بالفوضى، بل فوضى لم يسبق لها مثيل في العمليات الدولية، فلم يكن هناك تنسيق يذكر، ولن يكون في المستقبل على ما يبدو، وإن قرار البقاء في البوسنة أو الانسحاب منها سيكون في كلتا الحالتين باهظة الثمن، كما يجب دراسة تشكيل قوة الرد السريع التي لم تَرَ النور بعد بدقة متناهية، ومن المحتمل أن قوات صرب البوسنة قد شَنَّت هجومًا على سریبرینیتسا عندما أوجست خيفة أن قوة الرد السريع المزمع تشكيلها قد تمنعها من ذلك الهجوم فيما بعد.
وقد قدمت فرنسا وبريطانيا اقتراحًا بتشكيل قوة الرد السريع في شهر مايو الماضي في أعقاب الصدمة التي سببها احتجاز صرب البوسنة لحوالي (400) شخص کرهائن دون تحديد المهمة التي ستناط بها، وستبقى مهمة هذه القوة التي ستكون قوامها (10500) جندي من فرنسا وبريطانيا وهولندا غير واضحة، كما أن علاقتها ببقية الجنود التابعين لقوات الأمم المتحدة وقياداتها، وهل ستحمل قبَّعات زرقاء أم حمراء؟ أم ستكون مركباتها بلون أبيض أم لا؟
وهناك معضلة تكمن في أن هذه القوة ستكون خاضعة أيضًا لأوامر برنارد جانفييه -قائد القوات الأمم المتحدة في زغرب، وياسوشي أكاشي -المبعوث الخاص للأمم المتحدة في البوسنة، في حين أن الجنرال روبرت سميث -قائد قوات الأمم المتحدة في البوسنة، سيشرف على مراقبة العمليات، وأن هذا الأخير في موقع أفضل المعرفة وقت التدخل من عدمه؛ ذلك أن كلًا من السيد أكاشي، والجنرال جانفييه كانا يتهربان في بعض الأحيان من مواجهة صرب البوسنة، وأن أية محاولة من قبل رجال الأمم المتحدة في زغرب وفي أسوا الحالات في نيويورك لتوسيع نطاق إدارة قوة الرد السريع سوف تسفر عن كارثة.
إن من واجب هذه القوة مساعدة قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في البوسنة مثل الجنود الهولنديين الشجعان في سريبرينيتسا المواجهين لفوهات المدافع الصربية، بيد أن هذه القوة تحتاج إلى هدف أكثر طموحًا إذا أرادت أن يكتب لها النجاح في إعادة الأمم المتحدة لبعض مصداقيتها، كما أن من واجبها إنقاذ الطريق المؤدي إلى سراييفو بواسطة جبل إيجمان، وهي فكرة يتبناها الجنرال سميث، غير أنها تحتاج إلى موافقة من قبل رؤسائه في زغرب، كما أن هذه لن يكون لها أي تأثير إذا لم تقنع الصرب بأنها أكثر ضراوة من وحدات قوات الحماية التابعة للأمم المتحدة، والتي لقيت سلسلة إهانات من قبل الصرب بشكل منتظم.
وقد لقى (67) شخصًا من أفراد قوة الحماية في البوسنة حتى الآن مصرعهم، وأن بقاء القوات الأممية فيها سيكون حتمًا باهظ الثمن، وإذا استمرت في الإخفاق في مهمتها الإنسانية فإن ذلك سيؤدي إلى إضعاف نفوذ الأمم المتحدة والناتو والغرب برمته، وبالمقابل فإن الانسحاب أيضًا سيكون باهظ الثمن، ذلك أن السلام الهش بين المسلمين والكروات قد ينهار بين عشية وضحاها في حالة انسحاب قوات الأمم المتحدة من وسط البوسنة، مما سيسبب من تضاعف أعداد الضحايا واللاجئين، وسيذهب ضحية ذلك الانهيار الآلاف المؤلفة من الأرواح من جراء توسع نطاق الحرب.
وإذا كان المتحاربون لا يريدون حلًا دبلوماسيًا، فإنه لن يكون هناك حل آخر سوى الحل العسكري، وأن العالم غير مستعد لفرض السلام عن طريق قوة السلاح، إن وصول قوة الرد السريع إلى البوسنة سيمثل بارقة أمل من تحسن أداء الأمم المتحدة فيها، وإن التسويف والمماطلة لن يكونا في صالح القضية، وقد آن الأوان لعمل شيء.
ترجمة: عمر ديوب عن الإيكونوميست.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل