; ماذا جرى؟ وماذا يجري حقًا في طرابلس؟! | مجلة المجتمع

العنوان ماذا جرى؟ وماذا يجري حقًا في طرابلس؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983

مشاهدات 51

نشر في العدد 604

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 18-يناير-1983

في زاوية «قضية اليوم» التي تكتب فيها صحيفة القبس الكويتية افتتاحيتها نشر هذا المقال الافتتاحي القيم في عدد يوم الخميس ١٣/ ١/ ١٩٨٣م في الزميلة الموقرة.. ومع أن ثمة رؤية خاصة للمقال حول الحركات المطلبية.. والقضية القومية.. وعبد الناصر.. تختلف عن الرؤية التي ننظر منها إلى الأحداث.. فإننا آثرنا أن ننشر المقال بكامله لما حوى بين سطوره من حقيقة واقعة.

«المجتمع»

أن يعترف لبنان بـ«باب التبانة» و«بعل محسن»، كان حلمًا ومطلبًا التف حوله الطرابلسيون شعبيًا وناضلوا من أجله.

والمطلوب كان اعترافًا بأن لهاتين المنطقتين المحتضنتين مثل حقوق «الأحياء الراقية».

فباب التبانة جزء من معدة طرابلس وباب رزق تجارها فهي مركز تجارة الجملة وأسواقها تزود طرابلس ومدن الشمال وقراه الممتدة شمالًا حتى النهر الكبير الجنوبي، وشرقًا إلى جرود الضنية والزاوية وأهدن وتلال الكورة وجنوبًا حتى جسر المدفون «بالمونة» والخير الوفير.

ومع ذلك فقد كانت هذه المنطقة محرومة من «العطف الرسمي» فلا مشاريع ولا خطط إنماء ولا عناية ولا رعاية.. وسكانها من الفقراء.. أو كما يسمونهم في طرابلس «عائلات مستورة» تعض على نواجذها من الجوع.. ولا تستجدي.

وفي شوارعها أيضًا، وعلى الحد الفاصل بين الثروات والفقر، نشأ «قبضايات» معروفون بسطوة لا تخلو من شهامة وبسط يد نحو الأفقر والأضعف!

ووفر هذا المناخ الاجتماعي معينًا بشريًا للأحزاب اليسارية والحركات المطلبية التي وجدت حقلًا خصبًا في هذه المنطقة. 

أما بعل محسن فهي الجار الجديد، ففيها استقر العمال الوافدون من جبال العلويين القريبة من حدود لبنان الشمالية.. جاءوا إلى طرابلس طلبًا للرزق وهربًا من شح الأرض في جبالهم المشرفة على الساحل السوري الشمالي.

ومع تزايد أعدادهم. نمت منطقة بعل محسن نموًا عشوائيًا دون أن تتوفر لها خدمات، وعانت من جميع ظروف أحزمة الفقر المحيطة بالمدن اللبنانية.

وظهرت في المنطقتين معًا منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات حركات مطلبية تطالب بحقوق مهضومة للمنطقتين معًا، وتطالب بخدمات وفرص عمل وتعليم متساوية.

وتبنى أبناء المدينة شعبيًا، هذه المطالب ولم يفرقوا بين مواطن ومقيم. فالأخير كان له في رأيهم حقوق متساوية خاصة وأنه ابن شقيق لم يعترف الطرابلسيون يومًا من الأيام بوجود حدود معه.

ولم يشعر أبناء طرابلس بالخطر. ورغم تزايد الوافدين من الجبال العلوية من بضعة آلاف من الستينات إلى حوالي ٣٠ ألفًا في نهاياتها. فإنهم كانوا ينظرون إلى هذا النمو على أنه دليل عافية وازدهار، خاصة أن حركة العمران كانت تعتمد على زنود هؤلاء.

وملاحظة هنا عابرة.. فطرابلس مدينة راسخة في العروبة راسخة في الإسلام.. رفضت لبنانيتها في فترة الانتقال إلى الاستقلال، لأنها تؤمن بانتمائها إلى الوطن العربي -الإسلامي الأوسع وحملت السلاح ضد من حاول التشكيك في عروبة لبنان بعد أن كانت عروبة لبنان شرطًا لقبولها بحدوده وتظاهرت وتمردت وعصت وحملت السلاح في سبيل كل القضايا العربية من ثورة الجزائر إلى عبد الناصر -القضية القومية إلى الثورة الفلسطينية.

وطرابلس متمسكة بإسلامها فخورة به، وأبناؤها -حتى غير المتدينين- متمسكون بتقاليد إسلامهم، فمن يجرؤ مثلًا على المجاهرة بإفطاره في رمضان رغم أنه لا قوانين وضعية تمنعه من ذلك.

ومع ذلك فإن الطائفية لم تجد مجالًا في طرابلس، وحتى في أحلك الظروف التي مر بها لبنان، فإن المدينة ظلت لجميع أبنائها والمقيمين فيها والوافدين إليها.

ولكن المتغيرات في سوريا المجاورة انعكست طرابلسيًا. وصار بعل محسن «مضمونًا سياسيًا» بحكم انتماء سكانه المذهبي -السياسي إلى  الحكم في دمشق.

ويلاحظ أنه خلال هذه الفترة، لم تحظ منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي «الجناح السوري» بشعبية تؤهله لإيصال نائب إلى البرلمان اللبناني، ويقال إن الطرابلسيين لم يغفروا لسوريا «فرط» الوحدة مع مصر. ولكن مع دخول قوات الردع السورية إلى لبنان في عام ١٩٧٦، نمت في ظلها «رابطة الشباب العلوي» التي تحولت على هامش الوجود السوري في طرابلس من حركة اجتماعية إلى ميليشيا مسلحة ومدربة تحظى بدعم سوري مطلق. 

وتزعّم هذه الرابطة منذ أوائل السبعينات علي عيد الذي درس في الجامعة الأمريكية في بيروت وأصيب وهو طالب بالشلل نتيجة طعنة بموس في ظهره من شاب خليجي في أحد بارات العاصمة اللبنانية.

ورافق هذه المرحلة الطرابلسية، تغييرات ديموغرافية «منظمة» في سوريا، فقد جرت عملية نقل لسكان جبال العلويين إلى الساحل السوري، وجرى تكثيف الوجود السكاني العلوي على طول الساحل الممتد إلى النهر الكبير الجنوبي حتى اللاذقية على حساب الطوائف الأخرى من الأرثوذكس والسنة.. وهكذا غلب الطابع العلوي على مدن طرطوس وبانياس وجبلة واللاذقية.. حتى أن الحكومة السورية شقت أوتوسترادًا «يخترق بانياس» هادمة بيوت بنيها الأرثوذكس بعد أن رفضوا بيع منازل لسكان الجبال والنازلين إلى الساحل.

وصار الحزام العلوي الممتد من شمال طرابلس إلى الساحل السوري- مع وجود جيوب سنية على الساحل اللبناني الشمالي محدود السكان -مصدر قلق لقادة طرابلس. وكان مصدر القلق ليس «العلوية» كطائفة من الطوائف... بل تحولها إلى طائفة سياسية تريد أن تفرض تبعية على مدينة رافضة لهذا الخط من الانتماء السياسي من أساسه. 

وانقلبت محاولات فرض التبعية في عام ۱۹۷۹، إلى محاولات للهيمنة على المقدرات الاقتصادية الطرابلسية، فسعت الرابطة العلوية إلى السيطرة على المرفأ، وهو العصب الاقتصادي للمدينة مع الطريق الساحلي الممتد شمالًا إلى سوريا ورافق محاولات إخضاع مؤسسات طرابلس الاقتصادية، فرض حظر سوري على سيارات الحمضيات المحملة بمواسم طرابلس ومنعها من المرور في الأراضي السورية.

وطفح الكيل عندما جرت عمليات اغتيال واعتقال للعديد من شباب المدينة و«قبضاياتها» ولأي شخص يجاهر بالرفض للوجود العسكري السوري أو لهيمنة «الرابطة العلوية».

وحرصت سوريا على تعزيز نفوذها في طرابلس، خاصة بعد أحداث حلب في منتصف عام ۱۹۷۹، حيث رسخ اعتقاد لدى دمشق أن الأسلحة التي تصل إلى الإخوان المسلمين في سوريا مصدرها طرابلس، كما أن أعضاء هذه الجماعة الدينية يلقون ملجأً أمينًا وترحيبًا في هذه المدينة المسلمة.

وانفجرت التراكمات أول الأمر بين «المقاومة الشعبية» وقوات الردع السورية مباشرة وظلت الأمور تهدأ وتثور وفق طبيعة العلاقات المركبة بين سوريا وهذه الحركة التي تضم النقيضين من أبناء طرابلس.

وشهدت المدينة في عام ۱۹۸۲ اشتباكات عنيفة بين المقاومة الشعبية من جهة ومسلحي الرابطة العلوية وقوات الردع السورية من جهة أخرى بعد أحداث حماة إذ إن العديد من أبناء هذه المدينة لجأ إلى طرابلس ناجيًا بحياته ووجد في حركاتها الدينية خير معين.

ونتيجة ضغوط عربية، وبسبب الاستنزاف العسكري وافقت سوريا في مطلع عام ۱۹۸۲ على إخراج قواتها من قلب المدينة والاكتفاء بمراكز خارجها على أن تسير دوريات مشتركة مع الأمن اللبناني والقوات المشتركة في داخلها.

ولكن هذا الحل نقل السخونة المباشرة إلى خط المواجهة على باب التبانة التي صارت الموقع الطرابلسي الأمامي وبعل محسن مركز الثقل في الجهد العسكري السوري.

وبعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت، وتوتر العلاقات السورية -الفسطينية، ازداد التوتر في المدينة، نظرًا للتركيبة السياسية للمقاومة الشعبية، ومحاولات وضع اليد السورية على المنظمات الفلسطينية إلى أن انفجرت الجبهة في أواخر عام ۱۹۸۲ وبدايات ۱۹۸۳ على الشكل الذي شهدناه بين بعل محسن وباب التبانة تزيد ناره قذائف الأسلحة الثقيلة التي تملكها -القوات السورية الداعمة للجبهة العلوية والتي وصلت إلى حد الاستعانة بالمظليين السوريين لخرق جبهة المدينة.

ولا تكتمل الصورة إلا بمعرفة مكونات «المقاومة الشعبية».

والواقع أن هذه الجبهة المعروفة باسم «المقاومة الشعبية» والموروثة من أيام ثورة عام ١٩٥٨ حيث خاض الطرابلسيون معركتهم ضد نظام كميل شمعون تحت هذا الاسم. تضم خليطًا من الحركات والأحزاب اليسارية والدينية يتسع أو يضيق حسب طبيعة المواجهة. 

ومن أبرز الحركات المنضوية تحت لواء «المقاومة الشعبية» الآن من الحركات الدينية:

  • «الإخوان المسلمون» ويتزعمهم السيد فتحي يكن، وهي جماعة تحظى باحترام وجيدة التسليح والتدريب وراسخة الجذور في المجتمع الطرابلسي.

  • حزب التحرير الإسلامي وهو حركة سرية غير معروفة الزعماء.

  • جند الله، وهي ميليشيا إسلامية مسلحة تكونت مع بداية أحداث لبنان بزعامة فواز حسين أغا.

  • جبهة الإنقاذ الإسلامية «المحامي محمد على ضناوي».

  • حركات إسلامية محلية محدودة الانتشار والفاعلية.

ومن الحركات اليسارية والقومية:

  • حركة ٢٤ تشرين يتزعمها السيد فاروق المقدم.

  • حزب البعث العربي -جناح العراق «عبد المجيد الرافعي».

  • المرابطون.

  • الحزب التقدمي الاشتراكي «مشاركة رمزية».

  • أنصار الثورة، وهو تنظيم شعبي تابع لحركة «فتح».

  • أحزاب ماركسية.

  • مقاتلون مستقلون ينتمون إلى زعامات مختلفة ويجمعهم الولاء للمدينة.

ولم تجتمع هذه الحركات المتناقضة في جبهة واحدة إلا لإدراكها للخطر الذي يتهدد المدينة.

ويقولون إن «طرابلسيتهم» فوق حزازاتهم الحزبية.. ولذلك فإن المطلب الأساسي الذي يرفعونه هو بسط سلطة الشرعية اللبنانية على المدينة خوفًا على طابعها.

وهذا الخوف هو الذي دفع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي عقد جلسة خاصة برئاسة المفتي حسن خالد يوم الخميس الماضي «٦/ ١/ ١٩٨٣» إلى إصدار بيان نادر المثيل يعلن فيه أن ما يجري في طرابلس لم يعد له من هدف ظاهر «إلا تهديد أمن المدينة وضرب اقتصادها وترويع أهلها وتغيير معالمها وبعثرة صفوفها واتخاذها رهينة في صراع الأطماع والضغوط».

وهكذا، كما قال المجلس الإسلامي على «الإخوة العرب» أن يقابلوا وفاءها بوفاء فيصونوا دماء أبنائها ويحفظوا أمنها وكرامتها».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية