العنوان لماذا يدخل الغربيون الإسلام؟
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1983
مشاهدات 76
نشر في العدد 626
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 21-يونيو-1983
ولقد تدهش حين تسمع من الذين يدخلون حديثًا في الإسلام من أهل
الغرب كيف يجدون في الإسلام الشيء الذي غاب عنهم طويلًا وطالما بحثوا عنه وحاروا
في التماسه.
والغربيون الذين يتحولون إلى الإسلام بأعداد هائلة إنما يحدث
ذلك لأنهم يجدون فيه اختبارًا قابلًا للتطبيق ولهداية الحياة الإنسانية وإذا بحثنا
في أعماقهم عن أرواحهم وعقولهم نجد أن الكنيسة المسيحية التي انتموا إليها ذات يوم
قد خذلتهم وأصبحت عاجزة عن أن تعود بحياتهم إلى الأخلاق والقِيَم ونجد أن الحياة
الغربية والعقيدة السائدة هناك، وهي «العلمانية»، قد حرمتهم من الملاذ والملجأ
الذي يمكن أن يرجعوا إليه عندما تدهمهم المشاكل، والمشاكل كثيرة هناك وأغلب
المشاكل تتعلق بالفراغ النفسي والخواء الروحي الذي يجعل الحياة الإنسانية خالية من
أي معنى.
ومعظم المسلمين هناك من الناس الذين عانوا من مشاكل الفقر
والظلم الاجتماعي البشع في مجتمع الوفرة والثراء المريض، فلم يستطيعوا أن يجدوا أي
علاج أو اهتمام من أي مصدر سواء كان دينيًا أو اجتماعيًا، ولذلك تحولوا إلى
الإسلام لأنهم وجدوا فيه عقيدة يمكن أن تُصلح حياتهم وتخرجهم من اللاأخلاقيات
والمشاكل التي يواجهونها ووجدوا في القيم الإسلامية العدل الاجتماعي الذي
يَتُوقُونَ إليه والذي لم تستطع الحياة العصرية أن تحققه لهم.
المرأة في الغرب
كذلك فإنه بالنسبة للعدد الكبير من النساء اللاتي اعتنقن
الإسلام فإنهن قد وجدن في الإسلام ما يحفظ كرامة المرأة ويكرم أنوثتها التي
أهدرتها الحياة الغربية المادية، ويعلن أن المرأة في هذا المجتمع الغربي الذي يدعي
التقدم ما هي إلا دمية لمتعة الرجل ولاستغلال جسدها وفتنتها وعريها في الدعاية
والإعلان عن الأفلام والتلفزيون ليكون وسيلة لترويج السلع والبيع، وهو أمر لاأخلاقي
يحط من كرامة الأنثى ويعلن أن علاقة الرجل بالمرأة في المجتمع الغربي قد حولت
المرأة إلى آلة لمتعة الرجل أو هي هكذا في نظر هذا المجتمع الذي هو في الواقع
مجتمع لا ديني بحجة أنه مجتمع علماني.
العلم الحديث يكشف زيف المفاهيم الغربية
ومدخل الكثيرين من الغربيين إلى اعتناق الإسلام يعود في أحيان
كثيرة لرفض المفاهيم التي لا يقبلها العقل ويكشف العلم الحديث زيفها على النحو
الذي يتحدث به الدكتور بوكاي: فكرة التثليث ووجود أكثر من إله وتناقض الكتب
القديمة، كل هذه الأفكار غير معقولة وغير منطقية ومعقدة لا يقبلها العقل، ولكن
فكرة التوحيد الإسلامية بسيطة وسهلة ومنطقية وتتمشى مع الفطرة (عبد المنعم سلام)،
وهكذا ينفرج الستار قليلًا قليلًا عن ذلك النور المبين الذي يهدي القلوب.
الإسلام حضارة كاملة
وحين يتحدث أشهر أساتذة علم الأديان في أميركا بروفيسور «بروس
لورانس» فإنه يستطيع أن يقول الحق إذا كان منطقيًا ولم يكن ممن ألقيت عليهم غلالات
التبشير والاستشراق الداكنة.
لقد كان الغرب عمومًا ينظر للإسلام والمسلمين على أنهم جماعة من
العرب المتخلفين وأنهم يكرهون اليهود ويعادون كل ما هو غربي، وأستطيع أن أقول إن
هناك تغييرًا اليوم، فقد أدرك الغرب أن العالم الإسلامي يمكن أن يكون قوة فعالة
منذ عام ١٩٧٣م وأن سقوط الشاه دفع الغرب لأن يعيد النظر ويدرس الإسلام في محاولة
للتنبؤ بالمستقبل وقد كان من نتيجة ذلك اكتشاف أن الإسلام حضارة كاملة لها تراثها
والغرب لديه مرونة كافية ليعرف بخطأ معتقداته السابقة لكي يفتح صفحة جديدة مع
العالم الإسلامي وليعترف أن الإسلام ليس مجرد جماعة من المتعصبين.
مخططات لإحباط الصحوة
الإسلامية
ونقف قليلًا أمام هذه المحاولة من الغرب ولا نظن أنها ستكون
مخلصة أو متحررة، وإنما ستكون محاولة لاستقطاب هذه الصحوة ولمعرفة أبعادها
لتدميرها والقضاء عليها وقد حدث هذا بالفعل، وبدأت مخططات توهين هذه الروح من
منافذ كثيرة سواء عن طريق السياسة أو عن طريق الاقتصاد، ونحن نعرف أن الغرب لن
يسلم بهذه الحقيقة ولكن سيعمل لمزيد من تعويق امتلاك المسلمين لإرادتهم بإقامة
مجتمعهم وتجديد حضارتهم، ولعل للصهيونية ضلعًا كبيرًا في إفساد تصورات الغرب نحو
الصحوة الإسلامية، ولكن لهذه الجولة سلبياتها وإيجابياتها، وأهم إيجابياتها تلك
النظرة المنصفة التي تكشفت فيها أقلام من أمثال بوكاي وجارودي.
اعتراف بالحقيقة
ولقد كانت أهم الحقائق التي كشف عنها الأعداء والنصراء على
السواء، هي أن الاسلام نظام حياة ومنهج بناء مجتمع لاريب بالرغم من صيحات بعض
الساسة العرب بأكذوبة فصل الدين عن السياسة في المجتمع الإسلامي، وإن كانت وكالات
الأنباء العالمية وهي خاضعة للنفوذ الصهيوني تحاول أن تزيف الحقائق، بالإثارة
وباستعداء الغرب على المسلمين وبتصوير حضارة المسلمين بصورة الحرب والتسلط وهو
ماهي براء منه وتاريخها شاهد.
وفي الحقيقة إن الابحاث الجديدة تحاول أن تصور أمورًا هامة:
·
الأمر الأول: هو الاعتراف بخطأ الغرب
في إصراره السنوات الطوال على إنكار فضل الحضارة الإسلامية والدور العظيم الذكي
قام به المسلمون في بناء الفكر والعلم والحضارة الإنسانية، وقد أشار إلى هذا
الدكتور مارسيل بوازار كما أشار إليه بتوسع وإطالة الدكتور جارودي في كتبه
الأخيرة، وهو ما أشارت إليه الدكتورة سجريدة هونكة منذ أكثر من عشر سنوات في
كتابها الذائع «شمس الله تشرق على الغرب»، وهي الحقيقة التي تناولها قبل ذلك عدد
من الباحثين الغربيين المنصفين أمثال جوستاف لوبون، وكارليل، ودرابر.
·
الأمر الثاني: محاولة النظر إلى
الإسلام نفسه على أنه من الأديان العالمية مع ضرورة الحوار معه والعمل على مواجهة
الاتحاد والشيوعية.
·
الأمر الثالث: تخفيف لهجة الكتابات
الاستشراقية، وخفوت صوت التحامل والتعصب العنيف وإن بقيت روح التشكيك وإثارة
الشبهات وظهور كتب جديدة لغربيين فيها روح الاعتدال.
الحذر من الدعوة إلى
الحوار مع الكنيسة
لكن الدعوة إلى الحوار بالرغم من كل مظاهرها مازالت تخفي جوانب
كثيرة تحتاج إلى يقظة وحذر شديد من جانب المسلمين، فإن العملية بدأت من جانب
الكنيسة واستدرج إليها كتاب علمانيون أمثال طه حسين وغيره في رغبة للحصول على
إقرارات إسلامية بالاعتراف بالمسيحية وبالسيد المسيح دون مقابل من الجانب الآخر في
نفس الوقت الذي استمرت فيه حركة التبشير التنصيري بكل ثقلها على جوانب كثيرة من
العالم الإسلامي وخاصة شرق وغرب إفريقيا وجنوب شرق آسيا في مخططات قيل عنها إنها
رسخت خطة لتنصير المسلمين في هذه المناطق في خلال عشرين سنة أو خمسين مما سنتعرض
له من بعد.
زحف الإسلام على أوروبا
ومن هذه الظواهر: عودة الإسلام إلى الأندلس، وزحفه على أوروبا
وتزايد أعداد المسلمين في فرنسا وألمانيا وتوسعه في مختلف أجزاء القارة الأوروبية
والقارة الأميركية وأستراليا.
وهذه ظاهرة بعيدة الأثر في إضاءة الإسلام لقلوب عديدة في الآفاق
الواسعة، فها هو الإسلام يدخل هذه المناطق سلمًا بعد أن استبعد منها وأخرج من
الأندلس والبلقان، فإذا أضفنا إلى ذلك تزايد عدد المسلمين في العقود الأخيرة على
نحو واسع حتى في المناطق التي لا يستطيعون فيها إبلاغ إرادتهم كالمناطق الإسلامية
في الاتحاد السوفييتي بينما تتناقص أرقام المواليد في الغرب على نحو خطير جدًّا،
علمنا أن الإسلام يتدافع في قوة من حيث يمتلك أهله الآن القارة الوسطى الغنية
بأنواع الثروة والخامات والطاقة، وقد تزايدت في السنوات الأخيرة مواردهم أضعافًا
مضاعفة بعد ارتفاع أسعار النفط، كل هذه علامات بارزة في زحف الإسلام وتزايد إيقاعه
في القلوب وفي الأرض على نحو يوحي بتغير شامل في خريطة العالم في خلال هذا القرن
الخامس عشر الهجري.
المسلمون والتوازن الدولي
فالمسلمون اليوم يملكون قدرًا وافرًا من العتاد الحربي والطائرات والدبابات والأسلحة وإن كانوا لا يملكون مصانع العتاد الثقيل، كما أنهم لا يزالون في الخطوات الأولى لصناعة القنبلة الذرية وقد تعالت الأصوات في العراق وباكستان ثم خفتت قليلًا بينما استطاع العدو الصهيوني أن يمتلك هذه القنبلة، وكل الدلائل تؤكد أن العالم الإسلامي مؤهل لأن يصبح قوة فعّالة قادرة على أن تحكم في التوازن الدولي وأن ما يردده البعض في الغرب من أن العالم الإسلامي لم يبرز كقوة سياسية إلا بسبب البترول هو تصور قاصر فإن بين أيدي العالم فيما عدا النفط- الذي ربما انتهى أمره بعد خمسين عامًا- تلك القدرة الاستراتيجية من البحار والقارات الفذة وتلك الثروات المخبوءة تحت الأرض وذلك التفوق البشري الكاسح... كل هذا يوحِي بأن العالم الإسلامي يتقدم خلال القرن الخامس عشر إلى أفق جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل