; العالم العربي الجديد! | مجلة المجتمع

العنوان العالم العربي الجديد!

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر

مشاهدات 69

نشر في

نشر في الصفحة 37

مجريات الأحداث وشواهد الواقع تؤكد على أنه قد أصبح هناك عالم عربي جديد، له ملامح غريبة وسلوكيات مريبة، وأفكار لا تمت إلى الإسلام أو العروبة بصلة، كما أصبح هناك واقع جغرافي مشوه المعالم، متداخل الحدود والمفاهيم بين ما هو صهيوني وما هو عربي، وبقيت هناك شواهد وأحداث تؤكد على أننا نعيش  في عالم غريب جديد يدعى العالم العربي، ففي ملامح وأحداث العالم العربي الجديد بدت صور وأحداث غريبة لكنها للأسف واقع نعيشه، وتاريخ نعاصره وسوف تشاهده الأجيال.

فرغم ما شهده التاريخ العربي الإسلامي من انتكاسات وما عاشه العرب والمسلمون من ضعف على مدار تاريخهم، إلا أنها كانت المرة الأولى التي يجلس فيها العرب إلى جوار اليهود والنصارى على مائدة واحدة في أرض عربية إسلامية تدعى شرم الشيخ ليتفقوا -طبقًا لما ذكرته صحف ومصادر غربية وعالمية- على إعلان الحرب على كل ما هو إسلامي وإعطاء الشرعية للعربدة الإسرائيلية والتمكين للصهيونية حتى تصبح لها اليد الطولى والقرار الأخير في كل ما يتعلق بالمنطقة من أحداث، وسرعان ما أصبحت نتائج شرم الشيخ واقعًا تفرضه إسرائيل وسط صمت غربي ودعم أمريكي وتخاذل عربي.

وعاد بيريز من شرم الشيخ ليفرض الحصار وحرب التجويع على ثلاثة ملايين فلسطيني، وبدلًا من الاعتراض العربي والاحتجاج الإسلامي قام بيريز بزيارتين إلى قطرين عربيين خليجيين، حيث استقبل في أول إبريل الماضي في مسقط وفي الثاني منه في قطر، وعقدت المباحثات وأبرم الصفقات وأعطى الاحتفاء به والتكريم له صورة دقيقة لما أصبح عليه العالم العربي.

ثم رأينا صورة أخرى للعالم العربي الجديد في 16 إبريل الماضي ففيما كانت الطائرات الإسرائيلية تضرب بيروت ومدن لبنان بالصواريخ، فيما تمشط المدفعية الإسرائيلية قرى الجنوب اللبناني بعشرات الآلاف من القذائف، حتى أصبح في كل بيت لبناني مأتم، رأينا شالوم كوهين الذي عينته إسرائيل رئيسًا لمكتب رعاية المصالح الإسرائيلية في تونس يقيم احتفالًا إسرائيليًّا صهونيًّا في العاصمة العربية الإسلامية تونس، بمناسبة افتتاح مكتب رعاية المصالح الإسرائيلية هناك، وفيما كان القتلى العرب المسلمون على أيدي الإسرائيليين في لبنان يتم تكفينهم بدمائهم كان العلم الإسرائيلي يرفرف على عاصمة عربية جديدة تدعى تونس.

وفي 19 إبريل رأينا صورة أخرى من صورة العالم العربي الجديد، يصعب وصفها ولكن يسهل نقلها، ففي نفس الوقت ونفس اليوم الذي قامت فيه القوات الإسرائيلية بارتكاب مجزرتين بشعتين في قانا والنبطية في جنوب لبنان تناثرت فيهما عشرات الجثث والأشلاء لأطفال ونساء وعجائز بينها أسر كاملة، شوهد ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية على شاشات التلفزة العالمية يجلس إلى جوار شيمون بيريز -رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي- على مائدة واحدة يتبادلون الابتسامات ويعلو صوتهم بالضحكات وبينهما أطباق الفاكهة والحلويات، ولا ندري -حتى وإن تكلم عرفات- ما الذي يمكن أن يبرر به هذا اللقاء وفي هذا الوقت بالذات؟.

غير أنه في 24 إبريل وبعد أربعة أيام فسر لنا عرفات سر ضحاكته مع بيريز، حيث رأينا صورة أخرى أكثر بشاعة بينما كانت بقايا أشلاء الضحايا في المجزرة التي قام بها الإسرائيليون في جنوب لبنان لا زالت متناثرة أصر عرفات على عقد جلسة لما يسمى بالمجلس الوطني الفلسطيني امتثالًا لما طلبه بيريز منه قبل أربعة ايام، حتى يقدم إلى بيريز هدية جديدة في مقابل جرائم اليهود ضد العرب والمسلمين تتمثل في تصويت المجلس الوطني الفلسطيني على اعتبار «جميع البنود التي تتعارض مع حق إسرائيل في الوجود الواردة في الميثاق الوطني لاغية، وتم تكليف اللجنة القانونية المنبثقة عن المجلس بصياغة ميثاق وطني جديد لعرضه في دورة خاصة يعقدها المجلس لهذا الغرض»، وطار عرفات بالخبر إلى بيريز الذي كانت طائراته ومدفعيته لا تزال تدك مدن لبنان وقراها بالمدفعية والصواريخ، وقد دفع هذا السلوك من عرفات ومجلسه كاتبًا غربيًّا هو مراسل صحيفة لوموند الفرنسية «جيل باري» إلى أن يتعجب من هذه السلوكيات لأناس ينتسبون إلى أمة عربية عرف عنها تاريخ من الإباء والشمم فيقول: «في رقم قياسي من السرعة انتهى المجلس الوطني الفلسطيني من موضوع إلغاء الفقرات الخاصة بتدمير دولة إسرائيل من صلب الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي طالما لوحت به المنظمة وعرفات كسيف مسلط على رقاب الإسرائيليين، ومن الصدف الغريبة أن يأتي إلغاء فقرة تدمير إسرائيل في نفس الوقت بالضبط الذي كانت تدمر فيه إسرائيل المدنيين في جنوب لبنان وكأنه القصاص، ولكن قصاص ممن؟ من إخوة في العروبة والإسلام!!، ومن أجل الحفاظ على حياة مَن؟.. حياة مرتكبي مذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا والمسجد الإبراهيمي وغيرها من المذابح... أهكذا أصبح العرب؟!».

وبعد ذلك هب عرفات إلى واشنطن لينال الجائزة على ما قدم ويتقاضى راتبه ورواتب ضباط وجنود السلطة التي يقرها الكونجرس على دفعات، هكذا علنًا وعبر وسائلا لإعلام العالمية ليعطي ملمحًا لا يحتاج إلى تعليق عن ملامح بعض زعماء العالم العربي الجديد.

أما الصورة الأخيرة فوقتها الزمني متقارب لكنها تمت في دولتين مختلفتين، أما الشق الأول من الصورة فقد حدث في 8 مايو الجاري في نيويورك حيث أصدر القاضي الأمريكي كيفن دافي قراره بتسليم موسى أبو مرزوق إلى إسرائيل واصفًا حركة المقاومة الإسلامية حماس بأنها: «مؤامرة اسمها حماس»، أما الشق الثاني من الصورة فقد ظهر في القاهرة، 12 مايو الجاري وبعد أيام قليلة من ظهور الشق الأول حيث انتهى ثلاثة من زعماء مؤتمر شرم الشيخ في نهاية قمة عقدوها في القاهرة إلى اتفاق على «تسنيق مواجهة حركة المقاومة الإسلامية حماس لأنهم مقتنعون بأن هذه الحركة ستعمل على تخريب التفاهم القائم بين المصريين والفلسطينيين، وتخريب عملية السلام»، وعلى الفور اجتمع كل من رئيس الاستخبارات الأردنية سميح الطوخي ورئيس الاستخبارات العامة المصرية عمر سليمان ومدير الأمن في غزة محمد دحلان في القاهرة لوضع الخطة المشتركة لمواجهة حماس.

إنني لم أنقل هذه الصور عن أحلام يهودية أو مخططات إسرائيلية أو بروتوكولات صهيونية ولكني أتكلم عن واقع نحياه، وعالم ننتمي إليه لا زال يدعى باسم العالم العربي، وهو عالم عربي جديد حددت الولايات المتحدة معالمه وبدأت قواعده تترسخ حينما قام صدام حسين بغزو الكويت في 2 أغسطس 1990م، ولا أجدني في النهاية قادرًا على قول شيء أفضل من التساؤل الذي طرحه جيل باري -الكاتب الفرنسي- الذي عرف تاريخ تلك الأمة وتألم لما وصل إليه حالها، حينما تساءل متعجبًا: «أهكذا أصبح العرب؟!».

الرابط المختصر :