; المجتمع الثقافي.. عدد 1630 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1630

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2004

مشاهدات 75

نشر في العدد 1630

نشر في الصفحة 50

السبت 11-ديسمبر-2004

الشاعر الإسلامي د. عبد الرحمن العشماوي

شموخ في زمن الانكسار

استضاف المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض الشاعر الإسلامي الكبير د. عبد الرحمن بن صالح العشماوي، إذ تحدث عن تجربته الشعرية الزاخرة بالإبداع، وقد أدار هذا اللقاء د. عبد القدوس أبو صالح رئيس الرابطة الذي أثنى على شاعرنا العشماوي، وأشاد بتجربته الشعرية، واستشهد بعبارة المفكر والمربي الإسلامي العظيم أبي الحسن الندوي -رحمه الله- إذ قال عنه: «هذا سيف من سيوف الله».

 الطفولة وحقل الذكريات: 

شكر الشاعر د. عبد الرحمن العشماوي بداية الرابطة ممثلة برئيسها ومكتبها الإقليمي على إتاحة هذه الفرصة له، سائلًا الله أن يعصمه من الزلل أمام نقاد من أساتذته الكبار، ثم قال: في قرية شامخة تسم «عراء» في الباحة وكأنها في علو قمتها تطاول السحاب والقمر ولدت عام ١٣٧٥ هـ تلك القرية هي حقل جميل لتجربة شعرية خاصة لها ينابيعها المتدفقة، إذ كنا نشرب الماء صافيًا رقراقًا من البين الصخور، وكنت أنهل في تجربتي الشعرية الأولى من موارد عذبة أهمها:

- والدي الذي كان مدرسًا في الحرم المكي الشريف -رحمه الله- كان حريصًا على تربيتي تربية علمية إسلامية جادة فيها الكثير من البراءة والصفاء، وحين بلغت سن الخامسة أعادني إلى القرية لأتربى في «عراء» مع جدي من أمي لما في القرية من الفطرة السليمة والنقاء والتجارب الوافرة، وقد تعلمت كثيرًا من الأحاديث والأدعية من جدي ووالدتي التي كانت تجيد القراءة والكتابة وتحفظ نصف القرآن الكريم وبعض الأشعار، كما كان لعصامية والدي التأثير العظيم على شعري وشخصيتي واتجاهي، كان شاعرًا ينظم نظم الفقهاء الكثير من المواعظ والأخلاق الرفيعة.

- علاقتي بالشيخ محمد العواجي الذي كان أستاذي في الابتدائية ويحفظ القرآن الكريم كاملًا. وكان يراجع معي القرآن على المصحف ويشجعني على الحفظ، فحفظت بعض أجزاء القرآن الكريم، ومجموعة من الأحاديث والأناشيد، مما وثق علاقتي بكتاب الله وبالشعر واللغة.

 - تنمية القيم الأدبية في نفسي ومشاعري في المعهد العلمي بالباحة من خلال الفضلاء من الأساتذة الذين كان لهم أثر كبير في تشجيعي على القراءة ونمو موهبتي أمثال الأستاذ صدقي البيك، والشاعر علي المهدي والأديب حسن الحازمي، ومحمد السعودي، وكان لأستاذي صدقي البيك -حفظه الله- دور عظيم في تنمية أحاسيسي، إذ أوصاني بقراءة رواية «وا إسلاماه» فقرأتها ثم حفظتها كاملة، وكنت أتقمص شخوص الرواية، وكان لهذا أثر جلي في ظهور روح القصة في شعري فيما بعد، وقد قال لي حين سمع بداياتي الشعرية: «أنت موهوب وستكون شاعرًا بإذن الله.. وقد بشرني أكثر من مرة بقصائدي المنشورة.

 الثبات على المبدأ 

وقال الشاعر د. عبد الرحمن العشماوي: أذكر أنني بعثت أولى قصائدي للنشر لصحيفة الدعوة «مجلة الدعوة اليوم»، وكنت في الأول الثانوي، وقد نشرت مع تعليق جميل من الأستاذ الشاعر عبد الله بن إدريس، فكتب تحتها «هذه القصيدة من روائع ما قرأت للشباب» مما دفعني لكتابة المزيد من القصائد، وحين التحقت الأدباء الأفذاذ، وفي مقدمتهم أستاذي د.عبد القدوس أبوصالح، والمرحوم د. عبد الرحمن الباشا الذي أسمعته مقطوعة شعرية لي نشرت في صحيفة الجزيرة في ختام حفلة لكلية اللغة العربية فقال لي: إني أسألك: لماذا تكتب الشعر؟! إن كنت تريد شعرًا يحمل رسالة إسلامية سامية، فلن يكون ذلك سهلًا وبسيطًا، أما إذا أردت المدح والجاه والوصول بسرعة فاذهب للغزل وغيره مما تعرف!!.

 أما جدي رحمه الله- فقال لي: أنشدك الله أن تكون قصائدك في رضا الله !! وحين قابلت المجتمع الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بعد إلقائي إحدى قصائدي قال لي: أسأل الله أن تكون في هذا الشعر من المجاهدين. وفي هذه المواقف حوافز كثيرة أشعرتني بالمسؤولية أمام الله ثم أمام الأمة في شعري، وترسخ اهتمامي بالأدب الإسلامي، من خلال تشجيع هذه النخبة من الأساتذة والمشايخ والأدباء، فقدمت رسالة الماجستير في أعمال علي أحمد باكثير الروائية والقصصية وسجلت الدكتوراة في البناء الفني في الرواية الإسلامية، وأشرف عليها الأديب د. أنس داود، ومن غرائب الأمور أنه لم يكن يؤمن بفكرة الأدب الإسـلامي وصارحني بذلك، وناقشته كثيرًا داعمًا آرائي وأفكاري بنماذج أدبية عظيمة لأدباء الإسلام، وقد أهديته بعضها، إذ كان حكمه على الأدب الإسلامي متسرعًا من غير قراءة واعية، وبعد قراءته لهذا الأدب وحواري معه، وثباتي على المبدأ تغير حكمه، بل تغيرت نظرته وأفكاره بفضل الله أولًا ثم بفضل الثبات على المبادئ الحقة، مما أكسبني الموقف وهداه الله إلى الصواب. ومن هنا أدعو الشباب إلى الاعتدال في أفكارهم والثبات على مبادئهم، فلا يصح إلا الصحيح، ولكن عليهم أن يجودوا في أدواتهم الفنية في الأعمال الأدبية المخاطب وجدان الناس ومشاعرهم بآداب قادرة على أن تهزهم من الداخل وتؤثر في نفوسهم، ولذا بعد إلقائي إحدى قصائدي في القاهرة عن الطفل الفلسطيني المجاهد الذي عرف كيف يواجه الأعداء، قال لي أحد الشعراء المصريين مندهشًا: ترى أيمكن أن يكون الشعر الإسلامي جميلًا إلى هذا الحد؟ إن هذه القصيدة من أجمل ما سمعت!!

 صدق التجربة ووسطية المنهج 

وفي نهاية حديث الشاعر د.عبد الرحمن العشماوي عن تجربته الشعرية، شكر 

د. عبد القدوس أبو صالح شاعرنا على ما قدم لنا من نظرات عفوية صادقة في تجربته الشعرية.

 ثم تحدث الناقد د. حسين علي محمد وطالب بكتابة التجربة الشعرية للعشماوي ليستفيد منها النقاد والأدباء الشباب، كما أشار إلى قلة الدراسات الأدبية النقدية عن الأدباء الإسلاميين، ومنهم شاعرنا عبد الرحمن العشماوي.

 أما الروائي د. عبد الله العريني فقال: أتمنى على شاعرنا أن يفيد الشباب من أسلوبه الرائع في الإلقاء ودعا أحمد عبد الرحمن إلى التعرف على التجربة الإعلامية الثرية للشاعر. وتساءل الناقد محمد العقدة لم يقطف العشماوي اللحظة الشعرية قبل أوانها؟! ألا توقعه ملاحقة الأحداث في التقريرية والخطابية والمباشرة؟!

 نقوش على واجهة القرن الـ ١٥ 

ثم جاء دور الشعر، وتألق شاعرنا العشماوي في أكثر من مقطع أو قصيدة، ولأن العشماوي شاعر كبير يؤمن بقضيته يأتي شعره قادرًا دائمًا على شحننا بومضات وجدانية فنتفاعل مع همومه ورؤاه. يقول في ديوانه «نقوش على واجهة القرن الخامس عشر»:

أيها اللاهثون خلف الأعادي             هل ستبنون أم تريدون هدما

 كم دفعتم من الشعارات                 لم تزل تلكم الشعارات وهما

 قد شبعتم عداوة وخلافًا                وصرمتم حبل التواصل صرما

 ونسيتم قرآنكم وجعلتم                    دون إيمانكم من البغي ردما

 الشعارات لا توحد صفًا                    والخلافات لا تحقق حلما

 إنها رجعة إلى الله تمحو                 كل عار وتحسم الأمر حسما

 هذه الأبيات قيلت قبل أكثر من عشر سنوات، ولكنها لم تغادر حال الأمة بكل صدق، لأن شاعرنا يرى ببصيرة إيمانية نافذة، وهي تنطلق من حس قرآني لحسم الأمور، والنهوض بالأمة بعيدًا عن الشعارات الزائفة.

ويقف أمام قامة الطفل الفلسطيني الشامخة في قصيدته «شموخ في زمن الانكسار» فيشدو لنا على لسانه أعذب الشعر: 

أنا من ربوع القدس طفل شامخ                 أحمي فؤادي باليقين وأعصم         

ما زلت أرقى في مدارج عزتي                          قلبي دليلي والعزيمة سلم           

وأرى بعين بصيرتي ما لا يرى                       غيري وأعرف ما يحاك ويبرم     

سكت الرصاص فيا حجارة حدثي                    أن العقيدة قوة لا تهزم

.. هذا الشعر يحمل الكثير من الصدق والقوة، صدق قائله شاعرنا العشماوي. وقوة عقيدته التي لن تهزم بإذن الله.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2147

140

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد

نشر في العدد 1896

97

السبت 03-أبريل-2010

الثبات على طريق الدعوة