; انتخابات مصر .. مصر اختارت هويتها الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان انتخابات مصر .. مصر اختارت هويتها الإسلامية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 12

السبت 10-ديسمبر-2011

  • الليبراليون واليساريون - بعد خسارتهم - يشجعون حكومة من خارج البرلمان
  • خريطة سياسية جديدة للبرلمان... ظهور قوى حديثة ، وتكلس القوى القديمة
  • خبراء سياسيون: ضرورة تشكيل الحكومة من حزب الأغلبية حتى لا يعطل البرلمان أعمالها

بانتهاء المرحلة الأولى من أول انتخابات برلمانية حرة منذ أكثر من ٦٠ عاما، شارك فيها ٦٢% من الناخبين بفوز حزب الحرية والعدالة الإخوان المسلمون بالمرتبة الأولى ٤٠% ، يليه - بحسب الدوائر - حزب «النور» السلفي ٢٠%، ثم الكتلة المصرية ليبرالية يسارية ١٥ فحزب الوفد » ٦% ، ثم «الوسط» %5.. تبدو المؤشرات المبدئية لهذه الانتخابات وكأنها تشير إلى أن مصر اختارت هويتها الحضارية الإسلامية بعد الجدل الشديد الذي ثار حول طبيعة الدولة ما بعد ثورة ٢٥ يناير»، بعدما بلغ نصيب الإسلاميين ٦٠% ، ومنتظر أن يزيد في المراحل الأخرى.

ومع أن بعض الكتاب اليساريين وصفوا هذه الانتخابات زورًا - في الفضائيات المصرية بأنها انتخابات طائفية» لا «سياسية» في تبريرهم لفوز التيارات الإسلامية بالمراكز الأولى، وتأخر التيارات الليبرالية واليسارية التي حظيت بدعم الأقباط، إلا أن ما لم يذكره هؤلاء أن هذه الطائفية - إذا جاز الحديث عنها - نتجت عن معركة وثيقة الدستور» - وثيقة الجمل» ثم «السلمي» والدعوات المتطرفة لإلغاء المادة الثانية من الدستور المتعلقة بالشريعة الإسلامية التي استنفرت الأغلبية الصامتة من الشعب - المصري.

وإذا كان فوز قائمة «الحرية والعدالة بنسب تصل إلى ٤٠ - ٥٠ بحسب الدوائر ليس مفاجأة بسبب الدعم الشعبي الظاهر للإخوان، وقدرة الجماعة التنظيمية العالية والخبرة السياسية والبرلمانية لها، فالمفاجأة الحقيقية تمثلت في فوز قوى سياسية حديثة مثل حزب «النور» و«الكتلة المصرية - واستمرار تقهقر القوى القديمة مثل «الوفد» والناصري».

فحزب النور» هو المفاجأة الحقيقية الأولى في هذه الانتخابات، وفوزه بالمرتبة الثانية بنسبة حوالي ۲۰، ربما يشير لانتشار التيار الإسلامي المحافظ في مصر وربما يكون رد فعل شعبي على سياسات القمع الأمني في الأنظمة السابقة للتيارات الإسلامية خصوصا، وربما بسبب تأثير الفضائيات الإسلامية السلفية.

والمفاجأة الثانية كانت فوز الكتلة المصرية التي تضم ليبراليين ويساريين في بعض الدوائر وتقدمها حتى على حزب الوفد» بسبب حالة الحشد الطائفي من قبل قيادات كنسية وأخرى ليبرالية ويسارية خشية فوز الإسلاميين وهو تطور سلبي قد يشير لإحلال ليبرالية وعلمانية أكثر تطرفا ، محل الليبرالية الوطنية التقليدية التي تؤمن بالهوية الحضارية الذاتية والتي ظل حزب «الوفد» يمثلها على مدار قرن من الزمان.

ومثلما تقهقر حزب الوفد، وهو من الأحزاب القديمة حصل على نحو (٥%) تقهقرت كل الأحزاب القديمة، واتسم أداؤها بالضعف مثل الناصري» و«التجمع»، بل واختفت باقي الأحزاب الـ ٢٤ التي نشأت في عهد النظام السابق، في حين تقدمت أحزاب حديثة من الأحزاب الـ ٣٤ التي ظهرت عقب الثورة، مثل حزب «الوسط»، و«الثورة مستمرة و المواطن المصري»، و«البناء والتنمية.

دلالات مؤشرات الفوز

أولا: أبرز دلالات مؤشرات هذه الانتخابات أنها أثبتت أن الأغلبية الصامتة تحركت وبنسب تفوق بأربعة أضعاف من كانوا ينتخبون سابقا وتذهب أصواتهم هدرا بالتزوير، وهو تحرك حسم الصراع لصالح الأغلبية الصامتة، وأنه على النقيض مما كان يقوله مسؤولون في نظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك» من أن شعب مصر غير مؤهل أو غير ناضج للديمقراطية، أثبت المصريون قدرتهم على تقديم نموذج ديمقراطي حقيقي ذاتي بل وتحدوا كل الصعاب ومؤامرات تأجيل الانتخابات عبر العنف المفتعل هنا وهناك.

ثانيا: أن من يشيعون الخوف بين المصريين من حكم الإسلاميين، فضلا عن أن هذا أمر مستغرب لأن من جاء بهم هو الشعب في انتخابات حرة فهو خوف غير مبرر؛ لأن الشعب المصري تحرك وخرج للشارع وليس واردا أن يظلمه أحد أو يضطهده أو يفسده.

ثالثا: يرى خبراء سياسيون أن امتلاك حزب الحرية والعدالة أغلبية في البرلمان يعد ميزة وليس عيبا ؛ لأنه يسمح بوجود عمود فقرى شرعي ثابت وصلب، وينقذ البرلمان والحكومة من التفتت والعشوائية التي قد تجهض التجربة الديمقراطية كلها بسبب الخلافات والمطامع السياسية لكل فصيل سياسي مشارك في الحكومة.

رابعًا: من مؤشرات هذا النجاح أيضًا أن الشعب يريد الشريعة، لا بمعنى الحدود وقطع اليد - كما يروج الخصوم عن جهل أو للتشويه الإعلامي - ولكن كمنهج حياة متكامل يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والتنمية، وهو ما يفرض تغييرات تدريجية في الحياة السياسية المصرية في الداخل والخارج، تستند إلى الاعتماد على الذات وكف يد الفساد والتوزيع العادل للثروة والمشروعات الجماهيرية، لخدمة القطاع الأفقر لا شريحة الأثرياء فقط كما كان يجري في حكومات سابقة.

خامسا: هناك احتمالات في حالة اللجوء الخيار الحكومة الائتلافية أن تكرر القوى الأخرى الليبرالية واليسارية الفائزة نفس موقف حركة «فتح» في فلسطين عندما رفضت التعاون مع حركة «حماس» إخوان غزة، متصورة أنها بذلك ستكرر تجربة ترك الإسلاميين (الحرية والعدالة والنور يشيلوا الشيلة وهي «شيلة» أو تركة ثقيلة تركها النظام السابق، وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي ترتبت أيضا على شهور الإضرابات الفئوية والاعتصامات في التحرير كي يفشلوا وتشتد الضغوط الخارجية على مصر.

وخطورة هذه الخطوة - على فرض أنها ستحدث مستقبلا - أنها ستصعب المهمة على حكومة شبه إسلامية بالكامل؛ لأنها سيكال لها اتهامات من كل جانب، ويسهل الضغط الدولي عليها لإفشالها، ومع هذا فقد يكون لهذه الخطوة ميزة لحزب الحرية والعدالة لأنها ستدفعه لتشكيل حكومة من هوية واحدة وبالتالي وضع برنامج سياسي واحد والتفرغ لتنفيذه بدلا من محاولة إرضاء باقي القوى الليبرالية واليسارية المفككة والمنفلتة والمبعثرة

حكومة من خارج البرلمان

أخطر النتائج التي يمكن أن تترتب على فوز الإسلاميين في برلمان ۲۰۱۱م هي اتجاه المزيد من القوى المحسوبة على التيار الليبرالي واليساري لمساندة خطط المجلس العسكري الإبقاء حق تشكيل الحكومة عموما في يده ومن خارج القوى الفائزة في البرلمان.

فالمفترض في الأنظمة الديمقراطية أن يكلف الرئيس المجلس العسكري في هذه الحالة الحزب الأكبر في البرلمان بتشكيل الحكومة، ولكن هناك آراء متضاربة حول هذا بعضها يرى أن هذا مستحيل بسبب عقبات قانونية واردة في الإعلان الدستوري نفسه وبعضها متعلق بحالة السيولة التي تميز النظام السياسي المصري عموما باعتباره نظاما رئاسيًا، فضلًا عن عدم وضوح الصورة في ظل عدم وجود دستور جديد.

وقال حزب الحرية والعدالة: إنه يجب أن يشكل البرلمان الجديد الحكومة وليس المجلس العسكري، بيد أن الآراء التي أدلى بها اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قبل الانتخابات ركزت على اعتبار أن الحكومة يجب ألا يشكلها المجلس المنتخب بالضرورة، وهو ما يهدد بحالة صدام بين هذه الحكومة وبين البرلمان الجديد ما قد يشل الحياة السياسية بسبب اعتراض البرلمان المنتظر على أغلب قرارات الحكومة لأن الحكومة التي لا تستند إلى أغلبية برلمانية لا يمكن أن تمارس عملها في الواقع العملي. حسبما قال د. محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة.

فالبرلمان لن تكون له سلطة إقالة حكومة الجنزوري» أو تشكيل حكومة جديدة»، حسبما قال أحد أعضاء المجلس العسكري مطلع هذا الأسبوع، غير أن مراقبين يتساءلون عما إذا كان المجلس العسكري سيتمكن من مقاومة إرادة مجلس انتخب في انتخابات نزيهة خاصة إذا سارت العملية بسلاسة حتى النهاية.

وقد أجمع العديد من الخبراء السياسيين على أنه من حق الحزب الذي يحقق الأغلبية البرلمانية تشكيل الحكومة التي تدير البلاد بعد الانتخابات باعتبار أن هذا حق واقعي وعملي ويخدم مصلحة مصر، ويؤدي لتكامل بين دور الحكومة والبرلمان، وقالوا: إن عدم تكليف الأغلبية البرلمانية بتشكيل الحكومة ربما سيدخل البلد في دوامة جديدة وأزمات سياسية نتيجة وجود مسؤولين في الحكومة من خارج الأغلبية البرلمانية القادرة على إيقاف عمل أي حكومة وتعطيل البلد.

الرابط المختصر :